عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

في زحمة الأحداث المتسارعة التي تعج بها بلادنا هذه الايام ، يأتي خبر من واشنطن يقول إن الزميل والصديق العزيز محمد علي صالح قرر أن يقف امام البيت الابيض في نهاية كل اسبوع يحمل لافتة تقول "ماهو الارهاب"  و" ماهو الاسلام".  قال الصديق محمد إن هذه الوقفة ستستمر الى ان يموت أمام البيت الابيض ، عسى ولعل ان يقتنع الامريكيون بان لا علاقة بين "الاسلام والارهاب" . أطلق صديقنا محمد علي صالح على هذه الخطوة الاحتجاجية " جهاد حتى الموت". هو يلخص فكرته في عبارة كتبها بخط أصغر تقول  "يريد الرئيس اوباما ان يحسن صورة امريكا في العالم الاسلامي. واريد انا ان احسن صورة الاسلام والمسلمين في اميركا. أنا سأكون هنا حتى أموت". كتبت صحيفة "واشنطن بوست" واسعة النفوذ والصيت، تقريراً حول الموضوع مع صورة للزميل محمد علي صالح امام البيت الابيض يرفع لافتته المثيرة للجدل.

قبل أن أدخل في صلب هذه الحكاية، لنتوقف عند المكان ودلالاته.

البيت الابيض وساحة " لافايت" المقابلة له، من بين أكثر الأمكنة التي تستهوي السياح وزوار واشنطن حتى من الامريكيين الذين يأتون من ولايات أخرى، الناس تشاهد صورة واجهة البيت الابيض يومياً في الأخبار لذلك عندما يجدون أنفسهم أمام البناية التي يكاد يعرفها كل العالم يشدهم المشهد، يقفون فترت طويلة أمامه. التظاهر مسموح به امام البيت الابيض ، والمظاهرات متنوعة ومتعددة، ولأنها كذلك أصبحت جزء ً من المشهد اليومي الذي يغري الزوار بالوقوف والتقاط الصور.

عندما جئت الى واشنطن، كانت هناك متظاهرة طبقت شهرتها الآفاق. ظلت تنصب خيمتها أمام البيت الأبيض منذ صيف عام 1981.اسمها كونسبسيون بيسيوتو ولدت في غرب اسبانيا. هاجرت إلى نيويورك، لتحقق حلم حياتها بالهجرة إلى امريكا، وصلت إلى هناك وعمرها آنذاك 18 سنة. عملت في البداية سكرتيرة في  القنصلية الاسبانية في نيويورك، ثم تزوجت رجل أعمال إيطالياً، وكان عمرها 21 سنة ورزقت عام 1973 بابنة وحيدة ثم انفصلت عن زوجها. ترفض بيسيوتو الحديث عن هذه التفاصيل، وحين سألتها عن أخبار زوجها ردت باستياء "لا أعرف". كما لا تتحدث عن ابنتها. انتقلت بيسيوتو إلى واشنطن، بعد أن فقدت في نيويورك كل شيء بما في  ذلك حضانة ابنتها، حيث خسرت عدة قضايا للحضانة في محاكم "مانهاتن" و"البني"عاصمة نيويورك، وهكذا فقدت عملها ومنزلها وزوجها وابنتها.

حاولت بيسيوتو في العاصمة الأميركية، أن تشرح هذه "الاوديسا" لأعضاء الكونغرس، لكن دون جدوى، وبعدها قررت أن تحمل قضيتها إلى الشارع، واختارت ساحة البيت الابيض. نصبت بيسيوتو خيمة قرب سياج البيت الابيض، وهي تطالب بـ"العدالة في أميركا وخارجها".

تقول بيسيوتو إن السياسة الاميركية، هي سبب شقاء العالم.  بيد أنها بدأت تحمل أيضاً "إسرائيل والصهيونية"، النصيب الأكبر من هذه المشاكل. وهي تعتقد "أن اسرائيل وراء كل المشاكل" على حد قولها. كانت بيسيوتو "معادية" للقضايا العربية، لكن تحولاً كبيراً حدث لها منذ سنوات. وحين سألتها عن سبب معاداتها للقضايا العربية، عندما بدأت حركتها الاحتجاجية قالت "كان ذلك بسبب نقص المعلومات". تقول بيسيوتو إنها تعرضت عدة مرات "لاعتداءات" من طرف السلطات الأمنية الامريكية، بل سبق أن ضربت ضرباً مبرحاً، حتى تنقل خيمتها من جوار السياج الى الجهة المقابلة من الشارع قرب حديقة "لافيت ". في كل مرة تخرج من الخيمة بعض الصور التي تظهر آثار الضرب على وجهها. عمرها الآن 65 سنة، كانت تنام أحياناً في درجة حرارة تحت الصفر خلال أيام الشتاء، إضافة الى تكدس الثلوج فوق خيمتها الصغيرة. تقول بيسيوتو إن صديقها وليام توماس، الذي يبقى في  الخيمة حين تغيب لأي سبب، يفعل ذلك في  بعض الأحيان وليس باستمرار. يشار إلى أن توماس نفسه لديه حكاية، إذ سبق أن طرد من بريطانيا، بعد أن مزق جواز سفره الأميركي، وأعلن بأنه "مواطن بلا وطن". لا تواجه بيسيوتو فقط المتاعب مع أحوال الطقس المتقلبة والسيئة وشرطة الحديقة في بعض الأحيان، لكن من المتشردين الذين يأتون إلى حديقة " لافايت"، وكثيراً ما تحرش بها هؤلاء.  تقول بيسيوتو "هل تعرف أنني رأيت بعض الناس يتجمدون من البرد حتى الموت، في  هذه الحديقة على مقربة من البيت الأبيض، حيث يوجد أقوى رئيس في العالم".

تعيش هذه المحتجة الأشهر على الإطلاق، على ما يجود به السياح الذين يزورون واشنطن لمشاهدة البيت الأبيض والتقاط صور أمامه، وتضع إناء أمام الخيمة لهذا الغرض، وهي تقتات على الخبز وقطع الحلوى والقهوة.  تقول إنها تنام اربع ساعات في اليوم. لا أكثر. ترتدي ملابس رثة، كما ترتدي قبعة تتكون من عدة قطع من الثياب، لتقي رأسها من البرد القارس. ترفع بيسيوتو شعارات كثيرة فوق الخيمة، تندد كلها بالحروب والظلم والأسلحة النووية، وتدعو للحرية والسلام، لكنها تركز على أسلحة الدمار الشامل، كما ترتدي إشارة تندد بإسرائيل. تتحدث بيسيوتو الإنجليزية بلكنة اسبانية، تقول بيسيوتو"المؤكد أنني أستطيع العودة مجدداً للحياة الطبيعية، لكن الله اختارني لعمل عظيم". قبل ان اغادر واشنطن اختفت بيسيوتو، لا أعرف اين توارت وما إذا كانت قد عادت.

هاهو الصديق محمد علي صالح ، يقدم على ما كانت تفعله كونسبسيون بيسيوتو. لكن بدون خيمة وبلافتة يرفعها وهو صامت مرة في كل اسبوع. قبل أسابيع من مغادرتي واشنطن ، طرح علي محمد علي صالح فكرته، وكانت وجهة نظري ان من حقه القيام بذلك، طالما أنه "امريكي" يحق له كل ما يحق لأي مواطن أمريكي، والأمر الثاني ان نهاية الاسبوع هو يوم عطلته الاسبوعية، ومن حقه أن يفعل فيه ما يشاء. وشرع محمد علي صالح بالفعل في "جهاده الصامت".

في امريكا عندما تنال جنسية البلد، تصبح مواطناً تتمتع بكافة الحقوق. عكس ما هو الحال في اوربا حيث يعتبرك الاوربيون وفي أي بلد "أنك لست مواطناً أصلياً" هم لا يقولون ذلك ولكن هذا التمييز يواجهك في حياتك اليومية. امريكا بلد مهاجرين أصلاً، لذلك تصبح فيه امريكياً على الورق وفي الواقع. أليس باراك حسين اوباما ابن مهاجر لم ينل والده الجنسية الامريكية أبداً ؟ ثم أين هو الرجل الآن؟ هل يمكن لشخص من اصول هندية او باكستانية ان يطمح في رئاسة الحكومة البريطانية؟ أو ان مواطناً من اصول تركية او كردية أن يحلم بمنصب مستشار دولة المانيا؟ أو شخصاً من أصول موزمبيقية او انغولية أن يصبح رئيساً للبرتغال؟

الجواب كلا.

الذين كتبوا ينتقدون قرار محمد علي صالح بالتظاهر أمام البيت الابيض، سواء من السودانيين أو من غيرهم ، فاتتهم هذه الجزئية الأساسية، وهي ان الرجل " امريكي" بكل ما تعنيه الكلمة من حقوق وواجبات. في هذا السياق توقفت عندما كتبه الصديق عبدالرحمن الراشد في صحيفة " الشرق الاوسط" يقول  الراشد" ما الذي حل بهذا الرجل الذي عرفته لسنين طويلة كأكثر الأصدقاء تعقلا وأكثر الناس مسالمة؟ غُم عليّ لأنني اعتبرتها هزيمة شخصية لي، أن أرى شخصا محترما ينتهي هذه النهاية المأساوية.... على كثرة معارفي المتطرفين فكريا لم يفجر أحدهم نفسه في أحد، ولم يطأ أكثرهم تطرفا على ذيل نملة، فكيف انتهى هذا الصديق المسالم هذه النهاية المروعة ".

كلام الصديق الراشد يعوزه المنطق لسبب بسيط، لانه يعتبر ان صديقنا محمد علي صالح فقد صوابه وانتهى نهاية مأساوية . هذا قول يجافي الحقيقة والمنطق ، لان محمد علي صالح كمواطن " امريكي"  اراد أن يقنع "الامريكيين" بما يعتقد وهو في كامل وعيه واتخذ قراراً ينسجم مع قناعاته ، وليس بالضرورة أن نتخذ قرارات تلاقي قبولاً من الآخرين حتى نتصف بالتعقل، وهذا ما لم ينتبه له الراشد ، وهو يصدر أحكامه التي تخلط الأمور خلطاً شديداً ، بين محمد علي صالح الذي هو حقاً من اصول سودانية ، وبين محمد علي صالح الذي هو بالفعل مواطن امريكي يحق له أن يفعل ما يفعله اي امريكي يريد الاحتجاج على ما يعتقد انه سوء فهم لدي الامريكيين. ثم ان محمد علي صالح على مستوى التفاصيل: امريكي منذ عقود متزوج من امريكية بيضاء وابناءه الثلاثة امريكيين ولدوا في امريكا وعاشوا في امريكا .

إذن من اين جاءت " النهاية المروعة" كما يقول الراشد.

الذي كان سيثير الاستغراب فعلاً والدهشة لو ان محمد علي صالح قرر ان يرفع لافتة أمام القصر الجمهوري في الخرطوم، وهو القصر الذي أطلق عليه ذات يوم  اسما كاريكاتورياً  وقيل إنه أصبح " قصر الشعب" ، ورفع لافتة تقول " ما هو النظام الشمولي ... ما هي الديمقراطية" . وقتها سنقول إن محمد علي صالح اتخذ مبادرة غير منطقية لا تنسجم مع هويته التي حددها واختارها بنفسه، اي أن يكون مواطناً امريكياً. ثم هل كان سيسمح له اصلاً أن يرفع لافتة أمام القصر الجمهوري ليطرح على السودانيين الذين يمرون من شارع النيل ، هذين السؤالين.

في اعتقادي ان محمد علي صالح إختار أن يتصرف كمواطن امريكي ، وهذا حقه الذي لا ينازعه عليه أحد. وبدلاً من استهجان او استغراب ما أقدم عليه. علينا ان نتمنى ان يكون من حق أي مواطن سوداني رفع لافتة امام القصر الجمهوري يقول فيها ما يشاء ، ثم يعود سالماً مطمئناً الى زوجته وأطفاله عندما تغيب شمس الخرطوم.

 

"الأحداث"

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1