عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

د. إشراقه مصطفى حامد
فيينا – النمسا
لم أحُسّ في 29 يونيو 1989م الموافق لآخر أيام امتحانات التخرج بفرحٍ يجتاحني كطالبة تنتظر حصاد غرسها،

فكيف ولِم تنهار الأحلام بين ليلة وربيبتها؟

كيف قرأ أبي كفّ التالي وعرف أن مستقبل الصحافة والإعلام رهناً ببث البيان الأول؟

كيف، ولماذا تقاطع هذا البيان مع حلم انتظرته ليصبح حقيقة و(سوميتة) كفاح طويل أقدر على تقليدها أعناق البنات الفقيرات كتميمة عزيمة وإصرار؟!

كيف وكيف...؟!

بعد الفراغ من الامتحان الأخير إياه مضيت بإتجاه الداخلية الكائنة في مدينة النيل،

كدرٌ في الرُّوحِ عبأ رئتي دونما سبب يُدرك فيُذكر!!

لماذا لا أعيش فرح الانتصار الآتي الذي انتظرت طويــلاً،

الانتصار الذي كافحت كافحت كافحت لأجله،

الفرح الممهور بدرجة الشرف التي ستزين شهادة التخرج!!

لماذا تبوأ العبوس أركان الداخلية فطفت ألحان وداع جنائزية؟

من أين أتى كل هذا الحزن والكآبة؟

ضربت موعداً حينها مع الخالة مريم (الأنصارية) والدة صديقاتي ليلى عوض الكريم وبقية العقد الفريد الذي أضاءت به ورفيقها عوض الكريم عنق (دنيانا) بالوعي والمعرفة.

تعرفت بهذه الأسرة البديعة عن طريق صديقي/أبنهم عفيف,

بيتٌ عماده دفء الإنسانية المغمسة في الطيبة والبساطة والألفة، عمادٌ تحس بأنه يتقافز من أرواحهم (ليقالد) العابرين ويدفعهم دفعاً إلى قعر الدار.

وقد ظل بيتهم ملاذي إن أو لم تُغلق الدّنيا أبوابها الصدئة بوجهي،

موعودة كنت بـ (شيّة) من يد الحنانِ التي تجيد حياكة كل فعل إنساني وأدته الحياةُ وفي الوقت ذاته طهي ما طاب ولذّ,

لكن كل هذا لم يحرض الفرح الراكد في داخلي باستسلام غريب لا يشبهني.

خرجت من الداخلية بعد أن أخبرت صديقاتي بأني سأقضي هذه الليلة في بيت الإنسانية بالهجرة أم درمان.

أنزلتني الحافلة بمحطة الدومة واتجهت على طول شارع بدأ أطول بحر عذاب يسيل في الدنيا.

وجهي كالح ينبئ بخطب جلل,

لم استطع أن أجامل برسم ابتسامة على وجهي المتعب والخالة مريم تفتح أحضانها بحنان أمومتها، ولا لليلى التي كما العهد بها نقية كعصفور وليد والتي سألتني عن الامتحان الأخير فأجبت بأن كل شيء مرّ بسلام..

لكنها آبت والحال والكلام ينبئانها إلى السؤال بحنانٍ دسمٍ: ما بك إذن؟

فأجبت بأني لا أدري لكني أحس بانقباضٍ ينهشني..

ثم دلفت إلى الداخل وأثار العفش المتناثر في الحوش يحكي عن السيول التي غمرت البلاد ضمن غضبات السماء على  الأب الشرعي لأفريقيا المعروف بالسودان.

تلك الوجبة الشهية التي أعدتها الخالة مريم وبهرتها بكلامها الحلو وحنانها الذي تخصني به, ورغم الجوع القارس الذي يضرب بأشواكه بطني الاّ أن رغبتي في تناول الحياة كانت في القاعِ,

أنتظرتُ هذا اليوم بفارغ صبر سنوات العمر الماضية واللاحقة,

تلك السنوات التي كنت عبرها التهم كل ما تضعه أمي مريم أمامي, أمي التي تعرف مثل أي أم تعرف سر أبنتها وتحفظه عن ظهر قلب بأني في الغالب جائعة وأن ما يُعمرَ بطني في الغالب (سخينةٌ قِوامها طماطم بالدكوة)، تلك الأم التي أفسحت لي مكانا دافئا في قلبها أسوة ببناتها.

لاحظت ليلى كل ذلك فما لبثت تحاول بين الفينة والفينة أن تصحي ما غفى بروحي في تلك الأمسية:

- الليلة خطاب الميزانية بتاع نقد..

مُدركةً أن (نقد) يأسرني ببساطته ولغته المشبعة بأسرار التواصل الإنساني،

كانت تعرف أن طريقته في مخاطبة الآخر تعجبني، وأنه يشدّ ضفائر دهشتي..

ومع ذلك ما كنت أرغب في أن أسمع أحداً,

كذلك لم تطربني حفلة جيرانهم بمناسبة بيت أكتملت إرادته بزواج اثنين انتصروا لغناء روحيهما,

لم تحركني (زاد الشجون) والتي كنت أبنتها الوفية, أو تجدي معي فتيلاً (بتتعلم من الأيام) تلك الأغنية التي كنت تلميذتها النجيبة التي كلما علمتني حرفاً فتحت شهيتي للمعرفة ودروبها,

لم يحركني لا النغم ولا الحلم الأسطوري الذي يتماوجُ معه بأن يكون لي رفيقاً يسندني وأيامي على نداوة قلبه.

ظللت مرهقه حزينة متجهمة وأحاسيس غريبة تتناوشني وعلى طرقها العنيف أُسدِلتْ ستائر كثة على أحلامي لأُحشر تلك الليلة بكابوس بعرض البلاد لم أفق منه أو (يتمغى) النيل بعد من نومة أهل تلك البلاد التي أنجبتني ومنحتني قُرباناً للمعاناة..

الشوارع خاوية موحشة مخيفة، أرتجف وأركض بحثاً عن إنسان يقتسم معي هذه الوحشة الغريبة.

كانت الدنيا شتاء والبرد قارصاً وقاسياً كجلمودٍ, والأشجار على النيل عارية من أوراقها وسيقانها التي تلتف بها ثعابينُ رقطاء تهتز إثر صرير ريح تعوي.

تلفت علني أرى أحداً هنا أو هناك لكني لمحت بعض دبابات وعسس يرتدون زي سلاح الصاعقة المبرقع، عسسٌ صارمون لم يلقوا علىّ تحية تطمئن قلبي الواجف.

أقتربت مني الأشجار والريح تعوي لا تزال ككلب جائع، وتحكم الثعابين التفافها على الأغصان تلتف حولي,

حاولتُ أن أصرخ فخانني صوتي,

أن أركض فأحسست بالشلل,





تداخلت كل الصور دفعة واحدة وأحسست بالاختناق فانتفضت مفزوعة والعرق يغرقني صارِخةً وأنا أرتج من الخوف:

"بسم الله"

خوف يشبه اليقين بأن هذا الكابوس حقيقة وليس محض أضغاث.

أحضرت لي ليلى كوب ماء, شربته ومازلت أحس بالعطش:

- حاسة بحاجة يا اشراقه؟

- بكره حا تكون في مصيبة يا ليلى، لو عندكم بيانات ولا أوراق مهمة قوموا أتصرفوا فيها، بكره حا يكون في انقلاب!!

هكذا بلا رتوش وكالصاعقة رميت خلاصة الكابوس الذي طارد نومي..

- يا زولة قولي بسم الله ونومي, الحالة ما أكلتي كتير من اللحمة!!

فابتسمتُ ابتسامةً شاحبة زادت وجهي إصفراراً,

كنت أصطك من البرد رغم العرق الذي يجللني,

توسدت كف الحزن وعيوني كأحلامي معلقة في الفراغ..

غفوت بحذر من لدغة ثعبان ترمي به الريح بوجهي,

صحوت عند الخامسة وسألت ليلى إن كانت قد سمعت صدى لموسيقى عسكرية ثم سألتها عن الراديو.

باب الشارع كان مواربا, أطلّ عفيف برأسه واجماً فقد انتهى حفل الجيران ولم ينفض المدعوون بعد اللذين عادوا بعد أن وجدوا الكباري التي تربط العاصمة (القومية) مع بعضها مغلقة وأشاروا إلى أن هناك حركة غريبة ولا أحد يعرف شيئا.

رمقتني ليلى بشيء من الخوف جعلني أحس كأني من سيعلن للمواطنين الكرام حيثيات البيان الأول بعد قليل.

بادلتها نظرة متيقنة بما سيحدث ويدي تقبض على حفنة تراب والأخرى على رماد تهيلهما على حاضري الحزين.

الكل في حال توتر وترقب,

سوسن تزوغ بعينيها الوديعتين ناحية تلك الغرفة التي (شلعتها) قسوة الأمطار فانهدّ عرشها وفُتحت أركانها الأربعة نحو السماء كطالب الرحمة.

كنت اقلّ ربكة لأني مهيأة لأي انقلاب فحال تلك الأشجار التي رأيتها ترتعب من التفاف الثعابين المرقطة وتتهيأ  للانقضاض على بقايا (ثورة الخبز) تنبيء بما سيحدث.

- أوعى تحلمي بي..

جُملةٌ ألقت بها ليلى محاولة إعادة بعض التوازن المفقود، لكنها لم تكن تعلم أن في الأفق زلازل وبراكين قادمة.

كنت أقف على هاوية,

لم يعد هناك من شيء مهم,

ستلامس خُطواتي أرض الواقع,

واقع له أنياب قارضة ستلتهم كل قصاصات عمري الحميمة,

خرجت  وأمامي سراب وسرب من طيور وجعي والخيبات التي أعدّ نفسي لها.

ثم كانت الموسيقى العسكرية, تلك التي تركت أثير ثكناتها..

ويا أيها المواطنين الكرام..

أيها الشعب الأبي...

و.....

البيان الأول, فترقبوه...

ذهبت إلى هويدا,

مشيتُ كثيراً حتى وصلت بيتهم..

- اكتشفت لاحقاً بأني كنت أمشي منذ تكويني وخلقي-

صمت,

حزن,

خوف من المجهول و...

عبأتُ عينيّ من هويدا فقد عرفتُ بأني لن التقها كما كنا نلتقي، وأعرف كذلك بأني لن التق كثيراً من الأصدقاء والصديقات اللذين ترافقنا، وبأننا لن لن نغني:

- يا شعبنا يا والداً أحبنا...

لن يكون الشارع ذات الشارع، ولا طرقعات أقدامنا وهي تنكش دروب المستقبل بفرح عظيم..

في طريقي إلى الداخلية راجلة من الهجرة وحتى مدينة النيل تركت لدموعي العنان لتنساب بحرقة، بحرقة تجاوزتني إلى ضفاف النيل الذي التويت مثله واجتررنا الذكرى والأحلام والأمنيات العصية..

- يا ترى ماذا أصيرا عندما أغدو كبيرة؟

وكبرت..

وكبرت أحزاني..

استطالت حوائط المستحيل,

بضربة بيان أول حُلّت الصحف.. كل الصحف,

كيف عرفت يا أبي قبل أربعة أعوام أن حظي سيكون كـ (دقيقٍ منثورٍ) فى أعاصير القرارات..

قرارات لأجل الشعب الأبي البطل..

عُدتُ إلى صوتِهِ الشجي:

- يا بِتي شوفي ليك قراية تأكلك عيش, بكرة ينط فيها عسكري ويحِل الجرائد, أها تشتغلي وين؟ علي العليك ما بتسكتي, صحافة يا بتي وسياسة ياها الخِربت ونحنا مستنين الله ومستنينك..

آهٍ أبي يا حكيم زمانك...

إلى أين إذن؟

الأيامُ حُلّت أحلامها وعُلّقت بمشابك قهر النقابات،

والخرطوم أنطفأ حرفُها في ليلِ العباد المساكين أمثالي...

إلى أين سيقودني المصير وأنا لن تتدرب لا في الأيام ولا في الخرطوم..

وسأكف عن حلمي أن أكون (دغرية وفنجرية) الكتابة المنحازة للناس مثل فيصل محمد صالح ومرتضى الغالي...

آهٍ لن يدربني محمد لطيف بخبرته الثرة،

لن أجلس  أمام مديحة عبد الله وصباح آدم لأتعلم كيف يرتبط النظري بالعملي،

لن  أكتب سيرة العشق والحنين لينشرها إلياس فتح الرحمن في ملف الأيام الثقافي..

سأفتقد معهد الموسيقى والمسرح,

لن ألتقي بخالد عبد الله ظليلاً كشجرة تبلدي وضاحكاً كأحلام الطفولة..

وفي دهاليز معارض كلية الفنون الجميلة,

لن أجد نجاة عثمان (قادلة بالزمن الفلاني)،

كما ولن تهبّ نسمات سلمى سلامة ببرنامج الصباح...

عمو غريب ودار الاتحاد, عزو وعبدو, طارق والبنات اللاتي لا تشهق عيونهن إلاّ حين يرينه، محمد عبد الوهاب، عفاف وثويبة، منال و إدورد، آليكو، دحدوح، محمد إبراهيم..لن  اصدح مع عزالعرب وعبدالرحمن قوى على خشبة مسرح الجامعة الاسلامية, لن اناكف بمحبة طارق الجزولى واشده نحو اجتماع المنتدى الأدبى, .لن انشرق بضحكة عوض هارون ولا بالوان النقر واسماعيل عبدالحفيظ.

تغير كل شيء,

كل شيء...

تطاول الخوف الذي يسكنني من أن نتناثر كعقد فريد نضمته أمي حين صحوة قماريها،

وقد حدث...



كيف للفقراء أن يحلموا رغم أنه ليس لديهم عداه؟

كنت أنقر طبل أحلامي المستحيلة،

فتحت قلبي لمخازي الزمان، ودموعي المدرارة (مترارها) دائرية أساي، فيما بروحي يغرزُ (قنفذ) الحنين أشواكه في أمشاجِ دربي..

سأنزف كثيراً...

وفى كل الأمكنة التي مشيتها ستنمو أزهار العزيمة ... ستؤرق شوكاتها