في حضرة الشيخين الجليلين ..."أزرق طيبة"، وآخر

أو

في مآل الحال لدى أهل الجزيرة

الحلقة الرابعة

جريمة "إغتيال" وتصفية مشروع الجزيرة  (*)

مقدمة لابد منها/

هناك ظاهرتان تاريخيتان وقفتا وتقفان حتى هذه اللحظة دليلاً على إلحاق السودان، او بالاحرى إقتصاد السودان بالاقتصاد العالمي ومنذ القرن التاسع عشر. أولهما ظهور إنتاج المحاصيل النقدية والذي دشن الانتقال عملياً من مرحلة إنتاج المحاصيل المعيشية. وقد تمت هذه العملية التاريخية المهمة تحت إدارة النظام التركي المصري. والظاهرة الاخرى، هي  قدوم الاستثمار متعدد الجنسيات، وبالتحديد الامريكي الاصل في سنة 1904م. والذي مثلته "شركة السودان للزراعة التجريبية"                      

“The Sudan Experimental Plantations Syndicate,(SEPS).

 وتجربة الاستثمار هذه تمت تحت إشراف وإدارة الحكم الثنائي.

من المهم ان نذكر،ايضاً، ان هناك حكماً وطنياً كان ما بين الحكمين التركي والثنائي، وذلك هو حكم الدولة المهدية، والذي إشترك معهما في مزية الدور الذي لعبته الزراعة في ترسيخ النظام الاقتصادي لكل منهم، بالرغم من ان إقتصاد الدولة المهدية في مجمله كان إقتصاداً للحرب. ولقد لعبت منطقة الجزيرة دوراً مهماً واساساً في دعم إقتصادات تلك الانظمة الحاكمة، خاصةً نظام الدولة المهدية ودولة الحكم الثنائي. وهو في حقيقة الامر دورٌ لم يتوقف إلى يومنا هذا. وذلك واحدٌ مما نحن بصدد معالجته في كتابتنا لهذه المقالات.

وفي سبيل وضع الحقائق التاريخية، التي ستعيننا اكثر في فهم وتحليل التطورات التاريخية التي شهدها مشروع الجزيرة، لابد من الاشارة الى ان عماد "شركة السودان للزراعة التجريبية" كان سبع عشرة مساهماً، توزعوا بين عدة دولٍ وقارات، منهم ثمانية مساهمين كانوا يقيمون في لندن بالمملكة المتحدة، بينهم بريطاني واحد ويدعى "ليونيل فيليبس" ولا يملك غير 5 ألف سهم من جملة اسهم الشركة التي تبلغ 80 ألف سهماً. وستة مساهمين من رجال الأعمال الامريكيين من مدينة نيويورك، وتضم مجموعة المساهمين كذلك أثنين من آيرلندا ومساهماً واحداً من مدينة باريس بفرنسا. ولقد كان الامريكي "لي هنت" مؤسس الشركة ورئيس مجلس إدارتها يملك اعلى الاسهم من بين كل المساهمين، حيث وصل عدد اسهمه إلى 19 الف سهم. ومما هو معلومٌ، أن هذه الشركة هي الشركة الام التي خرجت من رحمها "شركة السودان الزراعية"، التي اسست مشروع الجزيرة ومن منطقة "طيبة الشيخ عبد الباقي"، وذلك بعد ان قدم مؤسسها ورئيس مجلس إدارتها الامريكي إستقالته من رئاستها وليصبح عضواً فقط في مجلس إدارة الشركة الجديدة. وهنا لابد من الاشارة الى ان الشركة الام كان ان بدأت تجربتها الزراعية في منطقة الزيداب جنوب مدينة عطبرة إلا انها ولاسباب تتعلق بالجدوى الاقتصادية ـ لامجال لتفصيلها هنا ـ كان ان تركتها وإنتقلت إلى منطقة الجزيرة.

 هذه المقدمة مهمة، واهميتها لا تنبع من باب إعلام الناس بما قد يكون معلوم، وانما وبشكلٍ أدق تأتي من قصدنا عقد المقارنة بين ما قامت به الانظمة الاستعمارية وبين ما قامت، وما زالت، تقوم به ما طُبعنا على تسميتها بالانظمة الوطنية فيما يتعلق بالموقف من قضية الزراعة بشكلٍ عام ومنطقة الجزيرة المروية ومشروعها بشكلٍ خاص.

فبدءاً بـ "محمد علي باشا" الذي كتب ذات يوم/

 "من اجل تعمير الزراعة في سنار التي فتحناها بجهدٍ كبير نحتاج إلى فنيين لهم دراية، فلا تهملوا هذا الامر وإلا ستندموا عليه كثيراً".

ومروراً بـما كتبه الحاكم العام "ريجنالد ونجت"  في عام 1902م حين قال/

"لا نبحث عن تطور السودان في تجارة الصمغ ولا في تجارة العاج وريش النعام، ولكن يجب أن نبحث عنه في تطوير المحصول الزراعي للبلاد، وفي تخفيض تكاليف الانتاج حتى يستطيع فائض الانتاج ان يجد سعراً مناسباً في السوق الاوربي"،

ونهايةً بما حوته رسالة "جون ج. لانق" قنصل الولايات المتحدة الامريكية في القاهرة إلى "ديفيد ج. هيل"  مساعد وزير خارجيته في 13 اغسطس 1902م والتي نصت فيما نصت على/

"تسعى حكومة السودان بشدة الى تطوير الموارد الزراعية في البلاد على اسس ليبرالية لتشجيع رأس المال والهجرة"، وإلى ان يقول فيها، "هناك إحتياجٌ للادوات والآليات الزراعية....عليكم القدوم باكراً لتأمين موقع راسخ في اسواق البلاد".

ففي مرورنا التاريخي هذا، وفي اسئناسنا بشواهده تلك، نتساءل هل بالفعل إختلف جوهر المرامي آنذاك، والتي كانت وراء الافصاح المبين اعلاه، عن جوهر المرامي التي تختبئ وراء السياسات الحالية لنظام الإنقاذ تجاه المشاريع الزراعية بشكل عام ومشروع الجزيرة بشكلٍ خاص؟!

نقول ان جوهر المرامي لم يختلف في الحالين، وهذا ما سنفصل في التدليل عليه لاحقاً، وبل نقول بان ما تقوم به حكومة الانقاذ الآن لهو اسوأ مما فعله الاستعمار ولهو أكثر مرارة منه بما لايُقاس!، لان التصفية التي تجري حالياً بواسطة كبير مهندسي القضاء على مشروعات القطاع العام، ووزير زراعة الانقاذ الحالي، لا تسعى فقط للقضاء على ما أنجزه السودانيون بشكلٍ عام نتيجة طردهم للمستعمر وما انجزه مزارعو الجزيرة بنهاية عقد "شركة السودان الزراعية" في عام  1950م، وإنما هي تصفيةٌ ترمي إلى القضاء على كل إنجاز حقيقي حققه المزارعون في صراعهم فيما بعد 1950م وإلى يومنا هذا. وحتى لا يلقى الكلام على عواهنه، حين إنتهى عقد "شركة السودان الزراعية" في ذلك العام 1950م، كان أن إنتهى الوجود المباشر لسيطرة رأس المال المتعدد الجنسيات الذي اشرفت عليه وادارته الدولتان الاستعماريتان امريكا وبريطانيا، أما الآن وبتطبيق قانون سنة 2005م ياتي رأس المال المتعدد الجنسيات مرة أخرى وبتحالف غير مقدس مع الراسمالية الطفيلية الاسلامية تحت حماية سلطة قمعية وعنصرية!!!.

حكومة الانقاذ تتبنى في الخفاء ما كان ان فعلته السلطات الاستعمارية، وهي لا تعلن ذلك. فلقد اعطت السلطات الاستعمارية لشركة السودان الزراعية إمتيازاً إحتكارياً للارض لان الاخيرة نجحت في توفير مصادر للتمويل إستثنائية، بحكم تعدد جنسياتها، في حين ان سلطة الانقاذ تتبنى نفس الحجة، إلا انها لم تملك الشجاعة، حتى هذه اللحظة، لتعلن على اهل السودان شروط منحها اراضي مشروع الجزيرة المنتزعة من اهلها إلى تلك المؤسسات الاستثمارية التابعة للحركة الاسلامية العالمية ولاولئك المستثمرين الاجانب الذين تربطهم علاقات مالية مشبوهة برموز من سلطة الانقاذ!!!.

ما وصل اليه مشروع الجزيرة من حالٍ الآن لم يكن نتاج الصدفة المحضة، وإنما هو نتاج تخطيط مسبق وطويل المدى. ولكنه بالقطع لا يمثل سوى مرحلة في شوط الصراع الطويل بين المزارعين ووكلاء الرأسمال الحديث الذي تمثله سلطة الانقاذ. إن المزارعين وكل من إرتبطت حياتهم بمشروع الجزيرة يعلمون قبل غيرهم ان مشروع الجزيرة ومن قبل إنتهاء عقد "شركة السودان الزراعية" كان يقع في عين العاصفة وفي قلب الاستهداف من قِبل دوائر عالمية عديدة، تتقاطع وتتكامل مصالحها دوماً مع مصالح دوائر داخلية معلومة. وتلك دوائرٌ يتحدد ويتجدد عزمها لاجل انجاز تصفية المشروع، دائماً، بقدر إقترابها من السيطرة او بسيطرتها الفعلية على السلطة السياسية، وفى هذا المنحى ليس هناك من إستثناءٍ قط.

إن مسئولية تصفية مشروع الجزيرة تتحملها اربع جهات لم تفتر همتها ابداً في سبيل إنجازها، وتلك الجهات هي البنك الدولي، الانظمة العسكرية القمعية، إتحادات المزارعين تحت تلك الانظمة العسكرية، واخيراً الحركة الاسلامية، والتي هي ومن بين كل الاطراف كانت الاكثر استسلاماً لشروط البنك الدولي والاكثر إستئساداً على المزارعين بفضل قمعية قوانينها وعملائها.

وسيكون تفصيل كل ذلك هو موضوع حلقاتنا القادمة.

(*) جريدة "اجراس الحرية" 6 يناير 2010    

 

Elsidieg Abashera [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]