في حضرة الشيخين الجليلين... "أزرق طيبة" و آخر!

أو

في مآل الحال لدى أهل الجزيرة

صديق عبد الهادي

الحلقة الثالثة

عن الخلوة العتيقة ومحاولة الإغتيال/

لا تبعد كثيراً من الطريق العام، المعروف بشارع مدني، وإلى الغرب منه ومن النيل الازرق، وتكاد ان تكون في محازاة "ابو حراز" التي  هي على الجهة الاخرى من النيل، اي جهة الشرق. فـ"طيبة الشيخ عبد الباقي" وبرغم ذلك القرب لم تفقد خاصيتها ونكهتها كقرية من قرى الجزيرة التي تحيط بها الحواشات والترع. تصل في عكسها الملامح  المتشابهات بين قرى الجزيرة للحد الذي يجعل المرء يعتقد بانه مدركٌ لطريقه وسط بيوتها من غير هادٍ او دليل، ولوكان ذلك هو قدومه الاول إليها.

اسسها الشيخ يوسف اب شرا على نهايات دولة الفونج وافولها. تميز الشيخ يوسف اب شرا من بين مشايخ الطريقة القادرية ليس بالعلم والتفقه فحسب وإنما بحبه لفضيلة العمل، فلقد كان يزرع الاراضي و"البِلْدات" في المنطقة ما بين طيبة الشيخ عبد الباقي ومنطقة الحوش، بما فيها، والحديث للشيخ عيد الله، المنطقة التي يقوم عليها "مكتب تفتيش حمدالنيل". ومعلومٌ، ان زرع الشيخ يوسف اب شرا كان وقفاً للسابلة والمعدمين، وتأكيداً جاء عنه في "طبقات ود ضيف الله" "ومكث نحو خمسة وستين سنة بعد ابيه في التدريس وسلوك المريدين. وأعطاه الله القبول التام عند الخاص والعام. وأقبلت عليه الدنيا فمسكها ظاهراً لا باطناً. ومع ذلك فيه نقابة للطلبة ويكسي العريان ويطعم الجيعان ويعين على نوايب الدهر ويحمل الكل ويواصل ارحامه. وإذا سمع من احد تغير خاطر فيبذل له المعروف حتى يرضيه ويقبل عليه.

وكان صاحب فطنة ومعرفة ودراية بالفتاوي والاحكام.....توفي الشيخ يوسف سنة الف ومايتين وسبع عشر رضي الهف عنه وعن الاولياء اجمعين ونفعنا بهم دنيا وآخرى آمين" ( طبقات ود ضيف الله، تحقيق د. يوسف فضل، دار التأليف والترجمة والنشر جامعة الخرطوم، الطبعة الرابعة سنة 1992م، ص 374).

جاءت الشركة الاستعمارية المعروفة بـ "شركة السودان الزراعية " في سنة 1911م، وبعد مئات السنين لتبدأ مشروع الجزيرة بزراعتها التجريبية لمساحة وقدرها 250 فدان في نفس المنطقة وهي منطقة "طيبة الشيخ عبد الباقي"، حيث كانت المهد الذي خرج منه ذلك المشروع العملاق، والمعروف بمشروع الجزيرة.

في الزيارة لـ "طيبة الشيخ عبد الباقي"، كنتُ في الصحبة والرفقة الخيرة للصديقين "الخليفة" مكي سعيد والاستاذ جلال علي عبد الله. فمن الباحة التي تفصل بين منزل الشيخ "أزرق طيبة" والمبنى الذي يطلق عليه القصر يقودك الشارع، الذي يتعرج خفيفاً بين البيوت التي تربض مجانبة المسيد، يقودك إلي تلك الخلوة التي ترجع في  وجودها إلي حياة الشيخ عبد الباقي بن الشيخ حمدالنيل، وهي تحمل بين اعطافها من عبق الزمن ما يفوق المائة عام، يبين ذلك من بنائها وتكوينها وغور ما بعد "عتبات" مداخلها. جموعٌ حاشدةٌ ووجيدة من المريدين والزوار، يضيق بهم المكان. لم اكتف بحصيلة البصر، وإنما مسستُ بيدي لطيفاً على ابوابها الخشبية وقد تبدَّى لي ملمسها، من فرط التدافع الحميم للناس وإحتكاكهم المتكرر بها، تبدَّى كملمس حبات سبحة "البقس" العتيقة!!!.

يجلس الشيخ عبد الله أرضاً في ردهةٍ تبدو اوسع من تلك التي عند المدخل، وحوله عدد كبير من الزوّار والزائرات. يسمع في أناة وصبر لاناس تأخذ بتلابيبهم ربقة الفقر..." يا شيخنا ما في حاجة ما عملتها، سرقة سرقت...قلع قلعت ونهب نهبت، والحال في حالو"، وضوحٌ وإعترافٌ على الملأ...شفافيةٌ تنتقص عتاة "التوجه الحضاري"!... فيرد الشيخ "دا كلو ما تعملو...ادوهو الفاتحة"، فيرفع الجميع ايديهم تضرعاً وتضامناً . إن ما يهمني في هذا الامر، وهو بالقطع جديرٌ بالتوقف، هو ان مواقف الشيخ "ازرق طيبة" تجاه الفقر والفقراء وخاصةً في مشروع الجزيرة ذات صلة وثيقة بمثل هكذا معايشة، وكذلك لصيقةٌ برؤيته رؤية العين المجردة للفقر يمشي على قدمين!!!، وتلك تجارب، بالتأكيد، لم يخبرها ولم يتوفر عليها سعاة الإنقاذ الذين يعاقرون "السمسرة" ويلازمون "الجوكية"!!!.

 يجلس مباشرةً امام مدخل "الغرفة" "الخلوة"، مدخلٌ تزينه "الله نور السموات والارض". قد يلاحظ الزائر الذي يخصه الشيخ بالجلوس داخل "الخلوة" ان الآى الكريم على جدرانها قد توزع ما بين "الصبر" و"الرحمة" و"الذكر"!. ومكتبة عامرة بداخلها، تحتويها خزائن للكتب رمادية اللون، غامقة ...زجاجية الواجهات. لم أقو على المقاومة، إختلستُ النظر الى محتويات الخزائن، فكانت تضم اسفاراً شتى في السيرة النبوية الشريفة، والفقه، والحديث، والتاريخ الاسلامي، بل انني لحظتُ النسخ العديدة من "مصحف أفريقيا" التي إزدانت بها المكتبة. وأباريقٌ للوضوء متمايزات، مرصوصةٌ على رفٍ عالٍ كاد يلامس "عرش" الخلوة. ويبدو من صنعتها وتصاميمها انها تنتمي إلى فتراتٍ وعصورٍ مختلفات.

مما لا شك فيه ان اللوحة في الاطار الزجاجي الضخم علي الجدار الغربي من الخلوة تشدُّ الانتباه و تسترعاه، فلقد رأيتُ محتوياتها في رسالة إليكترونية كان ان بعث لي بها احد الاصدقاء يوماً ما، فهي تحتوي على صورٍ فوتوغرافية لمتعلقاتٍ تخص الرسول (ص)، وهي موجودة في احدى المتاحف في جمهورية تركيا، وتشتمل على رداءٍ وحذاء واداوات اخرى متعددة. رأيتُ تلك اللوحة من قبل ولكن ليست بتلك الضخامة والوضوح. وعلى الجانب الآخر لوحة مكتوبة بخطٍ  انيق توضح تسلسل خلافة السجادة والاسرة العركية. وهناك كذلك لوحة اخرى تضم صوراُ لعدد من مشايخ الطريقة القادرية من بينهم الشيخ عبدالله نفسه، ويبدو فيها اكثر شباباً، والشيخ ابو عاقلة، ووالدهما الشيخ احمد الريح، وهو رجلٌ يتمتع بطغيان ملامحه السودانية الافريقية، وبشكلٍ مائزٍ على ما عداها. في إحدى محادثاتي مع الشيخ "أزرق طيبة" كسرتُ حاجز الكلفة و سألته بلهجةٍٍ من لغة اهل الجزيرة الدارجة "الدارجة" :

"يا شيخ عبدالله عاوز أسألك، إتو الخُدرة الشديدة دي جبتوها من وين؟"، فاجابني بتلقائية ممتنعة :

"يا أخي الشيخ احمد الريح زول أخدر شديد...وبعدين يا اخي دا السودان".

بالفعل هذا هو السودان، الذي يحاول الموتورون صبه عنوةً في أقانين عنصرية وجهوية ضيقة، وتضيق اكثر كلما إقتربوا أكثر من الاستئثار المطلق بمقدراته.

خلف الشيخ عبد الله، وحيث يفترش ارض خلوته، توجد شهادة لا تخطئها العين، وهي شهادة تسجيل "الحزب الوطني الاتحادي". امرٌ يستوقف المرء ملياً، سيما وان واحدة من الحقائق الراكزة هي ان قدراً كبيراً من عافية السودان السياسية تكمن، ولحدٍ كبير، في "وحدة الحركة الاتحادية". وقد يكون عصياً على النسيان أنه وفي زمن الديمقراطية الثالثة لم يخرج من بين "شقوق" جدران "الحركة الاتحادية" سوى بعض من الغرس المُر لحصول الحركة الاسلامية الفاشية على بعض من مقاعدٍ عن دوائرٍ هي إتحاديةٌ في اصلها!!!..مقاعدٌ فشلت، بالاضافة الي حصيلتها الاخرى من المقاعد، في ان تُقعدها من جريمة الانقلاب على الديمقراطية!!!.

الشيخ عبد الله رجلٌ إتحادي ووحدوي، لا حزب يعلو على إنتقاداته او ملاحظاته، خاصةً فيما يتعلق بالموقف من امهات القضايا. حين كنا نتحاور حول مشروع الجزيرة فور إلتقائي به، حسبت انه قد تخرج في كلية الاقتصاد، وذلك لتماسك معلوماته وتحليلاته للاوضاع في المشروع، وربطها بتاريخه وبما هو ماثلٌ اليوم. كان يتحدث بلغة الارقام وبنسبٍ مئويةٍ، وذلك بالطبع موردٌ صعب لا يرده إلا ارباب التخصص وطفيفاً جداً، بل وانهم لا يفرطون، احياناً، في سانحة تفاديه.

ومن المسائل التى يعالجها في حواره وبوضوحٍ نافذ هو ما ترتب على إلغاء سلطة الانقاذ لدور الدولة في دعم الخدمات الحيوية التي تهم الفقراء على المستوى العام قبل غيرهم، مثل التعليم والصحة وغيرهما. وهنا وفي خطوة ابعد في ذات المنحى تحضرني الملاحظة الذكية التي اوردتها الدكتورة فاطمة بابكر في كتابها الموسوم "الرأسمالية السودانية"، حين اشارت إلى حقيقة ان تلك الخدمات قد اصبحت مصادر لتراكم رأسمال حزب الحركة الاسلامية بفضل خصخصتها.

حين تطرقنا لحادثة ومحاولة إغتياله، لم يتحدث عنها الشيخ عبد الله بنفس الاهتمام الذي كان يوليه للقضايا الاخرى، خاصةً حينما وصل في سرده ليقول "والله خيط ما قطعو"، في إشارةٍ، بالطبع، الى التقليل من آثار فعل الشخص الذي قام بمحاولة إغتياله!!!.

"كنت اتوضأ، فسمعت حركة من خلفي، إلتفت فوجدت شخص يقف على مسافة مني وشايل ليهو جريدة ملفوفة في يدو. سالتو يا زول داير شنو؟ قال لي دايرك انت، قلت ليهو طيب خليني اكمل الوضوء واجيك، وبالفعل كملت الوضوء ومشيت عليهو وقلت ليهو داير شنو؟ قام قال لي داير اقتلك. قلت ليهو ليه؟ قبل دا قتلت ابوك ولا امك؟. في الاثناء دا طلع السكين وحاول يضربني في الجهة اليسرى. مسكت يدو، والله خيط ما قطعو!!!. عاينت ليهو كان مرعوب وفي عيونو شئ من الندم. قمت قلت ليهو ما خلاص قتلتني تاني في شنو؟ تعال معاي. في الوقت دا كان في ناس من جماعتنا جنب الصهريج شافونا و جووا علينا، وقلت ليهم الزول دا عندو سكين، ما تضربوه بس سلموه للشرطة. وبالفعل قاموا بتسليمو لناس الشرطة. ناس الشرطة حاولوا ياخدو منو معلومات ولكنو رفض يتكلم وفي النهاية قام بكتابة رقم تلفون، وكان دا تلفون زوجتو. ناس الشرطة سألوها بطريقة مختلفة. قالوا ليها زوجك وين؟ قالت ليهم خرج. وسألوها هو كيف؟ قالت ليهم هو كويس اليوم مشى المدرسة وجاء راجع (*)،  وقالوا ليها انو عندهم طالب داير دروس خصوصية، فأكدت ليهم بانها ستخبرو بذلك.

تمّ ترحيل الراجل الى مدني، وعلمنا بعد ذلك انو قد تمّ تحويلو إلى سجن كوبر في الخرطوم.

في بنت استاذة جات وقالت إنو الرجل دا قبل كم يوم كان شايل ليهو سكين وقابلو "فلان" وسألو عن السكين فقام قال ليهو داير اقتل الشيخ. فحاول "فلان" ان يأخذ منو السكين ولكنو جدعا فوق سقف البيت. وبالفعل ناس الشرطة جووا طلعوا فوق البيت ووجدوا السكين التي تحدثت عنها الاستاذة.

طبعاً هم قالوا انو مجنون لكن والله انا خايف عليهوالناس ديل يقوموا يجننوه".(إنتهى)

هذه هي إفادة الشيخ عبد الله عن حادثة محاولة إغتياله.

في الحلقة القادمة/

وماذا عن جريمة تصفية مشروع الجزيرة؟

 

(*) الشخص الذي تهجم على الشيخ "ازرق طيبة" يعمل استاذاً لتدريس اللغة الانجليزية في إحدى مدارس مدينة ود مدني.   

    

  

Elsidieg Abashera [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]