في حضرة الشيخين الجليلين... "أزرق طيبة"، وآخر

أو

في مآل الحال لدى أهل الجزيرة !

                                     صديق عبد الهادي

Elsidieg Abashera [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الحلقة الخامسة

البنك الدولي والانظمة الشمولية و"ولادة" المِحَنْ !

إستقبلت قرية "طيبة الشيخ عبد الباقي"، وفي ضيافة الشيخ "أزرق طيبة"  تحالف مزارعي الجزيرة و المناقل مرتين. كانت آُخرتهما في اكتوبر الفائت. وتاسيس تنظيم تحالف المزارعين املته  ضرورة التصدي للجريمة التي اكتملت حلقاتها في حق مشروع الجزيرة وامتداد المناقل، وفي حق المزارعين وسكان المشروع بشكلٍ عام. وهي جريمة ستكون نهاياتها، لو تمَّ تنفيذها كما وهو متصوّر لها، اسوأ من مآلات الحرب القبيحة التي دارت رحاها في جنوب السودان تحت مسمياتٍ بَانَ خطلها بعد عبور أنهارٍ من الدماء والآلالم، وستكون ايضاً اسوأ من مآلات ما يحدث في دارفور ، حيث يجرى فيها الآن آخر ما كان متوقعاً، وهو ان يكون هناك بعضٌ من اهل السودان تحت حماية  القوات الدولية وفي كنف منظمات الغوث العالمية وهمُ في عقر دارهم!!!. فإذا كانت درجة سوء الاحداث ترتبط بالتراتب الزمني لوقوعها مما سبقها، وتُمِت بالصلة الي ما وصل إليه النظام من صلفٍ وتردٍ، فإن ما ينتظر مزارعي الجزيرة والمناقل سيكون فائتاً إلي ما بعد حد الكارثة، وبفراسخ!.

فمن ضمن ما تطرق إليه الشيخ عبد الله وبشيئٍ من التفصيل هو التصرف الجزافي بواسطة حكومة الانقاذ في الوحدات الانتاجية وممتلكات المزارعين، وذلك ببيعها لجهات خاصة ومعلومة، وبطريقة ترقى إلي مستوى النهب وتقرب من السطو، حيث تمًّ التصرف، مثلاً،  في كامل آليات وبنية سكة حديد الجزيرة التحتية، والتي كانت تبلغ 1300 كيلومتر!، بل ان بعض من آليات وادوات التأهيل المستوردة تمَّ إعطاؤها هي الاخرى لنفس الجهات وفي حالتها التي جاءت بها كاملة من مصادرها خارج السودان، والتي كانت جزءاً من مدخلات وضروريات برنامج التأهيل الذي كان مزمع تنفيذه في مشروع الجزيرة ومنذ زمنٍ طويل!!!.

إن كل الذي تمَّ من تصفية وبيعٍ لاصول المشروع، والذي كان في حدوثه المريب اشبه بالاجراءات التي تعقب حالة إعلان الافلاس، كان ان تمّ بإيعاز من البنك الدولي ووفقاً لخطته التي صبر على تنفيذها لاكثر من اربعين عاماً بالتمام والكمال. وهي خطةٌ ومهما اصابها من رهق وموات في العهود الديمقراطية فإنها كانت دائماً ما تنتصب قائمةً وهي اكثر حيوية واصلب عوداً في ظل الانظمة الشمولية. وذلك بالقطع ليس صدفةً لان الانظمة الشمولية تجد حمايتها في حضن طبقاتٍ وفئاتٍ إجتماعية ليس من سبيلٍ لتحقيق مصالحها غير سيادة وبقاء تلك الانظمة الشمولية نفسها. وهي مصالحٌ تلتقي بالاصالة و بالوكالة، في آنٍ معاً، مع مصالح مؤسسات عالمية. وهو لقاءٌ للمصالح لا يكبحه ولا يقف دون تحقيقه إختلاف الدين او العرق او الجنس. ومؤسسة او منظمة البنك الدولي هي واحدة من المؤسسات المنوط بها تعبيد الطريق لذلك الإلتقاء وتهيئة المناخ لحدوثه. ويتوسل البنك الدولي في سبيل إنجاز ذلك إتباع سياسته المعروفة بإسم سياسة "التعديل الهيكلي" التي تتكامل وتعمل في إتساقٍ مع سياسة صندوق النقد الدولي المعروفة، هي الاخرى، باسم سياسة "التثبيت الهيكلي". إن اهم ركائز سياسة "التعديل الهيكلي" هي نقل ملكية المنشآت العامة الى القطاع الخاص، وذلك هو ما تمَّ بالفعل بالنسبة لاصول مشروع الجزيرة وتحت فرية خطة "الإصلاح المؤسسي" التي صاغها فريق عمل البنك الدولي بالتنسيق مع إتحاد المزارعين!!!.

إن اول تدخل مباشر للبنك الدولي في شأن مشروع الجزيرة كان في ظل الحكم العسكري الاول، اي نظام الفريق إبراهيم عبود، وذلك في اوائل سنة 1964م، وبطلبٍ من النظام!. تمخض ذلك التدخل عن تقرير عُرف في التاريخ الاقتصادي السياسي لمشروع الجزيرة بتقرير "لجنة ريتس" والتي كان من اهم إهتماماتها التعامل مع مسالة "الحساب المشترك" الذي  كان يطبق في المشروع آنذاك، وكيفية إلغائه!!!. لم يصل التقرير الي نهاياته المرجوة لان اللجنة انهت عملها فيه وقدمته للجهات الرسمية في سنة 1966م، وكان ذلك في العهد الديمقراطي، إي بعد ثورة اكتوبر 1964م والتي كان للمزارعين ولقياداتهم التاريخية المعروفة دورٌ مشهودٌ فيها.( للتفصيل اكثر في هذا الشأن يمكن الرجوع الي مقالات د. سلمان م. سلمان عن مشروع الجزيرة والتي نشرتها جريدة اجراس الحرية في النصف الثاني من سنة 2008م.)

ومحاولة البنك الدولي الثانية بشأن مشروع الجزيرة لخصها تقرير لجنة البنك لسنة 1983م والذي تمَّ وبناءاً عليه تأمين قروض لتأهيل المشروع من البنك الدولي نفسه وصندوق التنمية العربي وحكومتي ايطاليا واليابان (راجع مقالات د. سلمان المشار اليها اعلاه). في هذه المحاولة الثانية نجح البنك الدولي في تنفيذ ما جاء في تقرير "لجنة ريتس"، خاصة فيما يتعلق بإلغاء "الحساب المشترك" في مشروع الجزيرة، حيث وُضِعَ الالغاء كشرط اساس لتيسير القروض من قبل المانحين، وبالفعل تمَّ، ونتيجة لذلك، إعتماد وتطبيق قانون "الحساب الفردي" في سنة 1984م، في ظل نظام الديكتاتور جمعفر نميري الشمولي، والذي بتطبيقه كان ان إنفتح الطريق لامكانية طرد اكبر عدد من المزارعين تحت دعوى تدهور إنتاجيتهم وعدم فاعليتهم، وذلك بالضبط هو ما يحدث الآن بعد ان تمَّ خلق الآلية القانونية الاكثر دقة والاحكم صياغةً لتنفيذه، اي قانون سنة 2005م سيئ الصيت.

لابد من ملاحظة أن الفترة الزمنية التي فصلت بين محاولتي البنك الدولي كانت حوالي عشرين سنة، إلا ان الدوائر الخارجية التي يمثلها البنك الدولي والدوائر الداخلية التي تمثلها الانظمة الشمولية لم يهن عزمها في السعي الحثيث لاجل الاطباق على مشروع الجزيرة والتي بتطبيقها لمبدأ "الحساب الفردي"  وفقاً لقانون 1984م كان ان انجزت خطوة جبارة في وجهة إكماله!!!.

في فترة الديمقراطية الثالثة التي امتدت من سنة 1985م إلى سنة 1989م، لم يتقدم البنك بأي سياسة جديدة تذكر تجاه مشروع الجزيرة، إلا أنه بعد إنقلاب الجبهة الاسلامية العسكري في 30 يونيو 1989م والذي على إثره إستطاعت الحركة الاسلامية ان تحكم قبضتها على السلطة تهيأ الظرف المناسب للبنك الدولي ولكل مؤسسات النظام الرأسمالي لاجل الرجوع وبقوة لتضع يدها على مفاصل الاقتصاد السوداني ومن ثمَّ التمكن من إدارته و بشكلٍ غير مسبوق وتحت غطاءٍ من شعارات الاسلمة المفعمة بالجنوح الأجوف والمبشرة بالانعتاق الزائف!!!.

إستغلت المؤسسات العالمية وعلى  رأسها البنك الدولي الوضع الاقتصادي والسياسي الخانق الذي وجد نظام الجبهة الاسلامية الشمولى نفسه فيه إثر توظيفه لموارد البلاد وإمكانياتها في حرب إستنزافٍ لا طائل من ورائها في جنوب السودان، مع رصدٍ كبيرٍ لمقدرات البلد في خلق أجهزة امنية مُكلِفةٍ لضمان بقاء النظام. في ظل هذه الظروف لم يستطع نظام الانقاذ الوفاء بمديونياته ، وخاصةً بإلتزاماته المالية تجاه البنك الدولي الذي إنقطعت، ونتيجة لذلك، علاقته به تماماً فيما بين سنة 1993م و سنة 1998م.

لم يجد النظام من بدٍ، وهو تحت وطأة الرغبة في إثبات خضوعه، غير الاستجارة بالبنك الدولي، وبرغم الجفوة، حيث بادأ بطلب تلقي النصح فيما يتعلق بتقرير لجنة "د. تاج السر مصطفى"، سيئة الذكر، التي وبتخطيطٍ محكم ومتفق عليه مهدت لتسليم امر مشروع الجزيرة للبنك الدولي، وذلك بان أوصت في تقريرها في سنة 1998م، بقيام شركة مساهمة تؤول إليها ممتلكات مشروع الجزيرة. وتلك توصية لم يكن ليجرأ البنك الدولي نفسه على إقتراحها بتلك المباشرة وبذلك التحديد المستفز!!!. ذلك التقرير خلق للبنك الدولي وضعاً لم يتأت له من قبل، بل ولن يتكرر له من بعد. وعلى إثره فقد افرغ البنك الدولي، وعن طريق خبرائه، كل مخزون كنانته فيما يتعلق بوصفة الخصخصة و سياسة نقل الممتلكات العامة الي القطاع الخاص، حيث إنعكس كل ذلك وبأكمل ما يكون الانعكاس في تقريره لسنة 2000م، والمعروف بـ" السودان: خيارات التنمية المستدامة في مشروع الجزيرة". وهو تقريرٌ لا يعدو ان يكون عنوانه سوى مداراة وإلتفاف على حقيقة الوضع ومجافاة للواقع، وذلك لعدة اسباب منها، أولاً، إن سياسة البنك الدولي في أصلها ليست فيها خيارات لأنها تعمل لاجل الوصول إلي إنجاز مبدأ واحد وصيانته، وذلك هو خصخصة الممتلكات العامة. وثانياً، أن نظام الانقاذ الشمولي وبفضل توصية صنيعته لجنة "د. تاج السر مصطفي" لم يضطر البنك الدولي للبحث عن خيارات ليقدمها، فلقد قدمت له تلك اللجنة زبدة سياسته وجوهر ما كان يسعى إليه، قيام شركة مساهمة يؤول إليها مشروع الجزيرة، كتوصية أساس تشي عن رغبة نظام الانقاذ في الاستسلام والركون إلى أحضان البنك الدولي الذي لا تتفق مراميه ومرامي الرأسمالية الاسلامية الطفيلية وحسب وإنما تصطف هي إلي جانبه في سبيل إنجاز اكبر عملية للإفقار المخطط في تاريخ السودان.

معلومة لابد من ذكرها، وهي ان إعداد تقرير البنك الدولي إنتهي في 27 اكتوبر 2000م، وكان ان تضمَّنَ حثاً متكرراً للسلطة بالاسراع في تنفيذ التحولات المقترحة بشأن المشروع في أقرب وقتٍ ممكن ، وكان أن تمت الاشارة إلى ذلك الوقت الممكن، في كثير من الفقرات، بالسنة المالية 2001م/2002م. بالقطع لم يكن ذلك إعتباطاً لان التغيرات السياسية وتوازناتها في بلد مثل السودان غير ثابتة، وقد حدث ذلك بالفعل ـ ماشاكوس2002م وإتفاقية السلام في نيفاشا2005م.

كان واضحاً ان مشروع الجزيرة ولزمن طويل من تاريخه ظلَّ يمثل طريدةً  ثمينة للبنك الدولي وللفئات التي تمثلها الانظمة الشمولية في السودان، ولكن في الوقت نفسه ان  كل ذلك التاريخ كان، وليس فقط جزءاً منه، معمداً بنضال شرس للمزارعين والعمال الزراعيين وكافة اهل المشروع. فبالتأكيد أن ما يتسبب فيه البنك الدولي والحركة الاسلامية الآن ستكون له عواقب وخيمة تتقاصر دونها مآلات الحال في دارفور وفي أجزاء عزيزة اخرى من الوطن. ولكن، لا اعتقد انه بغائبٍ عن إدراك السلطة، وبعد كل حصيلة تجاربها في العشرين سنة الماضية، عمق الحكمة الشعبية الرصينة..."البيلد المِحَنْ لابُدْ يِلولِي عِيَالِنْ"!!!.

الحلقة القادمة/

("جمال دفع الله" و"حاج الجاك فان هوست بيلكان"، فوق سرج واحد"!!!  )