فوانيس
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



إلى الغريب وحده... أهدى سيرة دمعى وملح الحياة وعزيمتى
للغريب ان يهديها لبنات منسيات فى سراديب الكون وبيوت الكرتون
ان يهديها ( لناس فى حياتنا), الناس ملح الحبر والأمنيات للآتى والذين ولدوا فى بيوت الطين
وظلت القناعة ذادهم وان ظلوا فى (صقيعة) الواقع القاسى, انهم بعض من هويتى وكل آمالى.
إلى أمىى عشة (المطرة الرشة)
الى أبى , غيم كونى هنا
الى اخواتى واخوانى... غنواتى التى لن تنشرخ
لامى حليمة الهندل شجر الصندل
لامرأة كانت ركيزتى وسحارة الأحلام
لواصل ومرافىء ولروائح البيت القديم

الى الغريب وحده.... مجدلية قلبى وجسارة الكتابة و رشيدى نحو كناريا الدروب
الغريب... قلمى.. فى كون اكثر غربة أهدى نصف قرن من مواجع الحياة التى تزهر الآن على كفوف الناس

السادس عشر من سبتمبر من الألفية الثالثة, اكملت نصف قرن من العمر ونصفه الآخر حكايتى, عصارة.. بعض من عصارة تجاربى. نصف قرن جعلت صديقة نمساوية تعد قيامة عمرى وتحاصرنى بالسؤال كلما تهتافنا, كلما التقينا: ستحتفلين وسنحتفى هذا العام  بشكل خاص, انه اليوبيل... يوبيل التجارب. صديقتى تعرف بانى لا انتمى لثقافة الاحتفاء باعياد الميلاد بالطريقة المعتاد عليها فى بلد تعرف سر الشمع  وحريقى.
وحين حلمت قبل أعوام ان اكتب بعض من تجاربى فى الحياة سريت بها لصديق: وهل وصلتى العمر الذى تكتبين فيه تجاربك؟
قلت ان العمر يقاس بالانجازات, اى منجز, الفرح والحزن ولىّ من الاثنين نصيب وان  هجم نمر الأخير علىّ وما التهمنى, النمر محتار من امرأة فنيقية كلما تلذذ  بلحمها المر كلما خرجت من جوفه نارأ تضىء وتحرق ايضا. يقاس  بالتجارب, بارتفاع غبار الحياة, وهانذى وصلت قرونا من الحكى, الشدو, الدمع الهداى والبكاء والشجاء و, حنينى لطفولتى, لبراءتى الأولى, لغنوات امى وصوتها الحنون, لقهوتها ولنارها التى لا تموت.
احتفى بطريقة تخصنى, احتفاء للتأمل, لوقفة بلا ندم على مافاتنى, بلا حزن على ما اضعته, بلا جلد ذات لتصفو الرؤية  لاتصالح مع اخطائى, اقف بلا زهو لما انجزته فى حياتى, بلا يأس لكل الآمال التى انهارت كقيزان الرمل فى يوم مطر عاصف.
إنها خمسون غزرة, خمسون {سحارة} خبأت فيها احلام طفولتى وبلحاتها وتمائم امى وتعاويذ محبتها, دمع يمور فى بطن البئر الحنون.. البئر الذى يمور بدمعى, بئر الحلة ودروبها.
خمسون جبلاً, جبل موية.. جبل دود.. جبل توتيل.. البركل.. مرة... هنا.. جبال الألب.. قروسكلوكنر, فايسكوغل..
صعدت الى بئر العمر, سنوات الطفولة, لم اكن طفلة شقية ولكنى كنت ممتلئة بفضول المعرفة ومازلت صبية, اتلمس طريقى نحو دروب الحياة ومايحقق لذاتى تصالحها.
كنت كثيرة الاسئلة, اظن ان ابى خصب كل اشجار امى بالاسئلة, ماكنت اكتفى بالاجابات العائمة ولم يشفينى الصمت مقابلا لاسئلتى.
كنت اصطنت كل فجر الى صوت القمرية, يقولون انهم لم يسمعوها ولكنى كنت افعل
كنا, اربعتنا, صغارا تفصل بيننا بضعة سنوات وكانت امى قريبة منا, تفرد جناح رحمتها لتلمنا وتحكى لنا حجوتها وتقوقى بصوتها الحنون الحزين
قوق قوق من شال سعيد
قوق قوق مايحضر العيد
قوق قوق من شال بلال
قوقو قوقو مايحضر الهلال
وينامون, واظل صاحية اتابع رحلة الغيم الذى يسكن سموات كوستى, اترك لدموعى قوقاى ملحها وابحث مع القمرية المحروق حشاها عن سعيد, عن بلال.
لا اذكر بانى تبرصت بالطيور يوما, حين يتشاقى الصغار يوم المطر, يستدرجون عشوشة بحبات القمح ثم يشوونها على حطب مبلول بماء الخريف.
ذواكر طفولتى غابات حدها الحنين والحنين والحنين, حدودها تتجاوز مارأيته, سمعته, وعايشته.
أبسط الأشياء  تفرحنى, شرائط ملونة هى باقى قصاصة الكرمبلين والدمورية المصبوغة وتوب سابوكيس لحداد جارتنا على فقدها وبقية ما تبقى من كفن يزين  ضفائرى ويمنحنى الحياة.
نصف قرن ومازلت اغلى كالبركان بالحياة, مازلت  أغنى لكل لكل وجعة فى حياتى, أغنى لها  لتقول لىّ كم جرح اجترحته وكم دمعا لم يغفو لحظة على عينى الحكاية.. حكايتى.. حكاية دروب وناس وعوالم, اقتسموا معى خبز حياتى وملح دموعى ومشوا معى الدرب, الدروب التى كانت جميلة وحنينة وحميمة ومازالت.
نصف قرن ولم أتعب من  الوقوف شاهقة مثل أحزانى على فوهة بئر الأمل  واشد دلو ايامى من اعماقها الغائرة, من وراء الازمنة والأمكنة, ربما سبرت اغوارى حين كانت روحى تسرى وتمرى  فى نملة, حدية, سمبرية, قطة مهملة, حمبرة, فرسة, بحر, نار, وحبوبات من الزمن القديم  وضفدعة كانت مشروقة بالدمع والضحك والحنان.
وأى صوت ز ار بالامس خيالى؟

ونصف قرن يشهد على حلم وطن متخيّل, مخبوء بين شقوق الجدران الفقيرة, جدران (أوضتنا) الوحيدة التى يعشق المطر غربالها, سقفنا كان التصاقنا ببعضنا. نصف قرن ولم  تكف (سمبريات) الذاكرة من خبط اجنحتها كلما (ليّلت) وكلما أعلنت الغمامات عن رغتبتها  وبطشها بشجونى.
فى العشرة سنوات الأولى ملكنى هذا الاحساس الغامض وانا اتبع خالتى (للبلدات), حقوق للفول والكركردى واقدامى الحافية تؤنسها الشوكات والحكسنيت على طول الطريق, تعلمت ان تتسع خطوتى تجاه الغد, تجاه الحياة, كنت مخلوبة اللب بخيط الرهاب, كنت ارغب فى امشى خلفه ومشيت فى  عمر لاحق ولم اصل الاّ الى حكمة  العطش ويقين التراب.
كنا نمارس فرحنا, تعلمنا ان نتآمر على حزننا ونضحك حالما تصفر بطوننا التى تأقلمت على القناعة.
فى العشر الثانية كنت فرحة بتفتح اللوز فى جسدى, كنت فى حبور  ازهو باثداء الطيور على صدرى, تأملتهما باعجاب وحنو على مرآتنا البائسة, رأيتهما طازجتان كبلحات فى شهر الصيام. لقد احتفيت بهما, احتفيت باول قطرات دم نمطوها قالوا انها خصوبتى... احتفيت بزهرتين جهنميتين فحاصرونى الى ان صارتا دومتين لا ينتميان الاّ للخوف الذى تمردت عليه.
من يومها عرفت باتى لطزاجة الفكرة والحبر, الاوراق, ونار الحياة انتمى وان صفعتنى صفعة اثر صفعة الاّ  وقاومتها وكلما صفعتنى نبت (محريب) المقاومة  فى طريقى.
إنها حكاية أصابع عرفت كيف تضغط على ذناد الحياة لاجل انعتاق من شىء ما, للسراب, السراب كان بداية حلمى  بالانعتاق من كل لحظة زيف, كذب, تجريح, وكم يبدو قاسيا هذا الفعل, فعل الإنعتاق كقسوة التشظى حين لمحت فى طفولتى (عشوشة) على (نبلة) شقاوة الطفولة, صورة العصافير الصغيرة ونواحها حالما تفقد  رفقة جناح ما, كان هو ذات النواح الذى لازمنى  سنوات طويلة, هى ذات الأجنحة التى تخبط فى ليلى وتمنحنى  الاصرار والعزيمة لاحلق ولو بجناح وحيد ومعقوص بسطوة الواقع وقسوته. الاّ ان تعلق عيونى الصغيرة  على سموات كوستى فى الخريف, فى تلك اللحظات القدسية والطيور البيضاء ترحل, افواج حلمى ترحل للبعيد, ترحل وانتظر عودتها كلما حمل قلبى بخاره للسماء لتنزل (المطرة الرشة). كانت الطيور, طيور (ام بيوض) والليل والقمر والمطر احباب الله واصحاب رفقتى, رفقة  عمر طويل, ولم تحجبنى عنهم سقوف البيوت الفنياوية الصامدة فى وجه الحروب العالمية.

نصف قرن تشهد على تلك الإبتسامة الوضئية الساخرة من مقررى المشنقة, عاطفة على من ينفذ الفعل, تلك الإبتسامة التى  نثرت فكرتها. نصف قرن عرفت فيها اقدامى  الركض فى المظاهرات وعرفت  ابعى الامساك بمحبة  لبيانات الوعى الخلاّق, عرفت حنجرتى  صحو المطالب والحقوق الانسانية.
نصف قرن تشهد على الاحلام العظيمة فى  بلاد  لم تعد كبيرة فسمها الظلم  وكان علىّ ان ادفع جريرة عشقى لبلد ظل فى الحلم وطنى الخاص.
نصف قرن ومازلت (شافعة) فى دروب الحلم, طفلة شقية وصبية راكضة وامرأة تعرف سر الهرولة, صبية قرأت فى العلن لنوال السعدواى وفاطمة المرنيسى وقصاصات سرية لبنات يكتبن ويعتقننى.  نهلت من مكتبة آل ابو ادريس, تلك الاسرة النيرة التى منحتنى القدرة على  تغذية روحى وعقلى, تلك الاسرة التى كانت  وظلت اجمل الدروب واشقاها, المعرفة التى تشقى  لتمهد مزيدا من الدروب للقادميين والقادمات.
قرأت الفراغ العريض, عشت زمنى وزمن ملكة الدار محمد, دندنت بالاغنيات المحرضة, وتلك التى تحصرنى فيما يريده  اطارات المجتمع, هى ماتمردت عليها منذ زمن باكر وماكان ممكنا لولا اسرة ابو ادريس, هى الاسرة الممتدة من القضارف, لمدنى وبدء بكوستى.
نصف قرن وقلبى الصغير يغنى مع اشواق امى: وازور بيت الخياطة: ادندن.. انه صوتى انا.. ذاده العلم سنا.. العلم الذى يفتح بوابات المعارف لاقصاها ان  نتحت اشواك العقل بمتعة تنادى نحو المزيد من مناهل المعارف..
نصف قرن وبكى قلبى يوم خرجت الجموع, مرة باحلامها على كفىّ زعيم, فى يديه خارطة  لميل ميل مربع, وخرجت مرة  وعلى قلوبها اغتيلت حمامات السلام. هى ذات الجموع التى جاءت للدنيا, عاشتها وغادر بعضهم  ولم يكن لهم صوتا فى اذاعة هنا ام درمان.. هم  (ناس فى حياتنا) حياتنا التى لم يكن لها قدرة الغناء لولا طبول الامل فى قلوبهم.
عشرون عاما على صدر شمعة الدانوب الباكية, تبكى وتضىء الطريق منذ ان قلت لها انا ابنة الشمع والحريق, منذ لك الزمان من الثامن عشر من فبراير 1993 , عشرون جرحا يزهر كلما  قرعت نتف الجليد على نافذتى, كلما تلألأت  كما الاحلام  على هامة جبال الألب, كلما قرع جرس الكنيسة القريبة من  مكان غربتى, غربتى ولكنها ليست الأولى ولن تكن الأخيرة, ولدت وبىّ غربة  وساغادر الى الضفة الأخرى حيث التقى الغرباء مثلى, الوفيين والفيات لغربتهم.
عشرون عاما برفقة
عشرون غرزة وحيدة
عشرة اصابع لاجل الحياة
خمسة اصابع تنفصل عن منابع دفئها, عن حلمها, عن جلباب حنينها.
نصف قرن ولم يكنضجيج صمتها رحيما

وكما عادَ دَرويشٌ في كَفَنٍ
قطرةٌ تدحرجتْ على مُلوحةِ اللَّيْلِ
وسكنَتْ شفتيَ السُّكُون
( ذُوادةً ) تحتَ لسانِ الطَّريق ...حزني
مأهولٌ بالصّبابة
ومُضَاءٌ بدمعةٍ عنيدة
ظَلَّتْ مُعَلَّقةً في عيونِ الْبَردِ تَسْألُ ..
عن مِعْطَفٍ للكتابة
تعودُني ( طرقعاتُ ) الْجليدِ بضنينِ الإجابة
فقط تأمَّلي حكمةَ الْجِدَار
وافتحي ( نفَّاجًا ) ونافذةً
رُبَّما تُثْمِرُ دَمعتُكَ الأخيرةُ
سيسبانةً للرَّحمة
لزرقاءِ يَمامةِ قلبِكَ
وانْشُدي له من مزاميرِكِ
كلَّما عصفَتْ بالسَّواحلِ قُسُوَّةُ الأمواج
و( انشرقي ) بِعُلُوِّكِ
و( انطربي ) على ربابةِ الْهُوِيَّة
تُنبِتُ أعشابُكِ الْبريَّة
زنابقَ جليديَّةٍ تحكي
كان يا ما كان
في قديمِ الشَّجَنِ وسالفِ الْحنين
أُنثى أنهار
وسَدَّتْهُ – دُلقان- دمعِهَا ملحهَا
وجنونهَا الْمُبينْ...
ومَضَتْ
دونَ أن تقطِفَ قُبلتَهَا الأخيرةَ
عَبَّادًا للشَّمسِ
لحُقُولِ غربتِهَا ذاتِ الْوُرودِ الصَّفراء
لكتابةِ حبيبِها الْبهيَّة
طازجةٍ في بياضِهَا
مضَتْ ..
على أن تعودَ مثلَ درويشٍ في كَفَنْ !

نصف قرن ومازلت أحب الحياة وان لم استطع لذلك سبيلا.


يتبع.