فوانيس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

تشخيص المشكلة من وجهة نظر سودانية متخصصة انطلاقا من التعريفات المطروحة بشكل علمى هى اول الطريق لتحديد وسائل العلاج والمناهج المتبعة لمحاربة هذه الجريمة.

كيف تسير الامور ومن اين تبدأ العقدة الاولى؟ والى اين تنتهى؟ الاسس التى تقوم عليها الوقاية ووسائل الحماية ودرو الدولة والمجتمع المدنى والقانون المستقل فى صياغة قانون واضخ ينطلق من حقوق الانسان واحترام انسانيته.

فى البدء وحتى يتسنى لنا تعريف الاتجار البشرى على ضوء واقع السودان اريد ان اعكس بعض من حكايات استوحيتها من معايشات يومية من خلال عملى وكانت الكتابة علاجا للروح من تساؤلاتها المحرقة. انشر هذه الحكايات  قبل الحلقة الاخيرة  بهدف اعطاء القارىء تصورا عن الاوضاع التى تعيشها  فئة من المتعرضات للاتجار البشرى  على المستوى العالمى, حكاية نساء لا تختلف كثيرا عن وضع اى امرء سودانى تعرض للاتجار البشرى بكل اشكال الاستغلال البشع فيه. فالجريمة لها ابعادا عالمية ويلعب فيها الفقر او الإفقار بشكل ادقّ دورا حاسما ويتشابك هذا العمود الاساسى مع سلسلة اخرى تؤدى فى نهايتها الى انفجارات صعب تجاوزها خاصة فى بلدان تجيد الغتغتة على المشاكل ودفن الرؤؤس فى الرمال.

 

{1}

ثلاثة بنات على  {بحر} من دموع  وبقايا اغنيات

 

كانت تغنى وهى منكفئة على  سرير وبقية جسدها على الارض, رفيعة وذات تقاطيع دقيقة, لونها مشوحّ بقرفة شوقها الى الحياة الكريمة. كانت تمارس طقوس صلاتها, صوتها عذوبة  الدمع فى عيونى, كضىء اخترق {شرقانية انتكت على ظلها ست التسالى}  تلك المجزورة فى وسط  القارة, جدتنا فى افريقيا.. جلست ونوافذ روحى  على مصرعيها وصوت البنية فراشات تسيل الوانها فى دموعى.. فتحت الباب ببطء لارى من فيهن التى تغنى وكانت.. كانت تصلى  وتتلو بلغتها الام اغنيات عزفتها مزاميرى فى ذلك الصباح, كانت تغنى  فاتحة كل ابواب الظلم وقسوة الزمان وبدأت تنخج بكاء والغناء يتطاير فى سماء الغرفة التى شهدت ماشهدت من احزان بنات شاءت ظروفى ان اكون ضمن فريق معطاء مستشارة فى شئونهن..

 قدر ماقرأت..

وقدر مادرست

وقدر مابحثت, فلم تكن  قدر رمال الصحراء التى انهمرت من عيون البنية  مانجوت..

كانت اول الضحايا التى علىّ رعايتها, والخروج بها الى بر الآمان. قدمت لها قبل هذه الفاجعة ارشادات فيما يخص وضعها القانونى, اقامتها, دورات  اللغة واحلامها ان تصبح ممرضة.  لونها لامع كجلد ثعبان الامانى الحميمة والمخيفة- هل هناك امنيات مخيفة؟

كانت امنياتها..

وامنيات البنات الثلاثة..

ان يجدن مخرجا من  حالات الفقر المدقع والموات اليومى فى تلك البلاد التى فيها من ملامح وطنى الام..

تسلسلت الحكاية, مكتب للتسفير, وضعوا امامها الشروط وعقدت امرها لبلاد ماعرفت ان جسدها سيكون شواء لرجال عابرين, عليها ان تعيد مبلغ سفرها, خمسين الف يرو هو ثمن نحرها على شوارع هذه البلاد النظيفة.

حال وصول مانجوت الى اوربا, اخبرتها  {الكوين}  المسئولة ان تعد نفسها.. ان تمسح دهانا لامعا على شفتيها المشققات  نتاج فقر وعليها ان تتقن افعال يحبها الرجل فى هذه البلاد , بحثت عن ليمون يومها وحلقى مرار..

رفضت مانجوت وتمنعت, فلم يكن الوعد ان تخرج للشارع لتبيع جسدها ومثلها فى هذى البلاد يتربع على عرش الاحلام المحققة بامر النظام الاجتماعى الذى يعرف ان ينحاز لناسه. كان الوعد ان تعمل فى  بقالة الى حين تعلم اللغة  وانها ملتزمة باعادة المبلغ ولكن ليس بهذه الطريقة.

ضربتها ضربا مبرحا, حرمتها الاكل, لوحت لها  بحديدة صدئية, ستدخلها فى عجيزتها  ان لم تنصاع وتذهب الى الشارع, ذلك الانيق الذى يرتاده رجال مخمورين ومحبطين  يبحثون عن  لذة مؤقته وتلك الصورة النمطية عن المرآة الافريقية لا تحقق  مايتوهمونه.

كانت تصطك بردا  وهى تحكى, وكانت ارواق قلبى معصوفة برياح البشاعة والقبح فى عالم لايرحم, العالم الهناك, عالم حكامنا اللذين لايفكرن الاّ فى ذاتهم, نظرتها واهتز القلم فى يد نغوجى واثينغو, بكيت ومانديلا ترقص له الشعوب ال

Hip Hop

وترقص هى مذبوحة الامانى من وريد الساحل الى وريد  ذلك البحر.. هناك فى الخرطوم..

خوفها الاعظم من ذلك القسيس البلدى الذى اقسمت امامه, على قدح  عليه ماء ساخن وسكين  حادة, ان لم تعيد مبلغ رحلتها الى اوربا وتطيع {سيدتها} فى كل صغيرة وكبيرة فلها ان تهيىء نفسها لسكين تلاحقها اينما كانت...سيدتها من ذات البلدة التى رأت فيها مانجوت فى افريقيا الشمس.. تبكى وتشير الى السكين المعلقة فى هواء  بصيرتها المخنوق... تلاحقها وصوت {الكوين} ينتهرها ويذلها ويستعبدها...

الشابة الاوربية  التى تعمل – بوليصة- فى قسم مكافحة جرائم الاتجار بالبشر تنهض وتحضن مانجوت..

قلبى كان يوجعنى ومازال, قدمت لىّ كوبا من القهوة, مرار اشجار البن هناك تلذعنى, وصوتها يصحينى وعلى وجهى شدو منتصر. (بواليصنا} ايضا طيبون ويطيعون الحكام على احسن وجه فى تلك القارة الممتده, لوهلة  ظنيت بانى هناك, استمع بدهشة ل – بوليصة- سمراء ونبيهة العينين ومنشرق وجهها بابتسامة وهى تقدم علمها ومعارفها وما اكتسبته من الحياة وتجاربها لسند ضحايا الاتجار البشرى والوقوف بصلابة ضد المجرمين.. صحوت من حلم عابر على صوت الخواجية اللطيفة ... اذن ليبقى الحلم.

كانت اول يوم {لورديتى}, حيث رافقت احدى الضحايا الى قسم بوليس مكافحة الجريمة, تعاونها وسردها للحكاية كما عاشتها يساعد فى تحررها وبناء مستقبلها بكرامة,  استمر التحقيق حتى العاشرة مساء,  لمدة سبعة ساعات وروحى تبكى دما. امسك يدها الصغيرة كلما ترتجف وهى تتذكر رحلتها التى نظمتها مافيا الاتجار بالبشر, من صحراء لصحراء ومن ذل الى اهانة ثم الى تلك الدولة العربية التى تنطلق السفن من بحرها الكبير..

تذكرت تلك المرأة اللاجئة التى كادت تفقد طفلتيها حين انكسرت المركب الصغيرة التى كانت حمولتها  احزان قارة بحالها.

اوصلت مانجوت الى السكن المخصص لها, حيث باقى فراشات صوت البنية التى تغنى بمزاميرى, قلت للمشرفة ان تعدّ لها وجبة  ثم مسحت على جبين مانجوت قبل ان اغادر ومعى شاحنة احزانها التى لا عرف كيف احتملتها واحتملتنى وبى مايكفى. كل شىء سيكون افضل, قلت وعيونها مغروزة شوكا فى فضاء الغرفة.

خرجت وتركت الشارع يئن تحت وقع اقدامى, مشيت كثيرا,  كنت منهكة وبىّ تحدى بانى سابقى فى هذه الوظيفة, سابقى فيها لان هناك بنات افريقيات, اسيويات وشرق اروبيات وعربيات يحتاجننى ضمن  فريق المؤسسة التى تعمل فى هذا المجال من خمسة وعشرين  عاما دون كلل وملل وبافق سياسى يتناول صراع  الشمال مع جنوب ارضنا, وانا بنت الجنوب العريض, بنت الانسانية العظيمة.

قبل ان اصل الى البيت اتصل الضابط المسئول فى مكافحة الاتجار بالبشر من مدينة  اخرى وكان على ان اذهب مباشرة الى المحطة لاستقبال انديرا, تلك التى انهارت احلامها  تحت اقدام الشيوعية فى روسيا القديمة ونتاجها كان ملايين النساء اللآى تعرضن لمافيا الاتجار.

يالهذا اليوم الغريب..

وذهبت, رفيعة { وصغيرونة} وعيونها خضراء مشوحة بالحزن, احضانى التى دخلت فيها وصدرها يحكينى, اعرف هذا الاحساس, فانا ام... وعاشقة للامومة وللامهات.

 

(2)

يوم آخر من سيرة المأساة   غابت مانجوت عن الوعى, اثر تهديد باغتيال امها واخوتها ان صرحت  للسلطات بكلمة. اغمضت عينيها الجميلة  وكأنما خلق الله عينيها وسيعات لتحضن القادم من مأساتها..

رافقتها  الى المستشفى التعليمى, تمّ تحويلها الى قسم الامراض النفسية, هناك  جلست امرأة شرق اوربية بعيون زائغة وتوتر يكاد يهتز له المبنى الفخيم.

اخرى من افريقيا, ضخمة الصوت, تغنى وتقترب منّا, سألت مانجوت التى مازالت  تتراوح بين الغيبوبة والوعى, همست لها ان تفتح عينيها وان ترى هذه السيدة ان كانت – الكوين- يطلقون عليها كوين , ملكة فى اضطهاد  بنات جنسها, مسكينة هى الاخرى, مرت بنفس التجربة قبل ثلاثين عاما واستمرأت فعلها على شبكات واسعة..

فكرت فى هذه اللحظة فى  عيالى, العالم كان لحظتها بشعا ومرتبكا  وقبيحا.. وكان  علىّ الوعى اولا بخطورة هذا العمل, فورائه مافيا عالمية يمكنها فعل اى شىء لتحافظ على مالها وسلطتها, خطرت  فكرة شريرة فى رأسى, ماذا لو اختففوا صغيرتى؟ فيلم آكشن ودراما.

مانجوت تنفى برأسها انها  لاتعرف هذه السيدة!! مرت بالقرب منى وسألتنى ان كنت اعرف زوجها.

نفيت برأسى, وكدت احضنها ونبكى معا ولكنى خبأت حقيقة مشاعرى, فهى شروط المهنة..ان اظل متماسكة امام من نرعاهن. الطبيب الشاب الذى شدتنى خضرة عينيه وابتسم بعذوبة فى وجهى وهو يرقب ارتباكى ويعلق { عمل كبير ومتعب فى نفس الوقت, تماما كعملى فى هذا القسم, فانا ايضا اتعرض لمئات القصص الحزينه, قال وحال عيونى يسأله عن اثر ذلك على خضره عينيه الماهلة}...

كانت الواحدة صباحا حين طلبت من سائق التاكسى ان ينزلنى قبل محطتين من بيتى..

تركت لروحى ولدموعى العنان..

بكيت.. بكيت.. بكيت.. وناديت جبريلى...تعال ...

جلست على كرسى فى حديقة  باضواء خافتة, فى ذلك الوقت من الليل, ونسمة بعيدة تخترقنى فلتذعنى  بالحياة..

امامى  زهور نائمة وجروح صاحية  تنتح فى قلبى..

كتف جبريلى كان سندى, مصدر الطاقة التى منها امنح  هؤلاء البنات, الثلاثة بنات العشرة, المئة الالف فى واحدة. دخلت بيتى,رميت شنطتى على الارض ونزعت حذائى, كان يئن هو الآخر, ثم  توجهت  لغرفة  صغارى, قبلتهما ثم اطلت الفعل  وانا انظر الى وجه صغيرتى الملائكى, غطيت عليهما بامومتى

وطلبت تاكسى للشابة التى كانت ترعاهم  فى غيابى, ثم اغلقت الباب وفتحت ماء باردا  على جسمى,

لم انم ليلتها, تقلبت كثيرا, فتحت كل النوافذ وادرت موسيقى حبيبى التى تدندن فى روحى كلما هاجمنى مواء الواقع...كانت طبول نارية تصحى فى جسدى الحياة وتحرضنى على الاقتراب, واقتربت...

صحوت والستائر تهبّ على وجهى بيوم جديد... وبدأت الطاحونة تدرش فى ايامى..

 

(3)

كان يوما.. قبل اربعة اسابيع, فى اجتماع لفريق المنظمة التى اعمل فيها , حين بكت اغضان قلبى الهشة..

ماكفت يوما ذاتى عن الايمان بالصلة الوثيقة بين القلب وكل مانفعل..

لا فعل بحياة الاّ حين نضخ عليه من انسانيتنا. ما استطعت مقاومة البنية الجزائرية وهى تفقد الامل فى الحصول على فيزا لتسافر لترى امها التى تموت.. كيف لها ان تنطفىء وكيف لىّ ان ارى دموعها واظل بلا دموع؟ شروط الوظيفة ان اصمد فمن صمودى تصمد البنات...ولكن...

كيف وكان لها ان تكون بنتى ان تزوجت باكرا؟

كيف ولها نوعى ولغتى ودينى وفوق ذلك لها انسانيتى؟

هذا العمل مرهق ولكنى له,

تحديات على مستويات عديدة...

استقرار لهؤلاء النساء وفق ماتنادى به مخطوطات حقوق الانسان..

ودرب اكثر صعوبة, محاربة مافيا الاتجار بالبشر..

وعمق يخصنى, حين تنخر كل دقيقة وثانية ابر الذاكرة { وحال ثلاثة  بنات على بحر الخرتوم}...

هكذا, بكل زخم روحى وربكتى واسايا واحلامى بعالم عادل وسمح, انخجيت لهن, بكاء مريرا, حنظله سنوات طويلة من غربتى وصمودى, تلاقح الحزن وبعض فرح انتصار لم يحجب دموعى, هل كانت دموع اعتراف اعلقه على جبين هؤلاء البنات ام بكاء عليهن ام على ذاكرة ما اردت فتحها, ؟!!  قفز وجه ناتاشا تلك التى  تخرج احلامها المجهضة فى الرسم والتلوين, فكرت فيها وصكيت على قرار داخلى, سامنح عشرين نسخة من  مجموعتى الشعرية الجديد- أنثى المزامير-  لاجلها, سامنحها للمؤسسة التى اعمل لنتبنى جميعنا موهبتها, لترسمنى وترسم روحها ولتلوننى وحبيبى... كان هذا كافيا ليظل يومى مبتسما  فى زهو جماعى...كافيا ليرضى عن جبريلى عليه سلام العالم الذى نشتاق..

وكان سؤالى الذى مازال يشغلنا فى المؤسسة, كيف اكون انسانة واعمل على انسنة عملى دون ان انهار امام من ينتظرن منّا ان نمنحهن القدرة على مواصلة الحياة؟

عليك ان تتماسكى, فالبنات عاشن مايكفى من قسوة ... هكذا قالت زميلتى التى اسدلت ستارا  كثيفا بين مشاعرها وعقلها الذى يعمل كآلة حاسبة.

 

(4)

انجيلا , التى تتحدث السواحلية, وفى عينيها تبرق احلام تكسرت ذات رحلة طويلة, من صحراء الى بحر الى ايطاليا الى .....

شاحبة, دامعة وقلبى ذو اغصان تبكى آخر اغنيات الانهار التى عشقت..

قالت  انها حامل, ذات تسعة عشرة عاما, حامل ولا تريد الاحتفاظ بالجنين...

علىّ انا المؤمنة بالاخصاب والولادة والاطفال المانحين  الحياة لونها الابهى, علىّ ان اجد لها مخرجا..

فى مستشفيات الدولة التى تتيح لمن تريد الاجهاض ان تفعل

تتيح لمن لا تريد الاحتفاظ بطفلها ان تذهب به الى مستشفيات محددة وتضغط على الزر الكهربائى, سيخرج لها سرير للوليد

معدّ بكل مالزم, عليه ان تضعه وتذهب  فى حال سبيلها.. حال ما تبتعد خطواتها سينسحب السرير من تلقاء نفسه حسب المؤشرات التقنية

ستقوم الدولة برعايته الى ان  يعرف دربه ويعتمد على ذاته.

رأسى يكاد ينفجر..

تلاحقنى صور اطفال المايقوما وظلم العباد

لاحقتنى صور - الخرتوم  بالليل- اشتدّ صداع السؤال الكبير عن الغرق..

رافقتها زميلتى, تمّ الاجهاض بسهولة وعادت الى سريرها دامعة العنين.وكنت ايضا دامعة, فكيف استطاعت ان تتخلص من روحها؟ كيف لها ان تعيش وهى تجهض جنا حشاها, هى الامومة وهى نعمة الحياة, ولكن اهى فى ظرف طبيعى؟ سألت نفسى وحاولت هزم الصراع فى داخلى ولم استطيع.

ذات التسعة عشرة ربيعا انهارت بعد ايام من عملية الاجهاض..

فى مستشفى الامراض النفسية القريب من بيتى  بحثت عن  {جنون} مماثل,,

كدت افقد آخر عصبة تربطنى بالحياة وانا ارى كم من الناس كل فى عالمه, لا تواصل  الا بين الصمت المشترك..

ذهبت الى حيث ترقد..

شاحبة ومنطفئة,

قالت انها جائعة وان الاكل الاوربى لاتحبه, تريد عصيدة افريقية..

فى الاجتماع بكيت, انفجرت, كيف لىّ ان افصل بين قلبى ومهنتى؟

كيف لىّ ان اقمع قلبى ... كيف ومفاهيم كثيرة تنهار امامى.. يمكننى ان اعمل هذه العصيدة, فانا الوحيدة التى تنتمى الى  تلك القارة فى الفريق العامل من النساء.

لم يكن ذلك ممكنا, علىّ ان افصل بين العام { وظيفتى} وبين الخاص؟ لابدّ من الاحتفاظ بهذه المساحة بينى وبين البنية, دورى ان اساعدها وابنى معها من جديد قدرتها على الحياة دون ان تربط مصيرها بى وبارادتى, بكيت فانا ايضا اريد ان اتحرر, اتحرر من {الرهينة}, اريد ان اموت موتا {اخضرا}.

{كنت اظن ان المهجر صقلك ولكنى لم اكن اعرف انك  بهذا الضعف} قالتى زميلتى التى تعرفنى منذ عشرة اعوام.

لابدّ من توازنى لتتوازن معى حياة اخرى., حياة سعدة الامازيعية تمّ استغلالها فى عمل منزلى مقابل مبلغ  لا يغنى ولا يسمن من جوع, اذلال  ومهانات,  قانون العمل هنا يحدد مرتب العاملة فى المنازل بمبغ الف يرو فى الشهر وتأمين اجتماعى كامل ومحدد بعدد ساعات العمل اليومى ولكنها كانت تعمل اربعة عشر ساعة فى اليوم, وبالكاد تجد زمنا للتناول وجبة وبعد ذلك لم يتم الالتزام من مانح العمل بدفع المبلغ المنصوص عليه بحكم القانون ولم تحتمل  ثم هربت الى حيث ترعى الآن وحيث يأخذ القانون مجراه ضد الظالم.

وتلك الاسيوية التى تسكن ذات البيت, كانت تقابلنى بتكشيرة انفرجت حين عرفت بانى مسلمة مثلها. جاءتنى يومها ودمعات مالحة على حدقات غاندى, قالت ان زمن ممارستها لليوقا  قد حان وهى لا تريد الاحتفال بعيد ميلاد بنتها المقرر تنظيمه من  البنيات, بنتها التى لم تراها لاكثر من خمسة اعوام وهتى تنتظر قرار اقامتها لتذهب لها بكل ماجمعته خلال هذه السنوات من حلاوة وكعك, ينخر سوسه على خشب روحها.

عانقتها ومررت  اصابعى ملتهبة بنار مجوس على غار فى الهند, على شعرها الطويل ,  ابتسمت ودمعة قاومتها فى عيونى تقول لها... انا هنا.. فضائى انسانيتك التى تمنحنى الفرصة لارى ذاتى .

 

(5)

صور البنات الضحايا تلاحقنى فى صحوى ونومى فى المكتب, فى المطبخ, فى الحضانة, فى المدرسة,فى الشارع  فى العمل العام, فى السياسة وصوتى يعلو.. صوت لاجل مهاجرات ومهاجرين..لاجل حواية التى تقبض على طفل فى بطنها ورجل لايحتمل عضو استغله لكسر الغريم السياسى.. اهى السياسة التى حصلت فيها على شهادة مقدرة.. لاّ, السياسة التى اعرف واؤمن مرتبطة بالحب ومتسامية مع الانسان فى جماله وصدحه الاقرب الى الله.. الله الجميل.

 

يتبع

 

29 مايو... ذات مواجهة ذات.. 2009