عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أتاحت لي " ايام البحرين" التي خلدت الذكرى السنوية الاولى لرحيل الطيب صالح، فرصة نادرة للتعرف على بعض الاسماء عن قرب وبعضهم التقيتهم لأول مرة.

كانت فعاليات برنامج الملتقى تبدأ في الثامنة مساء ، ربما كان هذا هو الوقت الملائم في منطقة الخليج. لذلك شكلت فترة الصباح وما بعد الظهر فرصة سانحة لتبادل الأحاديث والذكريات والدخول في نقاشات متنوعة مع ثلة من السودانيين الذين تمت دعوتهم للمشاركة في الملتقى.

كان هناك الدكتور حسن ابشر الطيب، الذي سبق أن التقيته في مناسبات متعددة ، قال عنه الطيب صالح "هو من الناس الذين أحببتهم"، والمؤكد انه ايضاً من الناس الذين أحبوا الطيب حباً صادقاً. حسن ابشر الطيب، طاقة لا تهدأ ، يمكن أن يتحرك في جميع الاتجاهات، وهو يتمتع بشخصية مرحة، خفيف الظل، مولع بالأدب على الرغم من انه متخصص في الادارة.

ظل يلاحق موضوع إطلاق اسم "الطيب صالح" على أحد شوارع الخرطوم، الى أن تم ذلك. روى لنا كيف كادت البروقراطية والكسل الاداري أن تجهض المشروع. هو يعمل الآن وبكل طاقته من أجل إنطلاق مشروع " مركز الطيب صالح الثقافي". تفضل علي بان وضع أسمي ضمن مجلس أمناء المركز ، كما انه طلب أن يكون كتاب " على الدرب مع الطيب صالح" في نسخته المزيدة والتي ستضمن أشياء كثيرة قالها الراحل، من أول إصدرات المركز.

كان الطيب صالح شديد الامتنان له وللاخ محمود عثمان صالح بان جمعا كل ما كتب من مقالات صحافية وإصدارها من "دار رياض نجيب الريس" في بيروت وهي الاصدارات التي وصلت حتى الآن الى عشرة كتب، كما أنهما اعدا أيضاً كتاب المريود ، وهو كتاب ضخم اشتمل على كل ما كتب عن الطيب صالح بعد رحيله.

شعرت شخصياً بحزن شديد لان العلاقة بين حسن ابشر الطيب ومحمود عثمان صالح تراكم عليها الكثير من الغبار. ولا أخفي انني وجدت نفسي في موقف صعب وحرج. تعرفت على الرجلين عن طريق الطيب صالح ، وكان يقول عنهما معاً بانهما من خيار الناس وانهما اسديا الكثير للثقافة السودانية. كان شديد الامتنان لما بذلاه معاً من جهد في صدور الكتب العشرة،  بل واشهد الله على ذلك، كان في أكثر من لقاء يطلب مني توطيد علاقتي بالرجلين.

بيد ان خلافاً للأسف حدث بعد رحيل الطيب صالح ، خلافاً وصل الى صفحات الصحف. خلال أيام البحرين قدم الدكتور حسن ابشر لطيب روايته كاملة حول ما جرى ، وروى هذه الرواية امام مجموعة السودانيين التي شاركت في الملتقى. شخصياً استمعت لروايته ، بيد انني لم اعقب، إذ كما قلت أجد نفسي في هذا الخلاف في موقف صعب، المؤكد انني لن انحاز لطرف ضد آخر، ذلك لا يتسق أصلاً مع قناعاتي، ثم أنني لن افعل ذلك على الأقل وفاء لرغبة الطيب صالح " ارجو ان توطد علاقتك بالرجلين" .

وعندما زرت الخرطوم في ديسمبر الماضي ،حرصت ان اتحدث في مركز عبدالكريم ميرغني عن " الطيب صالح الذي أعرفه" وعندما طلب مني الدكتور حسن ابشر الانضمام الى مجلس امناء المركز الثقافي لم اتردد. ولا أجد لي دوراً في الخلاف الذي تفاقم بين الرجيلن سوى السعي بالخير بينهما.

تعرفت كذلك وعن قرب خلال أيام البحرين على الفنان ابراهيم الصلحي. لم التق الصلحي قط . لكنني ايضاً سمعت عنه الكثير من الطيب صالح، خاصة انه كان قد رسم الكثير من الرسومات التي تصدرت أعماله. الصلحي رجل خبر الحياة وخبرته. فنان سريع البديهة. متهمل في الحديث. ساخر. في أعماقه روح المبدع وفي سلوكه الكثير من تحضر المثقفين. أمدرماني قح. ذخيرته من الحكايات والمفارقات لا تنضب.

تحدث لنا تفصيلاً عن الظروف التي اعتقل فيها في السبعينات، بعد فشل المحاولة الانقلابية للمقدم حسن حسين ضد نظام نميري. لم اكن اعرف أن ذلك المقدم المغامر ذي التوجهات الاسلامية هو أبن عم الصلحي. كان الصلحي وقتها وكيلاً لوزارة الاعلام . وفي يوم الانقلاب ذهب الى الوزارة ولم يكن يعرف أن انقلاباً قد وقع. وأعتبر ذهابه الى الوزارة وقرابته مع المقدم حسن حسين دليلاً كافياً على تورطه في الانقلاب، ولم يكن ذلك صحيحاً على الاطلاق. وروى لنا أنه تعرض لضرب مبرح من طرف مجموعة تابعة لأمن نميري، قبل ان ينقل بعد ذلك الى سجن كوبر حيث امضى اشهر من السجن في ظروف مزرية، من بينها ان سلطات السجن كانت تتعمد أن تقدم له مرقاً يطفح بالحشرات والديدان، وكان مضطر هو ومن معه في السجن الى وضع شريحة بصل في أنوفهم حتى يستطيعوا ابتلاع الاكل النتن.

عقب خروجه من السجن طلب منه الطيب صالح ، وكان وقتها مديراً للاعلام في قطر، ان يخرج من السودان وينتقل الى الدوحة ليعمل هناك، وعلى الرغم من أن النظام حاول لاحقاً أن يرد له الاعتبار بتعيينه وزيراً لكنه رفض العودة الى السودان.

كانت لي ايضاً احاديث متشعبة مع الصحافي والناشر محجوب عروة، وهو إسلامي نال نصيبه من غضب رفاقه  حيث حشر في بيوت الاشباح لثلاثة اشهر. سبق ان التقيت عروة عدة لقاءات عابرة لكن خلال ايام البحرين تعرفت عليه عن كثب. واستفدنا كثيراً في وجوده معنا حيث كانت أخبار الخرطوم تصلنا طازجة، إذ هاتف عروة لا يكف عن الرنين.

وفي المنامة تعرفت على الفنان على مهدي. وعلى مهدي خليط امدرماني حقيقي مع خلفية تراثية تجدها حتى في زيه المتميز وعمامته الخضراء. يخال اليك وان تستمع لحديثه المتصل عن " البقعة" انك تعيش زمن سرور وكرومة وزنقار والبنا وود الرضي وصلاح عبدالسيد. ثم ياتيك الاحساس ان هذا الشاب الامدرماني القح، رجل متصوف مقبل على الحياة ، لكنه يعرف ايضاً حواري القاهرة ، وعراقة دمشق، وبذخ ابوظبي ، ومفاتن باريس ، وزوايا لندن، وإيقاع الحياة في واشنطن. هو فنان بقى في السودان وخرج منه في الوقت نفسه، إذ ظل في الخرطوم لكنه شغل مواقع مرموقة في اتحادات فنية عربية ودولية.

أهداني "دبوس مسرح البقعة"  وعندما سالني طلابي في الدارالبيضاء بعد أن أصبحت هذه الايام على وضع ذلك الدبوس  باستمرار على عروة البذلة عن حكايته ، قلت لهم هذا شعار ينتمي الى مدينة تمنيت ان انتمي لها ، لكن شتان ما بين " عراقة البقعة " و "حجارة شبا".

التقيت كذلك في أيام البحرين الدكتور محمد المهدى بشرى. هذا الرجل الدمث والناقد المتمكن، أعاد لي اياماً لا يمكن أن تنسى.

كثيراً ما سئلت في مناسبات متعددة عن دراستي في السودان فاقول صادقاً انا خريج، وأشدد على كلمة خريج هذه " مدرسة كريمة الصناعية الوسطى ، قسم النجارين". لست مبالغاً في ذلك ، لان كل ما حدث بعد ذلك من دراسة وجامعات وما الى ذلك لم تكن سوى مصادفات قادتني اليها صدف نسجها القدر بكفاءة. 

الدكتور محمد المهدي بشرى ، حرك دون أن يدري في نفسي تلك الاشواق القديمة الى ايام "المدرسة الصناعية". كنا وقتها بالنسبة لبلدة مثل كريمة ، الاكثر تعلماً وثقافة ، ليس لاننا من عباقرة الزمان ، بل وببساطة لانه لم تكن هناك في كريمة مدرسة حكومية سوى المدرسة الصناعية. الدكتور محمد المهدي يدرس الآن في كلية الآداب في كريمة. إذن كريمة أصبح فيها " طلاب جامعيين" يا له من زمان.

سألت محمد المهدي كثيراً عن كريمة واحوالها، وسررت عندما سمعت منه ان تلك البلدة، التي قرر بعض اهل الانقاذ ان لا تتحول الى مدينة مطلقاً، ما تزال تحتفظ بمجتمعها المتداخل والمتساكن وانفتاحها، وتقبلها للآخر.

سعدت في ايام البحرين بالتعرف على الاذاعية والشاعرة روضة الحاج وزوجها القاريء النهم والمثقف الدكتور عامر. ولاشك ان روضة عملت عملاً مقدراً في نقل ما جري في المنامة الى السودانيين، حيث حرصت حرصاً شديداً على متابعة ايام الملتقى وسجلت كل ما قيل .

تعرفت بالطبع في البحرين على ثلة من السودانيين الذين سهروا على تنظيم الملتقى وبذلوا الكثير من اجل انجاح فعالياته، وعلى رأسهم ، البروفسور سعد محمد سليمان، ومحمد موسى جبارة، وشباب متحمس كانوا يتحركون في جميع الاتجاهات.

كما التقيت المخرج التلفزيوني اسامة ، الذي عرض مقتطفات من شريط توثيقي رائع حول الطيب صالح، وقريته كرمكول.واسامة فنان حقيقي يعرف كيق يحرك الكاميرا، ويربط بين المشاهد.

كانت اياماً لا تنسى. وكما قال الكتور حسن ابشر الطيب ، كان الطيب صالح يجمع الناس ، كل الناس، في حياته، وهاهو يجمعهم بعد رحيله. لذلك اقول وكما قلت من قبل " كان الطيب صالح في حياته أكبر من الحياة وسيبقى الطيب صالح في موته أكبر من الموت".

رحمك الله ابا زينب.