عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أقول ادائماً إن على الصحافي أن يقف في حياته لحظة عليه فيها أن يتحدث دون تردد أو تلعثم ليجعل صوته مسموعاً ومفهوماً ثم ليكن بعدها ما يكون.

في هذه اللحظة من تاريخ الوطن، اقول وبكل وضوح إن انفصال الجنوب عن الشمال، سيكون قراراً قاسياً ومؤلماً ومحزناً، لكن الواضح ان القرار اصبح ماثلاً، بل أضحى حقيقة حتى قبل ان يذهب الجنوبيون نحو صناديق الاقتراع. نحن في الشمال الذين دفعنا الامور بهذا الاتجاه، ولم يعد علينا الا الإقرار بهذه الحقيقة.

حتى لا يحدث اي خلط حول هذا الأمر، اقول إنني ومنذ مطلع الثمانينات وقبل أن تولد الحركة الشعبية من رحم ردود أفعال قرارات الخرطوم، كنت أقول لا يوجد حل لمشكلة الجنوب سوى منح الجنوبيين " "حق تقرير المصير". قلت ذلك يوم كان ذلك القول يعني" الخيانة العظمى" ، وكان لسان حالي يقول " ربي إن الخيانة أحب الي من أن يقال هذا شيطان أخرس".

ظل الجنوب دائماً في موقع رد الفعل. لنعود إلى التاريخ لكي نعرف عنه وليس لكي نتمسك به.

كان "تمرد توريت" عام 1953 رد فعل على قرارات اتخذت في الخرطوم ، والرغبة في القفز على " حق تقرير المصير" الذي كان يفترض أن يطبقه ساساتنا بعد إستقلال البلاد. لكن اولئك الساسة اعتقدوا آنذاك، أن الأمر ليس سوى وعود في الهواء يمكن ان تطوى في اقرب فرصة.

ثم جاءت سنوات حكم ابراهيم عبود، وأنطلق " التمرد" من جديد، وازداد اشتعالاً عندما أعتقد حكام ذلك الزمان، أن الحل هو "حرق الغابات بمن فيها" و"طرد المبشرين أذناب الاستعمار".

وجاءت أكتوبر وما بعدها ، ووجد الجنوبيون أن لا أحد التفت اليهم ، ولم تكن هناك سوى مداولات اكاديمية باردة حول مشكلة سياسية ساخنة، في مناقشات " المائدة المستديرة".

وبعدها جاءت سنوات نميري الحالكة، وعلى الرغم من اتفاقية " اديس ابابا" فإن نميري الذي ظل يتخبط طيلة حياته، قفز فوق اتفاقيات اديس ابابا التي وقعها وزارؤه، وحين قاد البلاد الى حافة انهيار تام ، معلناً " قوانين سبتمر" التي لم تحقق عدلاً ولا اقامت حكماً رشيداً ، ومن أين لها ان تحقق ذلك، والحاكم وصل به الهوس الديني حداً أعتقد فيه ان الملائكة تحف به، وانه يطير من الخرطوم الى أضرحة الاولياء والصالحين، كان أن جاء رد الفعل هذه المرة حركة مسلحة قادتها الحركة الشعبية .

من كل ما سبق كانت النتيجة مثل قوانين الفيزياء ، كل فعل له رد فعل مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه. والجنوب في كل ذلك مزيح غريب من الغنى الفادح بثرواته والفقر القاتل بواقعه.

ثم جاءت الانقاذ، وانطلقت "حرب الجهاد" و أمتلأت أجهزة الاعلام الحكومي ببرامج " ساحات الفدا" و فتوحات " الدبابين". في كل هذه المحطات كان رد موقف الجنوبين هو رد الفعل، وتركوا لنا الافعال الهوجاء .

الآن سيقرر الجنوبيون كما نصت على ذلك "نيفاشا" تقرير مصيرهم بعد 57 سنة من تمرد توريت، سيقررون ذلك في يناير المقبل طبقاً لاتفاقية يراقب تطبيقها كل العالم.

 قرابة ستة عقود ونحن نكابر ونلف وندو، تفادياً لحق ديمقراطي تقره كل الديمقراطيات. ستة عقود ونحن نتملص من الاتفاق المنطقي والمعقول ونتلكأ في التعامل مع حقائق الاشياء .

نتملص من اتفاق يترك للناس ان يقرروا عبر صناديق الاقتراع ما يريدون. وحين اقتربنا من لحظة الحقيقة، ها نحن نستجدي الجنوبيين ان يصوتوا " للوحدة الجاذبة". بالله عليكم من هذا الذي يمكن ان يصوت لوحدة جاذبة جرعته المرارات، وأذاقته المهانات، طوال ستة عقود.

الحقيقة الماثلة التي لن يحجبها غربال الوحدة الجاذبة ، وهو غربال لن تتسع ثقوبه لمرور أشعة الشمس فقط بل يمكن ان نرى من خلاله قرص الشمس كاملاً، هذه الحقيقة تقول إن الجنوب سميضي الى حال سبيله.

في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ بلادنا تعود النفس السودانية السمحة ، الى طبيعتها المسالمة الحنينة والحزينة. نعود لنتذكر ان هؤلاء الجنوبيين، أناس مسالمون، نتداول نكاتهم وحكاياتهم المسلية واسلوبهم البسيط في التعامل مع الحياة وتصاريف الزمن.

هنا سأروى لكم طرفة سمعتها من الفنان ابرهيم الصلحي، لعلها تلخص كل ما سنشعر به من أسى، بسبب ما نختزنه من حكايات طريفة عن اخوتنا في الجنوب وعفويتهم التي لم تراكم عليها الحروب وشلالات الدماء والضغائن، الغبار، وهو أمر في حد ذاته يسترعي التأمل. بقيت تلك العفوية كما هي.

روى لنا ابراهيم الصلحي ونحن مجموعة تحلقت حوله في أمسية من أمسيات البحرين التي ذهبنا اليها لنتذكر الطيب صالح ، وأقول الى البحرين ذهبنا لنتذكر، وليس امدرمان أو الخرطوم او مروي.

قال الصلحي إنه في احدى زياراته الى الجنوب بصفته وكيلاً لوزارة الاعلام في منتصف السبعينات، زار مريدي ، وبما ان معظم المدن الجنوبية في تلك الفترة كانت تنعدم فيها الفنادق، فإن كبار موظفي الحكومة كانوا يقيمون في الاستراحات الحكومية، وهذا ما حدث مع الصلحي ، ويبدو ان تلك الاستراحات كانت تعاني اهمالاً، لان ظروف الاقامة فيها، كما وصف الصلحي،  لم تكن مريحة، خاصة اننا نتحدث عن سنوات نميري الذي حطم البلاد شمالها وجنوبها، وسجن من سجن وقتل من قتل وعذب من عذب وشرد من شرد.

قال الصلحي إنه طلب من النادل الجنوبي الذي يعمل في الاستراحة ان يأتي له بوجبة عشاء ، ويبدو ان طباخ الاستراحة لم يكن يتوفر الا على بعض الفراخ ، ولسوء حظ الصلحي لم تكن تلك الفراخ طازجة ، لذلك سيلاحظ عندما قدمت له أن رائحتها لم تكن طيبة، بل نتنة. وابدى الصلحي للنادل تلك الملاحظة ، وأجاب النادل بكل عفوية بلكنة عربي جوبا كما يقال" مش كدة...أنا برضو قلت كدة". اذاً سيقر النادل بكل وضوح ان الفراخ غير صالحة للأكل، علما بانه يفترض ان يداري هذه الحقيقة بحكم وظيفته، لكنه لم يفعل.

هذا هو الجنوبي اذا ترك على سجيته، انسان مباشر واضح وبسيط، لا يداهن أو يجامل، بل يقول كلامه دون التواء ممزوجاً بروح التهكم والسخرية.

هذا هو الجنوبي الذي سنفتقده حقاً عندما يمضى الجنوبيون الى حال سبيلهم. بعض الناس ربما يفتقدون اشياء أخرى ، على رأسها عائدات النفط ، اما نحن ، وأعني هنا " الأغلبية الصامتة" في هذا البلد الطيب، فإننا سنفتقد أمثال " نادل استراحة مريدي".

وفي موضوع الجنوب، سيثبت لنا التاريخ مرة اخرى، إن الحرب هي بالضرورة تجميد للحياة المدنية وقيد على الأمل وتعطيل لحق الاختيار. وان الحروب، كل الحروب، لم تقدم حلاً لأية مشكلة في التاريخ.

والامر لن يقتصر على الجنوب، بل كذلك يشمل الحرب التي عرفها أقليم دارفور. كل الذي نجم عن تلك الحرب ليس سوى المآسي والكوارث، وهذه الحروب في نهاية المطاف لن تقدم حلاً لمشكلة، خاصة ان قضية دارفور، في البدء والمنتهى مشكلة تنمية وظلامات .

الآن سأنتقل الى مسألة لها علاقة بالحربين اي " الجنوب ودارفور". فقد سمعت، ولعل كثيرين أيضاً سمعوا ما قاله خليل ابراهيم متزعم "حركة العدل والمساواة " في حوار تلفزيوني، وهو يشدد على مخارج حروفه، دون أن يرف له جفن " علينا أن ننتخب جنوبياً رئيساً للجمهورية حتى نعزز فكرة الوحدة الجاذبة" عندما سمعت هذا التصريح بدا لي أن الأمور وصلت عندنا الى خارج نطاق " اللامعقول".

خليل ابراهيم الذي خاض "جهاداً" في الجنوب، وكان في طليعة " الدبابيين" ، واصبح " من أمراء المجاهدين" يأتي في عام 2010 ، ليطلب من هذا الشعب الطيب وأغلبيته الكاسحة لم تتورط في " جهاد" أو" قتال" ضد الجنوبيين، أن ينتخب رئيساً جنوبياً ليجعل من الوحدة جاذبة.

خليل ابراهيم الذي حين عاد من بعثة في الخارج، وجاء ليجد أن " مفاصلة" على حد تعبيره أخوته في التنظيم ، قد وقعت ، وقالوا له في معرض تفسيرهم لما حدث، كان علينا ان نضحى بأحد أثنين إما "الشيخ" حسن الترابي ، أو" الدولة" كان رأيه أن الموقف السديد هو التضحية بالدولة.

خليل ابراهيم الذي بنى تنظيمه " العدل والمساواة" على الاعتبار القبلي المحض، يقول أيضاً إنه لا يقبل ان تعترف السلطة الحاكمة في الخرطوم الا بتنظيمه، لانه هو التنظيم الذي يضم جميع "ابناء دارفور".

خليل ابراهيم يطلب الآن من السودانيين انتخاب جنوبياً، من الجنوب الذي جاهد فيه هو شخصياً من قبل، لتكون الوحدة جاذبة.

أعترف بانني لم أعد أفهم .

 

 

 

 

"الأحداث"

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1