عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

من جاء الى السلطة بقوة السلاح هل يمكن ان يخرج عبر صناديق الاقتراع؟ سؤال صعب وشائك. بلادنا تواجه الآن هذا السؤال. بعد مضي قرابة عقدين، هل هناك حل آخر. لا أحد يملك جواباً حاسماً. لكننا قطعاً نأمل ونتمنى.

 نأمل أن يحدث في بلادنا ماحدث في دول أخرى خرجت من شرنقة الأنظمة الشمولية الى رحاب النظام الديمقراطي، ونتمنى أن نصل الى دولة المؤسسات.

وإذا لم يعد هناك خيار سوى خيار الانتخابات وصناديق الاقتراع، وعلى الرغم من نقائص التجربة الحالية، فإننا لا نملك إلا أن نخوضها. المؤشرات الحالية تقول إن سقف التوقعات ليس عالياً، لكن قطعاً هناك فوائد كثيرة ستفرزها التجربة الراهنة. واكبر هذه الفوائد أن هناك حرية في القول، وان التمرين الديمقراطي مفيد، حتى لو لم نستطع أن نربح المباراة.

تأسيسساً على ما سبق، فإن المطالبة بتأجيل الانتخابات ليس له ما يبرره، صحيح ان الجميع مضطرون لدخول السباق طبقاً لشروط مجحفة حددها سلفاً من له سلطة القرار. لكن أن يكون هناك سباق، افضل كثيراً، من ارجاء السباق نفسه.

أحزاب المعارضة تعتقد أن " المؤتمر الوطني" يهرول نحو الانتخابات لأنه متيقن، من أن النتيجة ستحسم لصالحه، بعد معركة  تسجيل الناخبين التي تم التحكم فيها عن بعد ومن قرب. وبتوفره على الامكانيات المالية،وسطوة السلطة، وأن هذه الهرولة الغرض منها البحث عن " شرعية للنظام" أكثر من اي شئ آخر. شخصياً لدي اقتناع ان السودانيين، ليس قطيعاً يمكن أن نسوقه نحو صناديق الاقتراع ، ليصوت لصالح فلان أو فلان. لست مع أرجاء الانتخابات، لسبب بسيط، مؤداه أن التأجيل، يعني أن من بيده السلطة سيستمر بانتخابات أو بغيرها،إذاً لماذا لا نقاتل ولو كانت ظهورنا على الحائط، على اساس الرهان على حيوية ووعي هذا الشعب.

بعض الناس يقولون إنه لا يجوز تنظيم انتخابات في ظل الأوضاع المضطربة في دارفور، ولعلهم يتناسون ان انتخابات قد جرت ولم يشارك فيها الجنوب بسبب اوضاع مشابهة. أكثر الاصوات التي تعلو هذه الأيام حول تأجيل الانتخابات، هو صوت حركة " العدل والمساواة" التي تقول إن إجراء الانتخابات يعني غياب أزيد من 40 في المائة من الناخبين، استناداً على أوضاع دارفور، وانه من الأفضل الانتظار حتى عودة اللاجئين والنازحين الى قراهم في الاقليم، ويقيناً الرقم ليس صحيحاً والتحليل خاطيء.

مشكلة دارفور لا يمكن أن تحل في ظل غياب الديمقراطية في البلاد. ولا يجوز لبلد برمته أن ينتظر، لان لا أحد بمقدوره ان يضع لنا سقفاً زمنياً، لمسألة عودة اللاجئين والنازحين، وتأجيل الانتخابات يعني بقاء " المؤتمر الوطني " في السلطة.

 كيف إذاً ننتظر من خلق المشكلة أن يحلها. إن القول بضرورة عودة اللاجئين والنازحين، ثم إجراء الانتخابات يعني ان تنتظر الحركات المسلحة تنازلات " المؤتمر الوطني" ، ومن ثم فإن على السودانيين الانتظار حتى تأتي هذه التنازلات.

و"حركة العدل والمساواة" تنسى، او ربما تعرف، لكنها تتناسى، أن إجراء انتخابات في بلادنا هو في حقيقته تطبيق لاتفاقية نيفاشا، وهي اتفاقية كلها ثقوب، لكنها في كل الاحوال اتفاقية تحظى باجماع دولي، ام ان هؤلاء لم يعد يتذكرون أن مجلس الامن انتقل بكامله من نيويورك الى نيروبي للموافقة على تلك الاتفاقية.

وعلى أرض الواقع يقول مراقبون محايدون، أن الأوضاع في دارفور لم تستقر، لكن على الاقل يمكن للمدن الرئيسية وبكثافتها السكانية ان تشارك في الانتخابات، وأعني بالضبط الفاشر ونيالا والجنينة.

وفي إطار واقع الحال في دارفور، وما يجري هناك، تلقيت رسالة من عبدالباقي جيلاني وزير الدولة في وزارة الشؤون الانسانية، يعقب فيها على مقالي الذي كتبته في الاسبوع الماضي حول " يحدث في دارفور الآن..حكاية عائشة دهب ويوسف وزكريا" . أحمد للسيد جيلاني أنه اختار الحوار حول ما قلت، وأنه لم ينف ما اوردت من وقائع بشأن حكاية " عائشة ويوسف"، بيد أنني اجد لزاماً الرد على ما قاله الرجل. لكن الموضوعية والنزاهة المهنية، تقتضي أن أورد أهم ما جاء في رسالته، وردي على ما قال .

بعد مقدمة فيها بعض الثناء ، لم أجد مبرراً في نشرها يقول السيد جيلاني " أطلعت علي موضوعكم بصحيفة الأحداث العدد  857 الصفحة (7) يوم السبت 13 مارس بعنوان (يحدث في دارفور الآن... حكاية عائشة دهب ويوسف زكريا). أولاً معذره اذا لم تتمكن من زيارة دارفور في الماضي والدعوة مفتوحة لك لزيارة دارفور الآن ولا أجد لك عذراَ في التأخير عن زياره هذا الاقليم (سلطنة الفور) ذو التاريخ التليد والقرآن والكسوه ( المحمل) وأصدقك القول إن هناك مشكلة صنعتها الطبيعة (الجفاف والتصحر) وتداخلت فيها الأجندة والأطماع الاقليمية والدولية. ولكن والحمد لله الآن انتهت المشكلة (الحرب) وهناك هدوء مشهود وعودة طوعية ظاهرة والتحدي الذي يواجه أهل السودان والمجتمع الدولي الآن هو الايفاء بتوفر الخدمات الأساسية في القري والفرقان ولاشك ان هناك جهداً مبذولاً من حكومة الوحدة الوطنية وحكومات الولايات في دارفور ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات التطوعية وكلها تتحد في منظومة منسقة لمعالجة الاشكالية الانسانية وتوفير مشاريع انتاجية صغيرة للمساعدة السكان في مواجهة الحياة . ما استغربت له في حديثكم عن الوضع الانساني ( كيف أثر خروج بعض المنظمات في تردي الأحوال الانسانية الأمر الذي انعكس علي السكان فكان بعضهم يخرج للعمل في المدن ( الجنينة ) علي وجه الخصوص) ، ولعلمكم ... ان عدد المنظمات العاملة في السودان (168) منظمة عالمية منها (108) منظمة تعمل في دارفور تم ابعاد (13) منظمة منها (10) منظمات عالمية كانت تعمل في توزيع الغذاء والدواء، وخدمات المياه. تم ابعاد هذ المنظمات بعد أنتهاكها للاتفاقية القطرية والموقعة بين حكومة السودان ممثلةً في مفوضية العون الانساني والمنظمات المعنية والتي لها قانون  واضح يبين دور المنظمة والجزاءات التي تترتب علي المخالفات التي تبدأ بلفت النظر وتنتهي بالطرد. وقد استنفذت هذه المنظمات كل مراحل الجزاءات حتي مرحلة الطرد لعلمكم لم تكن هذه هي المرة الأولي التي يتم فيها طرد منظمات مخالفة للوائح والاتفاقيات، وانتم تعلمون رد الفعل الناتج عن تهويل الآله الاعلامية المعادية للسودان لطرد هذه المنظمات علي الوضع الانساني. بعد هذه الأحداث كان لا بدً من الاتفاق علي آلية لتقييم الوضع الانساني في دارفور بالتركيز عليها والاستماع لها . فكانت فكرة الآلية الثلاثية بين الحكومة والمنظمات ووكالات الأمم المتحدة علي ثلاثة مستويات هي : القطاعات ( المياه الصحة المأوي التعليم ....الخ ) وتجتمع هذه الآلية يومياَ لتقيم الأوضاع علي الأرض وترفع تقاريرها لنفس الآلية علي مستوي الولاية والتي تجتمع اسبوعياَ لترفع تقاريرها للمستوي الأعلي بالخرطوم.  (High Level Committee)  

 ومنذ الاتفاق علي هذه الآلية لم يحدث ان سمعنا عن تردي الأوضاع الانسانية بل العكس، ثم هناك تحسن في الخدمة الطبية في المعسكرات وزادت كمية المياه للفرد من 10- 18 لتر، اليوم للفرد ولم يحدث أي وباء في الصيف ولا الخريف بل اكتشفنا ان طن الطعام الذي توزعه هذه المنظمات من برنامج الغذاء العالمي ب 150 دولار للطن تم توزيعه بواسطة الهلال الأحمر السوداني بتكلفة  30 دولار للطن ، بل لم تكن هناك فجوة وهنا لا بدً لنا من الاشادة بالمنظمات السودانية التي غطت هذه الفجوة بنجاح . أنا لا أرسم صورة وردية لدارفور ولكن هذه هي الحقائق علي الأرض وقد أجتمعت في زيارتي الأخيرة في ديسمير من العام الماضي لبريطانيا بأغلب هذه المنظمات العاملة في السودان بمهنية عالية وسلوك لا تشوبه شائبة والتزام تام بالقونين والاتفاقيات وقد أقر أغلبهم بان هنالك أخطاء تم ارتكابها بواسطة بعض الأفراد وهم يأملون في عودة المنظمات المطرودة مرة أخري للعمل في السودان . وأفيدكم  بأن السودان من الدول القلائل التي تسمح للمنظمات بالعمل المباشر مع المواطن. لذلك جاءت فكرة سودنة العمل الطوعي وفق خطة بعيدة المدي تعتمد علي بناء القدرات من خلال المشاركات والتوأمة بين المنظمات والوطنية والنظمات الأجنبية . الآن تقف في الصف أكثر من (10) منظمة أوروبية وأمريكية كلها راغبة في الذهاب الي دارفور رغم ان جنوب السودان هو الأكثر حاجة لجهود هذه المنظمات نسبة لسوء الأوضاع الانسانية. واخيراَ أترك لك الاستنتاج،هذا التوضيح لا يعني ان حكاية عائشة دهب ويوسف وزكريا من وحي خيال الباحثين بل هناك أكثر من حكاية أقرب للخيال، ومرحباً بك في دارفور" .

  

انتهى كلام السيد الجيلاني. وهذا ردي عليه.          

 

*يقول السيد الجيلاني إن مشكلة دارفور صنعتها الطبيعة (الجفاف والتصحر) وتداخلت فيها الأجندة والأطماع الاقليمية والدولية، لكن في هذا التحليل ابتسار واضح  ومحاولة لطمس الحقائق، لأن المسؤول الحكومي أغفل تماماً دور النظام في ما حدث، وانتهاكات مليشيات الجنجويد التي ينتمي اغلبهم طبقاًَ لافادات يعتد بها الى عرب النيجر ومالي وتشاد ومنحوا الأراضي والمال والسلاح، أما " التصحر والجفاف " فقد كان منذ مطلع الثمانينات، ايام نميري الذي كان نظامه يصف مجاعة الناس بانها "فجوة غذائية" وعلى الرغم من كل مساويء ذلك النظام لكن لم يصل الى حد إشعال الحرب ، التي يقر بها السيد الجيلاني عندما يقول بوضوح " الآن انتهت المشكلة (الحرب) وهناك هدوء مشهود" وهي حرب كما نعرف لم تندلع ايام " سلطنة الفور" بل أندلعت في ظل الانقاذ.

*يعتقد السيد الجيلاني أنني صاحب" الحديث عن تردي الأوضاع الانسانية" والواقع أن ذلك ورد في تقرير فريق من الباحثين زار الاقليم في يناير الماضي، ونقلت عنهم، وبالتالي هو حديث من رأى.

* يقول السيد الجيلاني إن هناك" 108 منظمة تعمل في دارفور تم ابعاد 13 منظمة منها 10 منظمات عالمية كانت تعمل في توزيع الغذاء والدواء، وخدمات المياه" إذاً هناك 108 منظمة تعمل في دارفور، والسؤال لماذا هذا الحشد من المنظمات لو لم تكن هناك مشكلة انسانية حقيقية.

* يوضح السيد الجيلاني إن هذه المنظمات التي طردت " استنفذت هذه المنظمات كل مراحل الجزاءات حتي مرحلة الطرد" وما نعلمه جميعاً ان هذه المنظمات طردت بعد قرار محكمة الجنايات الدولية، وصدرت تصريحات من الخرطوم بانها لعبت دوراً في قرار المحكمة.

*يجزم السيد الجيلاني" منذ الاتفاق علي آلية(مشتركة) لم يحدث ان سمعنا عن تردي الأوضاع الانسانية" وكنت اتمنى من المسؤول الحكومي، أن يقول لنا كم عدد اللاجئين والنازحين الذين عادوا الى قراهم ، حتى نتيقن بالفعل أن "تردي الاوضاع الانسانية" مجرد أكاذيب.

* في مستهل رسالته وفي ختامه، يتمنى علي السيد الجيلاني ، زيارة دارفور، وأود أن أنقل اليه بكامل الموضوعية، أنني عندما زرت الخرطوم ، التقيت معظم قادة الأحزاب السياسية في إطار لقاءات مهنية، كما التقيت مسؤولاً حكومياً واحداً، وعندما سالني ماذا تريد؟ والرجل ما يزال في موقع المسؤولية، أجبته بوضوح: أرغب في زيارة دارفور. وأقول في نزاهة انه وعد، وانا مازلت انتظر الوفاء بوعده.

 

 

"الأحداث"

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1