عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحلقة (4) من (5)
إنه، وكما ورد سابقاً ان القيام بمهمة التقييم، وفي ظل النظم الديكتاتورية، تصبح مهمة صعبة. والاصعب فيها هو محاولة خلق توازن، وبكل السبل، بين ما هو موضوعي وحقيقي وبين ما من شأنه أن يرضي النظام الديكتاتوري ورغباته، او على الاقل محاولة تمرير أخطائه، وضمان عدم محاسبته، كل ذلك يتم من تحت غطاءٍ كثيف من التبرير "البائس" الذي لا يحتقر عقول الناس وحسب، وإنما ينطوي في نفس الوقت  على إنتقاص كبير بحق وقدر منْ يقوم بمهمة ذلك التقييم من المهنيين والاختصاصيين. أي كمثل منْ هم في مقام أعضاء لجنة دكتور تاج السر مصطفى الحالية، الذين جاء في تقريرهم من التخليط والتشويش والتناقض في سبيل الوصول إلى توفيقٍ مستحيلٍ، ما يثير الرثاء بحق!!!.
توصلت اللجنة إلى ضرورة إلغاء قانون سنة 2005م، وأكدت قناعتها بذلك عدة مرات، "عليه ترى اللجنة إلغاء هذا القانون، إستبداله بقانون يحقق مخرجات الرؤى المستقبلية"(التقرير، ص 11). أو مثلما اشارت كذلك إلى انه، "ومن ثمَّ فالمقترح ان يُلغى قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م" (التقرير، ص12). ولكن كل ذلك جاءت به اللجنة بعد مرورها بما يشبه حال منْ يغالب النـزع الاخير. وهي، كأنما بها، حيث اوردت في موقعٍ آخر، تعتذر عن هذا الموقف من قانون سنة 2005م، سيئ الصيت، إذ تقول "ثالثاً: معظم أحكام قانون مشروع الجزيرة لعام 2005م فُسِّرتْ وطُبَّقتْ بطريقة معيبة أدت إلى تدهور في البني التحتية وضياع الأصول وتراجع نظم الانتاج فأحبط معنويات المزارعين، وهذه الاحكام لا تستوعب الإصلاحات والمعالجات في الرؤى المستقبلية المطروحة". (التقرير، ص 12).
فعلى القارئ ان يتأمل!!!.
هذا يعني، إذا كان بشكل مباشر او ضمني، ان مطالبة اللجنة بإلغاء قانون سنة 2005م، جاءتْ ليس لعيبٍ فيه وإنما لعيبٍ في طرق تطبيقه!!!.(كذا)!!!. بالطبع، هذا تبرير مشين ليس فيه إحترام لعقول الناس. ولكن في حقيقة الامر، وبالقراءة المتأنية، نجد ان اللجنة سعتْ، وتسعى للحفاظ على اسوأ ما في قانون سنة 2005م، اي الإبقاء على جوهره. وذلك بمداراتها لجذوة الخصخصة، لكي تظل متقدة تحت ركام المقترحات، ودسها بين نصوص المعالجات الملتوية. إذ تقول اللجنة، "وأن يخوّل المزارع التصرف بتحويل الحيازة أو إيجارها أو رهنها لأغراض تمويل عمليات الانتاج وفق ضوابط تحددها لائحة تراعي التجارب السابقة في مشاركة المزارعين وفق التسلسل الهرمي لتنظيماتهم في إصدار قرار التصرف في الحواشة بتحويل الحيازة من مزارع لآخر." (التقرير ص 10). وهنا لنا ان نتساءل، اولم تكن فكرة "تحويل الحيازة والرهن لاغراض التمويل" هي حجر الزاوية لقانون سنة 2005م، اولم تكن تلك الأفكار هي اضافة قانون سنة 2005م الكبرى في تاريخ القوانيين التي حكمتْ مشروع الجزيرة منذ إنشائه؟، اولم يكنْ هدف الخصخصة هو الهدف الذي من أجله تمَّ توظيف مجمل مواد قانون سنة 2005م لاجل تسويغه وإنجازه؟!!!.
دعنا الآن نكون اكثر دقةً في تشريح كافة المسألة. إن قانون سنة 2005م تمت صياغته وبذلك الشكل لأجل تهيئة مناخ لسيادة الفوضى في المشروع، لتقوم شركات الخدمات المتكاملة، تحت غطاء مشاركة القطاع الخاص، ولتقوم ايضاً البنوك تحت دعاوي القروض، بمهمة القضاء على المشروع وإنتزاع ملكيته من اهله بعد وقوعهم تحت طائلة العجز في رد القروض، والإعسار!!!. لاحظ مقترح اللجنة بإنشاء "صندوق للتمويل والتسويق الزراعي"، والذي ما هو إلا فكرة رديفة لـ"محفظة البنوك" التي اوقعت بالمزارعين في شبكة القروض والتمويل الجائر. فلقد كان ان وصل سعر الفائدة التي طبقتها البنوك على قروض المزارعين في مشروع الجزيرة إلى 54%!!!، (راجع دراسات تحالف المزارعين). إنه، وحتى هذه اللحظة، إن كان في وقت إصدار قانون سنة 2005م او الآن في وقت مقترح "صندوق الجزيرة للتمويل"، لم يتكرم أي احدٍ، قطْ، بتقديم نقد واضح لتجربة التمويل السابقة في مسيرة المشروع، والتي كانت بمشاركة وزارة المالية وبنك السودان المركزي، حيث كان سعر الفائدة لا يتجاوز 6%!!!. نقول بذلك لان اللجنة في تقريرها اقرت بإيجابية الكثير من تجارب المشروع السابقة ونادت بعودتها، مثل تجربة مجالس الانتاج، الهيكل الإداري من تفاتيش واقسام وغيرها، الهندسة الزراعية، البحوث الزراعية، إدارة المياه والري، ...الخ. لم تعرض اللجنة لتجارب التمويل السابقة لانها تعلم تماماً، وكذلك  تعلم كل القوى التي تسعى للانقضاض على المشروع، ان وضع و"تصميم" كيفية التمويل هو الطريق الوحيد والانجح لضمان خصخصة المشروع.
إنه من المهم جداً القول بأن مشروع الجزيرة لا يقع في دولة أخرى، وإنما في السودان الذي تصيب الفوضى كل جوانبه، بعد ان اصبحت المؤسسات فيه تقوم بمهام لا علاقة لها بطبيعتها. وفي هذا الصدد فإن البنوك التي تعمل في ظل النظام الإسلاموى الحالي في السودان، هي ليست مؤسسات تمويلية ذات طبيعة إقتصادية، وإنما هي مؤسسات سياسية لا علاقة لها بتقاليد العمل المصرفي، إذ انها اصبحت ادوات سياسية لتنفيذ أهداف ما أصبح يُعرف الآن بـ"التمكين" في تاريخ الأقتصاد السياسي للسودان!!!. فإن كانت هناك علاقة واحدة للبنوك الموجودة في السودان بالتمويل، فإنها اضحت اقرب لمفهوم "صناديق الختة" في عُرفنا الشعبي، ولكن للاسلاميين فقط، وما تجربة بنك امدرمان الوطني ببعيدة!!!.
فلذلك عندما تذكر اللجنة تحت بند "دعاوي إنشاء الصندوق":
"ج.  صعوبة تعامل جمهور المزارعين مع النظام المصرفي لعدم مقدرتهم على الوفاء بمتطلباته". فإنها تقول قولاً غير صحيح، لأن الكل يعلم ان ما تشير اليه اللجنة بـ"عدم مقدرة المزارعين على الوفاء" ما هو إلا نتيجة، وحيث يقفز السؤال، وما السبب؟.
إن السبب معروف، وهو ان التمويل الذي كانت تقوم به البنوك الاسلامية للعمليات الزراعية في مشروع الجزيرة هو تمويل ربوي وفوق طاقة المزارعين، ولا يخضع لقوانيين واعراف التمويل المتواضع عليها عالمياً!!!. فالمزارعون في الجزيرة يوقعون على عقود تمويل "بيضاء"  ولا تُكَمل معلوماتها إلا بعد الحصاد. وهذه واحدة من الحقائق التي لم تعرض لها اللجنة. (راجع  ما نشر عن عقود البنك الزراعي/ قطاع الجزيرة).
ونواصــــــــــــــل....


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////