فوانيس
د. إشراقه مصطفى حامد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
فيينا – النمسا
عن أثرياء المدينة: عبدالمجيد منصور
وجه بلادى النضر (1)

يظل لك الجميل والعرفان يا أبتى الانسان
والى كمال معاذ اهدى جزء من الفصل العشرين من - أنثى الأنهار
والى ذلك الشاعر الذى استنكر أن أمدّ يدى (لاشحد)... شاحذة همتى  لانهل العلم من المهد الى اللحد!!

مدخل للافق:

وكانت البدايات
البدايات ذات المرآة المقعرة الحادة التى فيها رأيت نفسى
وللهجرة شأن آخر
الهجرة والانعتاق
وبينهما تفرفر فئران الوجود تنده قطط الحياة الشرسة ان تتعايش معها
ان تتركها تلهو بشعيرات الامل.

فوق كل ذلك كان وجه ابتى عبدالمجيد منصور
الاب الانسانى الذى سند المئات دون أذى

بقدر ماسندتنى
وبقدر ماكان وجهك عزيمتى وشمعاتى الضواية حين تهزمنى العلوم الانسانية المكتوبة باللغة الالمانية
كلما اضحك على نفسى وتلك الحروف المنقطة تخنقنى
كلما احمل جوازى الاحمر لامنح صوتى واتخذ قرارى السياسى فيما يخص مسيرة فيينا والبلد الذى فتحّ جراحاتى وزادها عمقا ونثر فيها من حنين الذاكرة.

كلما تقسو الدنيا
وكلما انكسر
يأتى وجهك صادحا بانسانية قلبك ونبلك وجمالك

يا انضر الناس فى تلك البلاد
بلدى وان جارت علىّ فيك عزيزة

اريدك ان تعرف حنانك الذى لمع فى عينىّ البروفسير الذى اشرف على رسالة الماجستير
سألنى عن سر الاهداء
عن عبدالمجيد منصور
ولماذا هو نضارة الوجوه فى بلدك

حكيت له،،
بانى لست سوى بنت فقيرة تبحث لها فى الارض عن موطىء حلم
وانه احد اثرياء المدينة , يمنح بيد ليأخذ بقلب
ولولاه لما كنت هنا فمن اين لى بمبلغ كهذا؟
الف دولار؟ هل كافية للمعيشة هنا؟ سألنى بدهشة
قلت هى الف ومائتين دولار, كانت كافية ان تقينى شر السؤال
وان تسندنى وان تدفعنى حيث هنا امامك اتكلم بلكنة غريبة عجنت حنان الالمانية فى شارع
 كلية الاعلام بالحى الثامن عشر بفيينا

كاد البروفسير ان يبكى
كاد...
ومرت سنوات
وكاتبته قبل فترة بانى اريده ان يشرف على رسالة مابعد الدكتوراه
وحاولت ان اذكره بنفسى
جاء رده
فهو لم ينسى الوجه النضر لبلادى

فهذا يكفى
هذا ما استطيع ان اقدمه الى الانسان عبدالمجيد منصور
أبى الذى منحنى للامل

عافية تسكن بدنك بقدر ما قدمت للناس
وبقدر النجوم الغائبه فى سماء فيينا
وبقدر ذرات الجليد فى جبال الالب
وبقدر فرحة الوان كليمت
وبقدر جمال انغى باخمان
وبقدر ما ساحكى عن سيرتك
قنديلا للانسانية


كن طيبا يا ابى
كن جميلا.... يا اجمل النفوس الثرية

البدايات ونقع الملح فى ماء الروح:
 كان حين زارنا  كمال معاذ, النقى كعصفور سماوى  وكنت مازلت اعانى من آثار الهزة النفسية التى تعرضت لها ومازالت بى بقية اكتئاب, حرضنى ان اقوم بترجمة شهاداتى وارسالها لعبدالله وادى الذى كان حضورا ببساطته وطيبته التى لا تقل عن كمال فى شىء وحتما  وسيقوم بمساعدتى للحصول على قبول.
كم كان صعبا حينها الحصول على مبلغ يكفى حتى لمشوار من الخرطوم لامدرمان, فكيف يمكن ترجمة الشهادات؟
ساعدتنى منى شقيقتى التى كانت تعمل فى شكرة كنانة كمحاسبة بعد ان تجمدت السنة الدراسية فى جامعة دجوبا حيث كانت تدرس التربية,  وبعض الاصدقاء اضافة الى ماوفرته من بيع السندوتشات لاستخراج شهاداتى وترجمتها وتوثيقها.
تحصلت على القبول, وكأنى  ولدت من جديد, كانت الدنيا تتسع امامى حينها ولم اشغل بالى  بكيف اسافر, فالقبول  لا يعنى سوى انه قبول وفقط.
التقيت يومها ايوب, ومازالت آثار المعتقل محفورة فى عينيه ومازالت آثار {الاحالة للصالح العام}  تحيلنا معا الى رماد,  كلانا كان مغبرا ومتعبا ولكن كان يكفي أن تصقعنى سمرته, تلك {البردة} التى كانت تشعل  حطب روحى المبلول بمطر الحزن, اجمل احلامى كان حينها ان نكون معا, شعارا رومانسيا رفعته – ليس بالخبز وحده يحيا الانسان- تملؤنى الحياة بضجيجها, ضجيج يقابله أيوب بهدوء, كنت قلقة وكان مكسونا بالصمت البديع, كل شىء كان ضاجا فىّ ليوم يبزغ فيه لونى فى سمرته وعينيه {الارنبية}. كنت يومها فرحة بالقبول المكتوب باللغة الالمانية, لمعت عينيه تلك اللمعة التى  اعرفها, لمعة الموج ومجاديفى تقاوم  بحر الحياة, كل شىء كان يبدو مستحيلا ونحن بالكاد نملك وجبة للعشاء الذى اشهى مافيه ان نكون معا, معا والى الابد. ايوب يشاسكنى, الى الابد؟- اصلو الشىء زواج كاثوليكى؟ ينضم الينا أمين محمود – زوربا- نقتسم الحلم ودمع الحزن والفرح الذى كنا نستطيع صناعته - من مافى- , الغضب والتصالح.
أيوب لم يكن منشرحا لفكرة السفر, حتى فكرة سفره الى اليمن- السعيد- {تلكع} فيها, ابن الازقة , القرى والنهر, السودان كان البحر وكان هو سمكته الملونة التى ان فارقت الماء تموت والماء كانت عاشقة روحه الاولى. ربما لم يخطر لحظتها لايوب ان هذه الورقة المكتوبة بهذه اللغة الغريبة ستصبح حقيقة. أمين زوربا كان على الدوام منتميا لافكارى واحلامى المجنونة والتى لا يحكمها  سوى منطقها- منطق الاحلام والاوهام والسراب.
فكيف يتحقق هذا الحلم وزوربا يتنظر قميصه التى كنت لحظتها ارتديه, كثيرا ماكنت افعل ان البس قميصا منه او من ايوب وهى قمصان  لاتزيد عن اصابع اليد الواحدة, اقتسمناها كما الأمل.
رميت  ليلتها بزور فكرتى, بانى ساقوم بجمع تبرعات!!!
تشاغل ايوب بقراءة رواية كانت تشدّ عصب إنسانه وكنت حينها ارغى وزوربا يذبد بالحلم وايوب يتسكع فى  باهيا فى امريكا اللاتنينه. كنت اغتاظ حين تاخذه تفاصيل مايقرأ كلية عنى, فبين تشجيع امين وصمت ايوب تمسكت بالحلم اكثر وخالتى رقية والدة زوربا تدعو لىّ وتغرس حقولى بالامنيات التى انتظر وجدة شقيقتها على صهوة جواد انتظرته طويلا.
ذهبت الى الداخلية فى نمرة تلاتة, كنت متحمسة والطعمية بدت لىّ ليلتها طيعة والجدران المطلى بالاصفر الباهت بدا لىّ اخضرا ومفتوح نحو سموات الامل. الماء الذى نقعت فيه الفول بدأ لىّ اكثر عذوبة, حبات الفول كانت عقد اللولى الذى زينت به عنقى وبدأ لىّ الزيت تعب العاملين فى تلك العصارة, وقودا لروحى.
ايام قليلة واستلمت القبول مترجما للعربية وكتبت طلبا بخط  اليد, حددت فيه امنياتى وشديت الرحال تجاه أثرياء المدينة. ساعدنى حذائى الذى تآكل أيامها من {حوامة} أحلامى. أنضمّ لىّ فريق من الصحبات والاصحاب, حنان بابكر عرفتنى بدكتورة ماجدة محمد احمد التى لم تبخل  بالمال ولاّ بالافكار, رابحة حماد تسندنى كلما وهن فىّ العظم وكلما اشتعل ليلى هما وحزنا, اخذتنى رابحة لصاحب مصنع فى بحرى, الذى بدا لى يومها  ابعد من فيينا ذات نفسها, تبرع يومها بمبلغ عشرة الف, قلت لرابحة يومها هذا مبلغ مخيف, ضحكنا رغم الاجهاد والجوع والعطش , دخلنا الى احدى كافتيريات  مدينة بحرى, خدشتنى غربتى فيها {قرطعنا عصير الغنقليز ودفعنا مبلغا يكفى لسخينة اسبوع.
ذات نهار والدنيا بدايات شتاء, جبنا ايوب وانا  بعض عيادات الاطباء فى بحرى, ايوب لم يكن مقتنعا بالفكرة, فعلها يومئذاك سندا لىّ او خوفا من غضبى. كان يؤكد على ان وجودى فى السودان افضل  رغم كل الابواب المغلقة ويبرر بانى قد بدأت  طريقى فعلا كصحفية فى الاذاعة والصفحة الثقافية فى صحيفة القوات المسلحة, وانى بدأت بخطى ثابته وساجنى ثمار ذلك. بين تشجيعة واصرارى  سبحت السفينة فى رمال الاشواق لواقع افضل. لم نجنى يومها سوى بضعة وعود وعدنا الى الخرطوم  ملىء جيوبنا بالهواء واجسادنا بالتعب.
أمين كان  يضع الخطط ويشدّ من ازرى حين يحس بانى على وشك ان ارمى راية الحلم واذعن للواقع, مثله كانت تفعل نجوى, كانت دوما تهمس فى  قلبى بانى ساحقق ما اريد, كيف؟ لا احد يملك مفاتيح الابواب للغد ولا احد  يريدنى ان ارفع رأسى المعطونة فى هذه الرمال.
كنت حين اتعب وتبدأ جدران الحياة تنهار اذهب الى عبدالملك, استجم على ضفافه قليلا ثم اغسل  احزان دربى واقدارى من يقينه وايمانه, هكذا كان عبدالملك ملكا للسكينة واليقين. التقيت عنده صديقنا هيبه- عبدالوهاب- الذى كان  اكثرنا ممارسة للفرح والضحك الاّ إنه فى ذلك اليوم  لم يفعل وحاول سحب بساط – الاوهام- من تحت اقدامى.. {انتى كمان ماتشطحى شديد, الفكرة دى تنفيذها صعب, شوفى الواقع  واستمرى هنا عشان ماتحبطى}.
كثيرا مافكرت فى قوله هذا وتقرع اجراس تحفظات أيوب من اساس الفكرة, ثم اقنع نفسى بالسؤال حول البديل ثم تستمر سفينتى على الرمال الزاحفة نحو سراب بعيد.
مرّ الشهر الاول وليس هناك افق لان يتوفر مبلغ يكفينى لاصل حلفا وازور آثار السد ويعبر بى البحر, اى بحر, فالبحر يقين آخر. الاحباط اصاب بعض الاصدقاء وماعادوا يسندوننى, فقد فقدوا الأمل وماعادوا يشدون معى شراع الحلم, فصحراء الواقع  كانت متشظية. كانت أقدامى قد بدأت تتقرح, تلك القروح التى عرفتها اقدامى ذات طفولة- ابو الضباح- كما كنا نسميه. هل تقرح الاحلام؟ جلست يومها تحت شجرة النيمة فى القوز, فى ذلك الحوش الماهل وبكيت, بكيت كثيرا, فلاشىء يغتالنى ببطء  سوى إختناق الامنية.
أيوب ظل  يحرضنى للممارسة مهنة الصحافة التى بدأتها بعشق  غريب ومحبة جياشة رغم كتمة نفس الحروف, كان يسند روحه فى شموس بائعى الكتب القديمة الذين ضاقت بهم الوسيعة فباعوا كتبهم, تلك التى هذبت نفوسهم
كنت بدأت اهتم  بالكتابة عن شعراء حسيت بان ثمة خيط يربطنى بهم, بدأت بالتجانى يوسف بشير, اشترى ايوب لى ديوان جماع وبدأت رغم  ضيق تلك الايام التهم قصائدهم واكتب عنهم. الا ان ذلك لم يمنعنى من منافحة الواقع لاحقق حلمى بالسفر.
كثيرا مافكرت بالاقلاع عن الفكرة, نازك وعفيف يغزلون معى خيوط الامل, انهض من جديد وابدأ مشوار التحدى.
يتبع..