فوانيس

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    

سلاما لوجهك يامنفايّا

 

ملحا لإجتراحات الآخر..

 

إن جراحات هويتي تلتئم حيث الناس وانسانيتهم..

  

تابعت العديد من التغطيات التى تمت للملتقى ورصدت بعضها بهدف البحث والتحليل لقضية شغلتنى  منذ  فجر وعىّ السياسى واحتدت هذه المواجهة عبر اسئلة المهجر الذى عمدّ اسئلة الهوية والكينونة فى دروب المعرفة والبحث عنها فى كل الدروب التى مشيتها .

 

أما قبل:

 

اثناء جمعى للمادة  المتنوعة التى  اريد تحليلها إستنادا على  الكيفية التى تمت بها التغطية لهذا الملتقى  بعد ختام اعماله وجدتنى مواجهة من جديد بسؤال {الآخر}, لهذا ارى بالضرورة وقبل ان اخوض فى كيفية واشكاليات هذه التغطية ان احاول الغوص فيما وراء هذا السؤال, سؤال {نحن} و {الآخر}.

 

إشكالية الصلة بين {نحن} و {الآخر} أدت الى العديد من الصراعات والحروب التى شهدها السودان, فهى نتاج للسياسات  التى  اتبعت فى السودان منذ الاستقلال, حيث كان هناك دائما آخر منفى , آخر مقصى على الهامش, لا صوت له فى صناعة القرارات التى جاءت  معوجة لغياب مايجعلها تستقيم مع حلم  العدالة. بحثت عن الآخر فى مناهجنا, سياستنا الاقتصادية فما وجدت سوى تغييب متعمد.

 

{نحن} التى اعنيها هنا هى مجموعة تربطها مصالح اقتصادية, سياسية, ثقافية, اجتماعية الخ...., هذه {النحن} ترتبط بسلطة ما لا يملكها الأخر وهذا يقود الى تسلطها حفاظا على هذه المصالح وتبتكر وسائل جديدة  {لتمكينها} من هذه السلطة  والتى تعرف بال

 

Power over

 

وتستخدم كل الوسائل للحفاظ على هذه السلطة, الشىء الذى  يؤدى الى مزيد من الصراعات نتيجتها هذا التشرزم الحاصل فى الساحة السودانية وتحويل الصراع الى إثنى / دينى وتتناسى السلطة عن عمد ان اصل الصراع نابع فى الأساس  من الظلم فيما يخص السلطة والثروة وكيفية تقسيمها بعدل.

 

 والآخر هو ذلك المغيب الذى لايشكل وجوده أهمية, هذه الأهمية تتبلور حين يبدأ هذا {الآخر} فى التململ والحراك لاجل تغيير وضعه, ويرتبط بلذعات الوعى, حيث تبدأ شرارات الأسئلة  لتعزيز الذات التى تبدأ بالوعى الانتقادى. هذا الآخر إن لم يكن واعيا بمتطلبات المرحلة سيتحول الى قاهر حين  يمتلك السلطة ويمارس ذات آلية النفى والاقصاء مستخدما فى ذلك كل المرارات التى عاشها وهو على الهامش, تلك المرارات التى تسببت فيها السياسات المرسومة على كل مستوياتها التشريعية , التنفيذية, القضائية والصحافة.

 

اكثر مايتحرك فى واقعنا السياسى هو تبادل هذه الادوار وفقا لمقتضيات المرحلة, فالذين كانوا بالامس القريب {آخر} تحولوا  الى {نحن}, على سبيل المثال, الحركة الشعبية التى دخلت الغابة منذ ان اتقد وعى قادتها بجمرات  اسئلة الوعى الاولى اصبحوا اليوم جزء من السلطة الحاكمة فى الخرطوم وهذا لم يتأتى كونه {صدقة} من المؤتمر الوطنى وانما نتاج لمعارك طويلة  وحرب ضروس ضحيتها كان انسان السودان. فمن ماتوا فى الجنوب بسبب الجوع والعطش والحروب يكملون {انسانيتنا} ويواجهونها بقيمة وجودنا البشرى.

 

على مستوى {الصفوة} اختلطت الاوراق, ليس نتاجا لحراك طبيعى يأتى من القاعدة, لان على  مستوى الشارع  مازالت افرازت نفى الآخر واقصائه وتركه وحيدا يواجه ازماته, تطفح فى واقعنا ومازال النشيد المدرسى الوحيد يخدش حناجرنا بسؤال الوحدة الوطنية, فى زمن تتوحد فيه كثير من شعوب الارض التى ادركت ان قوتها فى وحدتها, فى تنوعها والاعتراف به. { ومنقو قل لا عاش من يفصلنا}.

 

هذا وطيلة تاريخنا السياسى  لم نجد مايجعل وحدتنا ممكنة, فنقاط الألتقاء  كوننا جميعا ننتمى لهذا النيل ظلت واهنة وتذوب مع اول مواجهة رغم مالنا فى هذا التاريخ من إرث ثورى كان بالامكان الاستفاده منه وفق رؤى ثاقبة  تمكن  {الجميع} من رؤية {الوطن} الذى يسع الجميع بتعددهم وتنوعهم. الاّ ان النفوس السياسية  لا ترغب فى تطييب هذا البلد الذى انهكته  المصائب والازمات.

 

كل ذلك يحتاج الى تفكيك وقراءة جديدة, طالما استحوذت على طيور عقلى ان تنزلنى على الارض لارى ذاتى  ومواجهتها بنقائصها, اخطائها, احلامها لاجل {الذوات السودانية} والتى من خلالها ارى الآخر, ابحث عن مايقوى ويعزز وجودنا الانسانى وذلك لن يتم مالم نحاول رؤيتنا لبعضنا من خلال القاسم المشترك الذى يؤسس لرؤية مركزية نلتف جميعنا حولها وننتمى لها.

 كل ذلك يرتبط {بصراع الرؤى} ولعل من الجدير هنا ان اذكر د. فرانسيس دينق وتناوله لهذا الصراع. فحين اكملت الشهر الفائت كتابه

{صراع الرؤى} تيقنت من عمق الهوة بين شعوب السودان, هوة  صنعها {صفوته}, والاختلاف فى هوياتنا  وعدم الاعتراف بهذا  كان سببا فى الازمات التى افرزت سياسات قائمة على النفى والاقصاء لمجرد الاختلاف فى وجهات النظر, كل ذلك لاننا لم ننجح فى خلق هوية وطنية هدفها الوحدة المستنده على هذا التنوع الثر الموجود فى السودان.

 

ظل هذا التنوع والتعدد الثقافى غائبا  فى السودان رغم انه على المستوى النظرى يوجد مايكفى من إرث ثقافى حول قضايا الهويات  الاّ إن ذلك شكل غيابا فادحا فى الاجهزة الاعلامية وهذا ليس بمستغرب, فقيمة الاعلام بالنسبة للانظمة العسكرية والديكتاتورية قائمة على السيطرة الكاملة  على هذه الاجهزة  واستخدامها ابواقا لغسيل الامخاخ لا لتنميتها وتطورها.

 

فى الوقت الذى يعانى فيه زملاء وزميلات التخصص والمهنة فى مجال الاعلام, الذين يملكون رؤية  واضحة حول دور الاعلام فى نشر ثقافة السلام بدء من الاعتراف بالآخر وبدوره فى ترسيخ هذا الاعتراف من خلال صوته المشارك ليس فى الاعلام وحسب وانما فى كل الاجهزة التى تصنع السياسة  فى السودان تمهيدا لعدالتها وانحيازها لكل اهل البلد. فهذا {البلد  بلدنا} ومن المفترض ان يكون { سيدها} العدل والمساواة الاجتماعية بين ابنائه وبناته.

 

فمن أين جاء هذا الضيق بالآخر؟  والى اى مدى رسخت له الاجهزة {الرسمية} فى الدولة؟ لماذا الآخر  فى الغالب {عميل} و {طابور خامس}  وتصك له قوانين من شاكلة قانون {الخيانة العظمى}, فما الذى يحدد عمالة هذا او هذه؟ وفى الجانب الآخر مالذى يحدد وطنية هذا من ذاك او هذه من تلك؟

 

هذا الضيق لم يبدأ مع الانقاذ ولكنه ترسخ تماما فى عهدها, فقد استطاعت بوعى ان تسوق لفكرة النفى للآخر وتصوره من خلال بعض البرامج باعتباره عدو مارق. هل يمكن ان ننسى  تلك الحرب الاذاعية التى كان يبثها يونس محمود كل صباح؟  كيف أثر ذلك على وعينا وعلى حياتنا ونحن نبدأ صباحنا {بقتل الآخر}. كيف وتحولت {سبحة} الصلاة الى  وسيلة يتسلقها الانتهازيون للوصول الى اهدافهم؟

 

وبرنامج  {فى ساحات الفداء}  ورؤية الجثث والاشلاء من ابناء الوطن الواحد؟ كيف لنا ان نحتفى بالموت والله خلق الحياة  لنفلحها بالسلام؟

 

كيف لعب الاعلام دورا فى التغييب والتغبيش للوعى وصوت المذيع يحكينا عن الملائكة التى ظللت {الشهداء} فى تلك الحرب اللعينة التى تركت آثارها غائرة فى النفس ومن الصعب محوها؟ فلن تمحيها بضعة ارطال سكر لام {الشهيد} ولا {زغرودة}  تحتفى بزواجه من بنات الحور} ولا جداول العسل التى  جرت تحت اشلاء الجثث فى الجنوب.

 

كيف تفجر كل ذلك الغبن التاريخى فى نفى الآخر ونحن نشاهد ماتناقلته الاجهزة الاعلامية عن المواجهات الدامية التى تمت بعد مقتل  دكتور جون قرنق؟ وفى المقابل كيف هدأ الوضع حين خاطب التلفزيون فى -  صحوه فريدة-  اهلنا من جنوب السودان المقيمين على اطراف الخرطوم بلغتهم الام.

  

الشىء الذى ادى الى اخماد العنف الذى حدث وراحت ضحيته اسر وشباب ودمرت بيوت وممتلكات لا لشىء الاّ بسبب غبن تاريخى لم يصنعوه بل صنعته الصفوة السياسية.

 

وحين عبرت الازمة عاد الاعلام الرسمى لسيرته الاولى, وقد شاهدنا ايضا ماحدث بعد دخول قوات د. خليل إبراهيم  الى ام درمان فى خطوة غير محسوبة بوعى سياسى, راح ضحيتها ابرياء من ابناء وبنات هذا البلد. وتابعنا تأثير الاعلام الرسمى المحرض ضد {الخونة} و{العملاء} و{ المرتزقة}, حيث دفع ثمن ذلك بعض من اهلنا  من درافور المقيمين فى الخرطوم واطرافها.

 

ليس امرّ من عمل معرض للسلاح فى ام درمان.  هذه المشاهد تحفز على البحث حول الدور التحريضى للاعلام عبر تاريخ السودان.

 

ومازلت اذكر كيف رددنا حين كنا صغارا { يامايو حبيب زى امى وابوى زى اختى واخوى}, وطالما ترسخّ فى وعينا ان مايو مثل اقرب الاقربين الى الروح والقلب فلذا {سنفديها بالدم والروح}. الا يدعو للتساؤل حول خلخلة العلاقات الاجتماعية حين قتلت مايو الامومة والابوة والاخاء وقبل ذلك رحمة الدين الاسلامى؟  وصورة الخليفة عمر العادل رضى الله عنه تشهد وعلى مايو  يشهد الظلم والافواه الجائعة والاطراف المقطعة التى اعلنها زمانئيذ التلفزيون, مثلها مثل مايسمى بمحاكم العدالة الناجزة.

 

حتى فى فترة الديمقراطيات لابدّ من وقفة ومراجعة تلك الفترة رغم الحراك الايجابى الذى يحدث كنتاج للديمقراطية وممارستها والتى كان ينبغى ان نتعلم من كل هذه التجارب, فالى اى مدى يمكن ان يعبر هذا التعلّم على رؤيتنا فى التغيير الايجابى؟!!

 

فغياب الديمقراطية كشرط اساسى لنجاح الاعلام ودوره فى التنمية المتوازنة ادى الى غياب رؤية الآخر, المتمثل فى الرأى العام, فقياس الرأى العام اصبح معيارا اساسيا تحتكم عليه سياسات التغيير فى بلاد يقيم فيها بعض من شارك فى هذا الملتقى, ورأينا وعايشنا من خلال رؤيتنا  مستمتعين بحقوقنا المدنية فى التعبير عن رؤيتنا وايصالها الى المسئولين الذين لا يهملون شاردة ولا وراده بل يعتبرون ذلك  ايجابيا طالما يتيح للآخر ان يقول رؤيته.

 

على ضوء ذلك تأتى محاولتى الاولى لتحليل  التغطية التى تمت  لهذا الملتقى  ومانتجّ من {حوارات} ومشادات فى بعض المنابر السودانية  على الشبكة العنكبوتية , فالآخر يظل آخر, ونحن نظل نحن وبينهما تنهض اشجار حنظل الاحباط.

  يتبع