عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
دشن دكتور سلمان محمد احمد سلمان مؤخراً كتابه حول انفصال جنوب السودان، والذي صدر تحت العنوان المذكور اعلاه. كان ذلك في الاسبوع الماضي بمنطقة واشنطن الكبرى، وفي يوم امس الموافق 16 ابريل 2016 بمدينة فلادلفيا في ولاية بنسلفانيا بدعوة من التجمع الوطني للسودانيين بالمدينة. وهو امر درج عليه التجمع ما يقارب الثلاثة عقود لاجل المساهمة في القاء الضوء على القضايا والاحداث الكبرى التي تتعلق بالسودان، الوطن الام.
باصداره لهذا السفر المهم يكون د. سلمان قد كسر الصمت المطبق على الجميع  منذ ان انفصل جنوب السودان، وفق اراده اهله، ليصبح دولة مستقلة عن السودان. فلقد كان ذلك الصمت اشبه بحالة من الذهول اصابت المفكرين السودانيين ومؤسساتهم الاكاديمية ومراكزهم الثقافية. كان حدث انفصال الجنوب لا يقل ثقلاً واهمية من حدث استقلال السودان، بالطبع مع اختلاف النتيجة.
جاء الكتاب مبحثاً ضخماً، إذ انه يقع في 908 صفحة، ويضم 27 ملحقاً من الوثائق النادرة إعتمد عليها المؤلف في معالجة فرضياته واستخلاصاته الهامة، هذا بالاضافة إلي إعتماده لعدد 89 مرجعاً من امهات المراجع باللغة العربية وكذلك 88 مؤلفاً باللغة الانجليزية. وبهذا المعنى يمثل هذا الكتاب مصدراً ثراً للباحثين والمثقفين والاكاديميين بل ولكل مهتم بقضايا السودان وخاصة فيما يتعلق بقضايا وحدته، إذا كانت السابقة او اللاحقة!.  
واضحٌ مما قدمه د. سلمان في معرض تناوله لمحتوى كتابه في محاضرته، أنه اعتمد التسلسل التاريخي للاحداث. إذ قام باستقصاء قضية "تقرير المصير" تاريخياً عبر كل الحقب التاريخية للدولة السودانية المعاصرة، اي منذ سنوات الحكم الذاتي للسودان نفسه، اي قبل الاستقلال بسنتين.
إنه، وغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف مع النتائج التي توصل اليها الكاتب، وكذلك طرق المعالجات التي ادت به إليها، فقد عرض الكاتب آراءاً جريئة. من جانبي لم اقرأ الكتاب بعد، ولكني من واقع ووحي متابعتي لمحاضرة تدشين الكتاب، وكذلك الاسئلة التي تقدم بها الحاضرون، وردود الكاتب عليها، يمكنني القول بان هناك قضايا خلافية واضحة تنوم بين ضفتي الكتاب، سيكون لايقاظها دوي!. ومثال واحد لتلك القضايا هو ما قدر  وحجم دور ومسئولية اي طرف من الاطراف في مسالة انفصال الجنوب؟، وقد تسوَّدُ صفحات كثيرة في التصدي لهذه المسالة، لانه هل تتساوى مسئولية من اشعل الحرب مع مسئولية من اقرّ بحق "تقرير المصير" مع علمه بان ذلك سيؤدي للانفصال المحتوم؟!، مع العلم، بالطبع، ان "تقرير المصير" هو مبدأ ديمقراطي في الاصل، ولكن بالتأكيد ان هناك ملابسات سودانية صرفة صاحبت ممارسة هذا المبدأ، لا يمكن تغافلها او كما يقول المثل "كنسها الى تحت البساط" لاجل مواراتها!.
إنه، وفي مضاهاته لتأثير العامل الخارجي بتاثير العامل الداخلى، حين الرد على سؤالٍ في هذا الشأن، اشار د. سلمان الى ان العامل الداخلى، وتلك هي مسئولية الساسة السودانيين، هو الذي ادى للتدخل الخارجي في المسالة السودانية الخاصة بقرير المصير، وفي ذلك اشار لحقيقتين، الأولى هي أنه إذا كان النظام الحاكم او القوى السياسية الاخرى، فكلاهما قبلوا باستقبال المبعوثين الخاصين بدول متعددة، للمساهمة في حلحلة قضايا هي سودانية بحتة. والحقيقة الثانية التي اشار اليها، ان هناك دول كانت تعيش حالات مشابهة للحالة السودانية مثل دولة نيجيريا ودولة تنزانيا لم تترك مجالاً للعامل الخارجي او تسمح له بان يلعب دوراً في مسالة وحدتها الوطنية.
لا ادري إن كان قد تعرض الكتاب لهذه المقاربة بشكل اوسع وادق ام لا، إلا انها قطعاً ستكون واحدة من القضايا والمعايير التي سيحاكم على اساسها الكتاب. واتوقع لها ان تثير جدلاً.
هناك نقطة اعتقد انها من الاهمية بمكان عرض لها د سلمان طفيفاً في محاضرته ولم يتوقف عندها مطولاً ألا وهي مسالة "إضاعة فرص الوحدة السلام" على طول تاريخ السودان. إذ انها من الجانب الموضوعي تجيئ متقدمة على مسالة الموافقة او الاقرار بحق "تقرير المصير". اعتقد ان الثقل والتاثير الكبير في حدث انفصال الجنوب جاء نتيجة "إضاعة الفرص المتعددة" وليس نتيجة لموافقة القوى السياسية على حق "تقرير المصير"، لان المبدأ اصلاً هو مبدأ ديمقراطي. واعتقد ان اقرار هذا المبدأ كان واحداً من اسباب الاحتفاء بمقررات مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية، وذلك  على عكس ما قال به د.سلمان بانه كان واحداً من ملامح الرومانسية التي غشتْ او انتابت مخرجات مؤتمر اسمرا.
ملاحظة قبل ان اختم، وهي ان عنوان الكتاب لم يكن مثيراً وحسب وانما جاء مستفزاً وخاصةً للقوى السياسية في الشمال، إذ ان البعض منها يعتقد جازماً بانه لم تكن لهم ادنى مسئولية فيما حدث. من جانبي ساترك كل امر الفرز والتقييم فيما يتعلق بدور القوى السياسية الشمالية، وكذلك الجنوبية إلى حين الإطلاع المتأني على الكتاب.
واود ان اختم بالقول بان دكتورر سلمان محمد احمد سلمان، وكباحث مجيد، يكون وبإصداره لهذا الكتاب الثمين قد هزّ سكون حياتنا الفكرية، وفضح تقاصر مراكزنا البحثية ومؤسساتنا الفكرية والثقافية والاكاديمية التي لم تتصدى لمهمة التناول لحدثٍ كبير في تاريخنا المعاصر وهو إنفصال دولة الجنوب.
التهنئة الحارة لدكتور سلمان محمد احمد سلمان على هذا الانجاز البحثي القيم، الذي وبالتأكيد ستتزود به الاجيال القادمة وكل المهتمين بقضايا تاريخ السودان ومستقبله.
ولنا عودة متأنية للكتاب بعد الاطلاع، كما واني ادعو القراء للحصول والتوفر عليه لما يحتويه من توثيقٍ نادر ومنفعةٍ علمية.