عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تساقطت الاوراق "مزعومة النضرة"، الواحدة تلو الاخرى، من على شجرة مشروع الحركة الاسلامية. ولم يُحْدِث سقوطها ضجيجاً او دويَّاً كما هو متوقعٌ في حال او في شأن "المشاريع الكبرى"!!!. وما ذاك إلا لحقائق ساطعة، وهي أن مشروع الحركة الاسلامية في السودان لم يكن اصله ثابتاً، ولم تبلغ تطلعاته ابعد من حدود الأحلام المتواضعة في الثراء، وتلك، مما هو معلومٌ، أحلامٌ لا علاقة لها البتة بصناعة التاريخ او بالتحولات الملهمة في حياة الشعوب. فلقد كان الإدعاء، حقاً، اطول من قامة الداعية، ومخيط الوعود اوسع من الجسد المتضائل. وضح من تجربة العقدين المنصرمين، وبما لا يُقارع، أنه لم يكن هناك من ثمة برنامج فكري صميم واحد متماسك وراء اي من الخطوات، ولو واحدة على إطلاقها، من تلك التي تبنتها أو إتخذتها الحركة الاسلامية السودانية. وتتعدد الامثلة، بالتأكيد، في وجهة تثيبت ذلك وإثباته وبما يستعصي على الحصر/
حربٌ جهاديةٌ ظالمة ولسنين طوال، لم تورث غير الخيبة، والذهاب الذي اصبح في حكم المؤكد، لجزء عزيز من الوطن، ولمواطنين أعزاء. ولسوف يُوسَمُ وجه حركة الاسلامي السياسي بهذه الوصمة اللعينة، ولسوف تنوء اكتافها بحمل هذه المسئولية التاريخية، المتمثلة في إنشطار الوطن، متحملة لها لوحدها، وليس سواها، إلى ابد الآبدين!!!.
فريةٌ التأصيل البلغاء، التي لم تنتج سوى الإنهيار المريع للمرافق وخدماتها، والذي تقف شاهدة عليه مؤسسات تعليمية اقرب في أداء مهمتها إلى تفريخ الجهل من حمل اي رسالة "مقدسة" أخرى. فرية زانت الحياة السياسية بإعادة انتاج التطرف ونشر الفساد وتثبيت قيمه وترسيخها.
وإدعاءٌ اجوفٌ بإمتلاك قدرات للتنظير والتخطيط في مجالات لا سابق لمجمل الحركة الاسلامية بها. وهي مجالات حيوية حاسمة في الحياة، ومتعددة، من بينها الاقتصاد. لم تعتمد على اي إرث فكريٍ خاص بها، حينما خاضت الحركة الاسلامية السودانية في مجال الاستثمار وخاصة القطاع المالي المتمثل في البنوك ونشاط التأمين. فكل الذي حفلت به سيرتها الذاتية وأهلها لتبني ذلك الإدعاء هو تجربة العدد المحدود من كوادرها إبان السبعينات من القرن المنصرم في بعض دول الخليج والقليل من دول اوربا، "شهدت مراكز البترول العربي في السعودية والخليج اول طلائع من الحركة الاسلامية السودانية إلتحقوا بالاطر الحكومية متقدمين لأول تعيينهم بما تأهلوا من تعليمٍ وشهادة، وبما كسبوا من خبرةٍ في العمل بعد تخرجهم، وزادت خاصة مدخولاتهم من اجور العمل المرتفعة نسبياً في تلك الانحاء، ومثَّلت رصيداً أسعف الحركة الاسلامية بمددٍ  سخيٍ عند شدة حاجتها في مدافعات مقبلات الايام"،(المحبوب عبد السلام، الحركة الاسلامية السودانية،دائرة الضوء ـ خيوط الظلام، ص 292-293).
وهؤلاء الذين عناهم الكاتب هم من قاد بناء القاعدة الاقتصادية للحركة الاسلامية في السودان، وخاصةً بعد المصالحة مع نظام الدكتاتور النميري في العام 1977م، حيث تبوأ عدد مقدر منهم مواقع تنفيذية في العديد من المؤسسات الاقتصادية، سيما تلك التي ساهموا في تمهيد السبل لقيامها وتأسيسها برأسمال أجنبي، مثل بنك فيصل الاسلامي والمؤسسات المرتبطة به من الشركات المالية الاخرى كشركة التأمين الاسلامية وغيرها، وهو ما لخصه الكاتب اعلاه قائلاً " تجددت صورة المصرف الاسلامي، إذ ان المبادر الاول للمشروع من السودانيين، المقرَّب من الامير، كان من الروَّاد في صف الحركة الاسلامية، كما ان لقادة الحركة علاقات متصلة بالخليج والسعودية اثمرت كلها في تولي اعضاء الحركة غالب الوظائف الرئيسية مع غالبية في لجنة مجلس الادارة الخاصة والتي تؤول إليها صلاحيات مجلس الادارة الاساس الذي يضم كبار المساهمين من الخليج"(م. عبد السلام ص 295).
لابد من الاشارة إلى ان التأهيل التنظيمي كان هو المعيار الاسبق على التأهيل المهني والمعرفي في تسيير الغالب الاعم من تلك المؤسسات، ولقد كانت تلك هي "التقافة المؤسسية" ((Organizational culture)) في حقل ادارة اعمال الاسلاميين، التي نقلتها وطبقتها حركتهم في إدارة أعمال الدولة ومؤسساتها وخاصة الاقتصادية الحيوية منها، ويقف قطاعا البترول والطاقة ومؤسساتهما دليلاً حياً في هذا المقام. وبما ان تجربة الاسلاميين في مؤسساتهم المشار إليها كانت هي الحاضنة، ولاول مرة في تاريخ السودان، للفساد المؤسسي المنظم فقد تبعت المؤسسات العامة في الدولة، تحت ظل سلطة الانقاذ الاسلامية، خطى تلك التجربة وقع الحافر على الحافر مما ادى لبروز ظاهرة هي جديدة في إستشرائها وهي ان تكون مؤسسات الدولة بؤراً متسعة للنشاط الطفيلي.
لم تكن للحركة الاسلامية رؤية فكرية ومعرفية واضحة في الجانب الاقتصادي حتى عشية استلامهم الدموي للسلطة في 30 يونيو 1989م،( للقارئ مراجعة الحوار الصحفي لدكتور علي الحاج والذي اجراه معه الاستاذ عبد الوهاب همت ونشرته جريدة اجراس الحرية في مطلع هذا العام)، حتى انه لم تنج قوانين الاستثمار الصينية من غاشية الحركة الاسلامية قصد الإقتداء والاستزادة ولو بلقيات التنظير الماركسي "المحرَّف"!!!.
تلخصت تجربة الحركة الاسلامية في "المعرفة الاقتصادية"، وبشكلٍ بليغ، في شعارها الذي سكَّتْه وصاغته بروح اناشيد الفرق الجهادية، أي شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع". كان شعاراً للتجييش ومخاطبة العواطف العمياء، وفي ذلك لم يختلف نظام سلطة الحركة الاسلامية عن نظامي الفاشستية في ايطاليا والنازية في المانيا. والملاحظ ان قوام التجييش في الانظمة الثلاث هم الضحايا انفسهم، أي الفقراء والمعدمين، والعامة من الناس.
إن الحركة الاسلامية السودانية لا علاقة لها البتة بإدارة نظام اقتصادي سَوِيٍ إن كان رأسمالياً ام لم يكن. فللحركة الاسلامية ومفكريها المقدرة في ان يسدوا الآفاق بالضجيج، إلا ان طحينهم ضنين معرفياً وبمقاييس الممارسة!!!. إنهم يتوسلون بالقانون وبالقرار السياسي لتحقيق الاهداف، كما هو ثابت بالتجربة، اكثر من إعتمادهم الجدوي والناتج الايجابي. إن النجاح المزعوم لمؤسساتهم الاقتصادية حققه في واقع الامر جبروت القانون الذي وقف ويقف سداً منيعاً في وجه المراقبة والمساءلة، وبقطع الطريق امام تطبيق معايير التحقق من صحة روايات النجاح التي تدير ماكينتها موسسات اسلامية اعلامية ضخمة، وبحرفية عالية الاتقان. لا احد يعلم الكثير عن تجارب استثمارات افراد الحركة فيما بينهم فيما مضي، وخاصة في ضحى المصالحة، إن كان باسمهم او باسم الحركة نفسها، ولكن فيما  يبدو ان تجاربهم جاءت إختباراً حقيقياً لهم في "تقواهم في المال"!!!، حيث فشلت الكثير من شراكاتهم الاستثمارية.
تجربة السودان الحالية وإنهياراته الاقتصادية المتلاحقة وأزماته التي تأخذ برقاب بعض تجرد الحركة الاسلامية ومنظريها من إدعاءاتهم الخرقاء حول القدرة على إدارة دولة بكل ما تعنيه الدولة من تعقيد وتركيب لجوانب الحياة المختلفة، والتي لا يمكن النفاذ إليها بغير ما إمتلاكٍ لرؤية معرفية ونظرية واضحة تقف حائلاً دون الإلتجاء للتجريب الأعمى، والذي هو ديدن نظام الحركة الاسلامية الآن في السودان.
إنه، وبهذا الارث الضعيف ومحمول الفشل الذريع الهائل، إن كان على مستوى مؤساساتها الخاصة أو على مستوى إدارتها لمؤسسات الدولة على الشكل الاعم، لم تكف الحركة الاسلامية عن تماديها في فرض وجودها في قضايا كبرى غاية في التعقيد ولا طاقة لها بها، مثل قضية مشروع الجزيرة. فتلك القضية اكبر، وبما لايقاس، من إمكانيات الحركة الاسلامية السودانية. فما فعلته في مشروع الجزيرة حتى الآن وما تنوي فعله هو قفزٌ في الظلام، لانه ليس للحركة الاسلامية، وفي تاريخها، أدبٌ مكتوب بعمق قضايا مشروع الجزيرة حتى ينير لها مواقع أقدامها.
وليكن هذا المقال هو مدخلنا في هذه الوجهة.