عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن الشهادة التي ادلى بها رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة، الشريف عمر بدر، امام محكمة الطعون الإدارية العليا في يوم 12 سبتمبر 2011، تمثل امراً بالغ الدلالة، وتحولاً مهماً في مسيرة الصراع الذي خاضه حتى الآن، وسيظل يخوضه، اهل الجزيرة في عمومهم، من مزارعين، وملاك وعمال زراعيين، وعاملين وموظفين، لاجل الدفاع عن مشروعهم. خاصة في هذا الظرف الحرج من تاريخ الوطن الذي اصبحت تتسرب فيه اطرافه من بين ايدي الناس ومن امام اعينهم في مشهدٍ يشبه الكابوس بالرغم من واقعيته وحقيقته!!!.
إن الشريف عمر بدر ليس بشخصٍ او مسئؤلٍ عادي، فهو رجلٌ يتربع على قمة أكبر مشروع زراعي في العالم تحت إدارة واحدة. وهو واحدٌ من فئة قليلة تحسب على اصابع اليد الواحدة، في هذا البلد الذي كان شاسعاً ذات يوم. بيد الشريف بدر ليس فقط حياة 130 الف مزارعٍ ومالكٍ واسرهم، وإنما بيده، عملياً، مصير ما يقارب الستة ملايين من البشر، وهم جملة سكان منطقة الجزيرة. ليس هناك من رئيس مجلس إدارة، لا على مستوى السودان وقد لا يكون حتى على مستوى العالم، توفر له التمتع بمثل هذا الوضع، وتوفرت له التكأة على مثل هذا النفوذ الواسع. وخاصة أن موضوع الامر والنهي في المشروع انقاد له في ظل نظامٍ شمولي هو نفسه جزء اصيل منه. إن الشريف يعرف حقيقة ذلك النفوذ الذي بين يديه، وكذلك حقيقة السلطات المطلقة التي اضفتها عليه شمولية نظام الانقاذ.
إن إعتراف الشريف عمر بدر بأن قرار "توفيق اراضي الملاك في المشروع لم يكن صادراً عن رئاسة الجمهورية او مجلس الوزراء او النهضة الزراعية، وإنما هو قرارٌ إتخذه مجلس إدارة المشروع"، لهو إعترافٌ يستوجب الوقوف لاجل بيان دلالاته المتعددة ومن ثم تشريحها. إن اولى الدلالات هي ان لمجلس إدارة مشروع الجزيرة ضلعٌ وافر في إتخاذ مجمل القرارات التي شكَّلتْ جريمة القضاء على مشروع الجزيرة، وانه، اي المجلس، متواطئ عن علم ودراية مع كل الجهات المحلية منها والاجنبية التي لها مصلحة فى القضاء على مشروع الجزيرة وإقتلاع اهله من الجذور. كما وان الدلالة الاخرى هي، انه إذا كان مجلس إدارة مشروع الجزيرة على هذا المستوى من الضعف الاخلاقي والقيادي، الذي يمنعه من ان يواجه المزارعين والملاك بحقيقة إتخاذه لذلك القرار على خطورته، فما المانع من ان القرارات، وبالتحديد، الخاصة ببيع ممتلكات واصول المشروع قد إتخذها هذا المجلس نفسه، وقام بالفعل بإدارة مجمل عمليات النهب التي تعرض لها المشروع؟!.
ولكن من الناحية الاخرى، وبرغمه، لا يمكننا ان نأخذ إعتراف الشريف بدر على محمل الحقيقة المطلقة باعتبار ان في ذلك تبرئة واضحة في شأن رئاسة الجمهورية او مجلس الوزراء او النهضة الزراعية، وذلك لجملة اسباب منها أن الاطراف والجماعات التي تمثل نظام الانقاذ تعمل في توافق كامل، وتتقاسم الادوار كما اقتسامها للغنائم. فمجلسٌ يتمتع بذلك المستوى الاخلاقي والقيادي، لا نعتقد انه يقوى، وتحت اي ظرف، على إنتحال صفة الجهة التي تحركه وترسم له ما يجب ان يتًّبِعه.
إنه، ومن المعلوم، أن اطراف هذا النظام تعمل في إتساق تام خاصة فيما يتعلق بالحاق الضرر وإدارة الاذى. فلذلك ما كانت، ولن تكن، كل تلك الاطراف ببعيدة عن ذلك القرار ولو تمّ الإدعاء والاعتراف بأن إتخذه "مجلس الإدارة"، لان تكوين مجلس الادارة نفسه يؤكد تلك الحقيقة. فحسب ما هو وارد في قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 سئ الذكر، فإن مجلس الإدارة يـتألف من رئيس المجلس، المدير العام، ممثلي انحاد المزارعين، ممثلي العاملين وممثلي الوزارات ذات الصلة. إن "الوزارات ذات الصلة" هي الحكومة نفسها، وبكل جهاتها التنفيذية منها والأمنية!!!.
لابد لمجلس إدارة مشروع الجزيرة واتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل من معرفة ان معركة اهل الجزيرة معهم ومع النظام الذي يمثلونه هي معركة طويلة وجادة، لن تتوفر لهم فيها المقدرة لاجل الثبات على لعب ادوارهم في "مسرحية" إفتداء بعضهم البعض!!!. وذلك لسببٍ بيسط وواضح وهو ان المعركة التي تدور رحاها في منطقة الجزيرة هي ليست حول قضايا سياسية ثانوية، وإنما في الاساس حول جرائم جنائية أُرتكبت في حق اهل الجزيرة وفي الاعتداء على حقوقهم، شواهدها وشهودها وشهاداتها موثقة، مثل القول الذي من نافلته: " فهناك مشروعات عملاقة قامت باسم المزارعين. كان يقود إدارتها إتحاد المزارعين، فشلت واختفت تماماً من الوجود، وصارت إثراً بعد عين نذكر منها على سبيل المثال:-
• مؤسسة المزارعين التعاونية.
• مطاحن الغلال بقوز كبرو
• مصنع نسيج المزارعين (شرق مدني ـ الملكية)،
• مصنع البان الجزيرة."
وإلى ان تصل الشهادة للقول:-
"6- إن تصفية وبيع بعض من اصول مشروع الجزيرة يحدث لاول مرة منذ إنشاء المشروع، وكان من المفترض ان تؤهل لا ان تصفى، لانها العمود الفقري للنشاط الزراعي بالمشروع. عليه توصي اللجنة بوقف تصفية وبيع اصول المشروع من منشآت ومباني وغيرها فوراً، وإجراء تحقيق عن الاسباب التي ادت إلى ذلك ولماذا حدث هذا اصلاً ومن الذين تسببوا في ذلك". ( تقرير مشروع الجزيرة الحالة الراهنة وكيفية الاصلاح، لجنة بروفسور عبدالله عبد السلام، ص 37).
إن السؤالين اللذين انتهى بهما الاقتطاف اعلاه، وهما، (1) ولماذا حدث هذا اصلاً؟، و(2) ومن الذين تسببوا في ذلك؟، يمثلان طرفاً واحداً من جملة الاسئلة التي يصعب فيها "الافتداء"، وذلك لان ممتلكات المزارعين واصول المشروع لابد وان ترجع، وعلى دائر "المليم"!!!.
إن الذي حدث في مشروع الجزيرة لم يكن منبتّاً وإنما مرتبط بظاهرة ممارسة الفساد، تلك الظاهرة التي وسمت نظام الانقاذ وبوءته مكانه اللائق، بحسبه النظام الافسد في تاريخ السودان المعاصر. إن قانون سنة 2005 لمشروع الجزيرة يمثل التجلي الأسمى لذلك الفساد، حيث توحدت فيه إرادة "الثالوث الطاغي" الحكومة المركزية ومجلس الادارة وإتحاد المزارعين. إن الذي يجري في مشروع الجزيرة هو جزءٌ من فسادٍ منظم تديره الدولة التي يديرها حزبٌ واحد، وهو حزب المؤتمر الوطني، والذي هو بدوره تديره فئة، وينفذ سياسته أفراد من بينهم الشريف عمر بدر.
إنه، وفي معالجة ما لحق بمشروع الجزيرة، وفي سبيل إسترداد ما تمّ التعدي عليه فيه لابد من التذكير بحقيقة إن العالم اليوم اصبح يضع يده على حصيلة جديدة لتجارب جديدة قامت بها شعوبٌ كان يُعتقد بانها، وحتى الأمس، ما زالت خارج دائرة فعل التغيير إن لم تكن خارج التاريخ المعاصر نفسه. وبفضل هذه الحصيلة فقد اضحت بعض القضايا تمثل هماً عالمياً، حيث لم تعد ملاحقة الفاسدين والمعتدين على ثروات شعوبهم امراً محلياً، وإنما واجباً يتداعى له كل الخيرين في العالم، افراداً وأمم. فلقد رأينا كيف ان الاموال المودعة بواسطة الطغاة والمحتالين من ارباب الديكتاتوريات في خزائن الدول الاخرى تُرد بواسطة تلك الدول، لان تلك الاموال هي ثروات تخص امم تمّ السطو والتعدي عليها تحت قهر الدولة وإحتكار السلطة وغياب القانون!!!. فالذي جرى في مشروع الجزيرة فقد جرى على هذا المنوال. فلذلك ستكون ملاحقة منْ تعدوا عليه في سوح القضاء هي المهمة المتقدمة على سواها.
يقع على عاتق السودانيين عموماً واهل مشروع الجزيرة على وجه الخصوص واجب ان يتقدموا بكل المعلومات التي لديهم والمتعلقة بجريمة القضاء على مشروع الجزيرة، والمتعلقة كذلك بجريمة تشريد اهله. والآن قد وضحت ثمار المجابهة التي ظلّ يقودها تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل وكل تنظيمات المجتمع المدني لاجل حماية مشروع الجزيرة وصون الحياة فيه. حقاً، إنه ما ضاع حق وراءه مطالب، وما إعتراف رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة، الشريف عمر بدر، في ساحة القضاء إلا اول الغيث!!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــ.
(*) بالتزامن مع جريدتي "الايام" و"الميدان" في يوم 18 سبتمبر 2011م
نشر بتاريخ 18-09-2011