كلام في الاقتصاد
حول رسالة السيد رئيس اتحاد مزارعي السودان
و امين مال اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل.
صديق عبد الهادي
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
رحبنا في الاسبوع الماضي بالرسالة التي جاءتنا من السيد صلاح المرضي رئيس اتحاد مزارعي السودان، وامين مال اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، وعرضنا لها في هذا العمود. وقد كان ذلك من حقه علينا، خاصة وانه ارتضى لنفسه أن يتجشم مشقة الخوض في مخاطرة الكتابة بالاستناد على المعلومة بل وعلى الارقام. ونحن بدورنا نأتي الآن لتناول تلك الرسالة.
بادئ ذي بدء يلاحظ القارئ ان السيد رئيس اتحاد مزارعي السودان قد رسم صورة زاهية لاداء المشروع، اقلها ان دخل المزارع اصبح متحسناً حيث ارتفع الي حوالي 500% !!!. حسناً فإذا كان الوضع بهذا المستوى فلماذا تقفون الي جانب الحكومة، وعلى غير ما تعلنون، وتسعون معها الي خصخصة المشروع، لانه، و كما هو معلوم، ان الحكومة وفي سعيها للخصخصة إعتمدت على حجة ان تدهوراً  لاشفاء منه قد اصاب المشروع؟!. سنعود الي ذلك بالتفصيل لاحقاً.
ذكر السيد المرضي في رسالته ان نسبة المساحات التي تاثرت بالعطش لم تصل الي 2%، و ذلك بفضل "الطفرة الكبيرة في إدارة المياه"، ولكن الجميع يعلم ان السيد مدير المشروع نفسه وقف في المجلس التشريعي لولاية الجزيرة شاكياً و معلناً بان هناك "مشكلة خطيرة" في المياه (راجع جريدة اجراس الحرية في 8/1/2009م)، بل ان المزارعين ، على الاقل، في اقسام المكاشفي، الحوش، ووادي الشعير يؤكدون ما قال به مدير المشروع ، وانه من المتوقع ان يصل الانخفاض  في المساحات المزروعة الي 40%!!!. ففي هذا المقام ايهما نصدق المسئول الاول في المشروع و اولئك الذين يعيشون الواقع بكل تفاصيله ومرارته، ام نصدق  السيد صلاح المرضي امين مال الاتحاد؟!. بل ونضيف كذلك، انه وفوق كل ما تمّ ذكره سالفاً، ان تجربة روابط المياه تحيط بها الآن المشاكل من كل الجهات، ليس فقط فيما يتعلق بمسألة التأهيل و إنما اصبحت هي نفسها،جراء سلوك القائمين على امرها، تمثل خطورة حقيقية في زرع الفتنة ومن ثمّ تهديدها للاستقرار و ذلك نتيجة المحاباة المتبعة في كفالة التمتع بحق المياه، اي ان التمتع بذلك الحق اصبح قصراً على البعض من المزارعين وعلى قاعدة قوامها المسحوبية بل والقبلية!!!. فذلك في محصلته لا يمثل تراجعاً مزرياً في العلاقات  المتطورة التي كانت تربط بين المزارعين فحسب ، وإنما هو  نذير شؤم بما قد يهدد التعاضد والتعايش الاجتماعي السلمي في المشروع بمجمله. و لا اعتقد ان مدير المشروع كان يأخذ هذه الحقيقة الفاجعة في الحسبان وقت تصريحه بان هناك "مشكلة خطيرة" في المياه!!!.
 فهكذا نلاحظ انه لم يمض وقتٌ طويل على ما ذهبنا اليه في العام الماضي  في تناولنا لقضية روابط مستخدمي المياه ضمن التعقيب على ندوة د. سلمان محمد احمد سلمان، حول مشروع الجزيرة، حين ذكرنا و بالحرف الواحد" ثالثاً/ من اكبر المخاوف التي تحيط بامر روابط مستخدمي المياه، هو ان لا محصن لها من الاستهداف و الترصد، لانه كلما زاد نجاحها و ثبتت جدواها الاقتصادية فأنها ستفتح شهية الراسمالية لاجل تدجينها ثم إبتلاعها او علي اسوأ الفروض السعي لاضعافها و من ثمّ وراثتها كما فعلوا مع جمعيات المزارعين التعاونية السابقة من مطاحن و سكك حديدية و ورش و غيرها حيث استولوا عليها وبثمنٍ بخسٍ !!!.
هذه الملاحظات و المخاوف نحتاج التوقف عندها لتقييمها و الاجابة عليها بالقدر الممكن."(إنتهى)
و بعد هذا كله فهل هناك دليل على صحة التخوف اعلاه اكثر مما هو حادثٌ الآن في مسألة روابط المياه؟!!!.
اشار  السيد رئيس اتحاد مزارعي السودان الي جملة قضايا كان ان تمّ او يجري إنجازها،مثل "تنمية المشروع و تحديثه"، و "المعالجة الجذرية لقضية الوحدة الفنية"، و"معالجة التركيبة المحصولية و الدورة الزراعية"،و انه "تمّ تنظيم الدعم الحكومي وفق متطلبات المنتجين" و إلي ان يقول  بانه تمّ "ترتيب علاقات عالمية للمنتجين"!!!. قال السيد صلاح بكل ذلك دون ان يتكرم علينا،ولو قليلاً، بالكيفية التي تمّ او سيتم بها إنجاز تلك القضايا!!!.
على اية حال اود ان اشير الى نقطتين ، على الاقل، مما اورده السيد رئيس اتحاد مزارعي السودان. اولهما هي إن مسألة الدعم الحكومي، حتى كمجرد فكرة، لا يمكن للسيد صلاح ان يسوقها لانها فكرة  كاسدة. و هنا لا احتاج الي التدليل على سعي الحكومة الحالية الي رفع يدها نهائياً عن المشروع و عن المزارعين، وإنما تقيني فقط الاشارة الى التخلي المخجل عن الالتزام الاخلاقي والذي مارسته الحكومة تجاه فئة  قليلة افنت انضر سنوات عمرها في خدمة كل اطراف المشروع، وهي فئة المعاشيين الذين وجدوا انفسهم اليوم ليس على حافة الفقر فحسب و انما في كنف المثقبة و المذلة!!!.وقد يتفق معي السيد صلاح في انه حتى لو تخلت إدارة المشروع عن واجباتها تجاه هولاء الناس فإنهم وفي نهاية الامر مواطنون يقع على الدولة عبء صون حقوقهم. وفي السياق نفسه قد يذكر الجميع كيف كانت آخر بدع الحكومة، و قبل اسابيع، حين عزمت على تمليك المنازل للعاملين في المشروع مقابل فوائد ما بعد خدمتهم فيه!!!. و تلك المنازل هي بالطبع، كما يعلم السيد صلاح، انها جزء من اصول المشروع والتي قرر وزير المالية وفق قراره رقم (4) ان يتم التصرف فيها بالإستناد الي قانون التصرف في المرافق العامة  لسنة 1990م!!!.  ونحن نقول هذا هو الدعم الذي تعتقد فيه الحكومة إعتقاداً ثابتاً و تعمل لاجل تنفيذه، تصفية المشروع بالبدء في تصفية اصوله . فلذلك ليس هناك من شخصٍ واحد إن كان في الجزيرة او غيرها يمكنه ان يشتري فكرة "الدعم الحكومي" التي عرضها السيد امين مال اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل.
 اما المسألة الثانية والتي اود الاشارة اليها هي ""ترتيب العلاقات العالمية للمنتجين"، الذي يحتفي به السيد رئيس اتحاد مزارعي السودان، مع منظمات عالمية من ضمنها البنك الدولي. مما لاشك فيه ان البنك الدولي يقدم مساعدات و على مستويات مختلفة، ولكن لابد من تأكيد ان البنك الدولي ليس بمنظمة خيرية، وانما هو مؤسسة لها سياسات محددة ،تقوم على مبادئ و اشتراطات لا حياد  عنها. وهذا ما سنتناوله في الجزء القادم من هذا الرد إن شاء الله.
اختم هذا الجزء بملاحظة لابد منها، وهي انني تلقيت عدداً من الرسائل مستكثرةً الطريقة التي تعاملت بها  مع رسالة السيد صلاح  المرضي، رئيس  اتحاد مزارعي السودان، غير اني لم ار ما يرونه في ذلك التعامل لاني راسخ اليقين بان إحترام المرء لنفسه يبدأ بإحترامه لمخالفيه في الرأي، ثمّ ان الضجيج لا يُلبس الباطل ثوب الحق وإن علا، وأن الهدوء لا يُفقد الحق وضاءته، هذا إن لم يرسخه.