في حضرة الشيخين الجليلين... "أزرق طيبة"، وآخر

أو

في مآل الحال لدى أهل الجزيرة

صديق عبد الهادي

الحلقة السابعة والأخيرة

عنبر جودة القادم

عندما يصبح حاضر مشروع الجزيرة ومستقبله محط إهتمام عامة الناس من السودانيين وغير السودانيين، وكذلك مثار قلق المهمومين من الوطنيين وأهل الدراية من امثال الشيخ عبد الله "أزرق طيبة"، فذلك أدعى للتأمل، والوقوف لديه، من اي شيئٍ آخر. إن الذي يلوح في الافق الآن هو تعاظم إمكانية وإحتمال إعادة التاريخ لنفسه وذلك، بالقطع، ليس نتاج ضربٍ للخيال او رجمٍ للغيب، وإنما بالحقيق لتوافر شروطه ومقدماته المادية البائنة.

ما زال السودانيون يذكرون بكثيرٍ من الأسى والألم المجزرة التي حاقت بالمزارعين في منطقة جنوب النيل الازرق في 19 فبراير 1956م، والتي إندرجت في تاريخنا المعاصر وعُرِفتْ بإسم "مذبحة عنبر جودة". حدثت وطللُ فجر الاستقلال ما زال ندياً. كانت تلك المذبحة هي الحصاد المُّرْ والنهاية التي لا محيد عنها للصراع بين مصالح اصحاب المشاريع الخاصة ومصالح المزارعين المستأجرين. وعند هذا المقام لابد من انعقاد المقارنة، وهي ليست بالجزافية. إن المشاريع الخاصة المعنية آلت إلى أصحابها وفق تراخيصٍ كانت ممنوحةً على قاعدةٍ وفهمٍ إقتصاديٍ سياسيٍ رسمتهما الادارة الاستعمارية ضمن معادلة الممالاة وتأكيد إستمرار الهيمنة، وذلك بأن كان عماد المشاريع الخاصة هم نافذو الدوائر الطائفية والإدارة الاهلية. فالحركة الاسلامية السودانية ورأس رمحها المؤتمر الوطني وأداتها حكومة الإنقاذ الآن، وفي دورة للتاريخ كاملة، تقتفي  خطى السلطة الإستعمارية وتحذو حذوها وقع الحافر على الحافر، وذلك في سعيها لتحويل مشروع الجزيرة إلى حيازاتٍ كبيرةٍ خاصة،

يمتلكها افرادٌ مقربون، ومؤسساتٍ تابعة لرأسماليتها الطفيلية، وذلك، بالتأكيد، هو الآخر من ضمن معادلة الممالاة وتأكيد الهيمنة الاقتصادية السياسية!!!.

ما حدث في "مذبحة عنبر جودة" ممكن الحدوث في منطقة مشروع الجزيرة، وفي القريب المنظور. وهو، بالقطع، السبيل الوحيد الذي سيكون متوفراً امام أغنياء الحركة الاسلامية وسلطتهم، وإلا ما معنى ان تقوم الحكومة بتكليف لجنة وزارية، وبعد مرور اربعة اعوام على إنفاذ قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م لتقييم ما جرى ويجري، ومن ثمّ لا تأبه الحكومة بتقرير لجنتها؟، فما معنى ذلك؟!!!.

ولعلم القارئ، فإن اللجنة التي نشير إليها قام بتكليفها الوالي الحالي لولاية الجزيرة، الزبير بشير طه، عندما كان وزيراً للزراعة، وذلك، بالطبع، قبل ان  يخل مكانه لخبير تصفية "الممتلكات العامة" اي ممتلكات الشعب والدولة، عبد الحليم المتعافي. وقد كانت اللجنة برئاسة بروفسور عبد الله عبد السلام، وضمت في عضويتها كل من دكتور عمر عبد الوهاب، بروفسير مامون ضو البيت، وكذلك دكتور احمد محمد آدم. وكل هؤلاء النفر كانت لهم علاقة بمشروع الجزيرة ذات يوم. كان ملخص تقرير هذه اللجنة هو ان الوضع في مشروع الجزيرة أصبح محفوفاً بالخطر، وان الشرخ كبير ويتسع يوماً بعد يوم!!!. هذا ما قالته اللجنة في تقريرها، إلا ان سلطة الانقاذ ركلته ليصبح حقيقةً، وليس مجازاً، في اضابير طي النسيان لانه وفيما هو واضحٌ لم يأت على هواها!!!.

ذهبت السلطة فيما هي عازمة الذهاب فيه، حيث انها سرّحت العاملين في المشروع وجاءت بـ" شركة الهدف" الامنية لأجل تسيير وتصريف ما هو مهم من اعمال المشروع، جباية رسوم الري والمياه!!!. شركة الهدف هي، لمنْ لا يعلم، شركة امنية من شركات الرأسمالية الطفيلية الاسلامية لا علاقة لها بالزراعة لا من بعيدٍ ولا من قريب، ولكن إستقدامها فوق كونه إستفزاز وتأكيد للجبروت فهو خطوة تجاه تنفيذ خطة متكاملة تواضعت عليها الحركة الاسلامية ودوائر رأس المال الغربية ممثلةً في البنك الدولي، أي إنجاز الخصخصة في مشروع الجزيرة.

أضحت سلطة الانقاذ في سباقٍ مع الزمن، باعت اصول المشروع الثابت منها والمنقول، وحتى أنها وهي في عجلة من أمرها لم تتبين ان بعض مما قامت ببيعه من ممتلكات للاسلاميين هو في الاصل مملوك ملكية خاصة وباسهم لمزارعي مشروع الجزيرة والمناقل كأفراد، كمطحن قوز كبرو، على سبيل المثال لا الحصر. ولا ادلّ على العجلة من الامر من استخدام كل السلطات لاجل القضاء على المشروع وتصفيته بشكلٍ نهائي قبل الانتخابات القادمة، فها هو علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية، يصدر قراراً يقضي فيه بأيلولة إدارة الري بمشروع الجزيرة وتحويل مسئوليتها من وزارة الري إلى إدارة مشروع الجزيرة!!!. فقط لنا ان نتصور ونتساءل، إذن ما دور ومهمة وزارة الري في بلدٍ زراعي مثل السودان وفيه مشروع مثل مشروع الجزيرة؟!!!.

هذا القرار، وبلغة اهل الجزيرة، لن "يكحل" ولا ترعة واحدة، بل أنه "سيعمي" المشروع "عمى كباسة"!!!. فيا سعادة "النائب" و"رئيس النهضة الزراعية" فإنك بهذا القرار، بدلاً من ان "تكحل" قنوات المياه تكون قد "عميت" كل المشروع، لو انك تدري!!!.

لا شك ان المهنيين من اهل التخصص، والاقتصاديين، وحتى العامة من المزارعين ذوي الخبرة قد اصابتهم، الآن، الدهشة للطريقة التي يتصرف بها ذوو السلطان فيما يخص مشروع الجزيرة. فهولاء الناس في عجلة من امرهم للحد الذي يجعلنا نتساءل اين سيقف هذا القرار مما ورد في قوانينهم التي فصلوها كإطار لإعطاء الشرعية لافعالهم التي لا يسندها حق او منطق؟.  ففي قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م، السيئ الصيت، نصٌ واضحٌ فيما يتعلق بمسألة الري في المشروع. وقد نصت المادة (18) الفقرة (1) على الآتي:

"18. (1) تتولى وزارة الري والموارد المائية مسئولية صيانة وإدارة قنوات الري والمصارف الرئيسية والطلمبات بالمشروع وتوفير المياه الكافية لروابط مستخدمي المياه عند فم قنوات الحقل، على أن تتولى وزارة المالية والاقتصاد الوطني تمويل الصيانة والتأهيل والتشغيل لقنوات الري مقابل تحصيل رسوم المياه التي تمكّن من تقديم تلك الخدمات."

وورد ايضاً في المادة (19) الفقرة (أ) ما مفاده :

"19. (أ) تنشأ روابط لمستخدمي المياه تحت إشراف المجلس على مستوى المشروع تمثل الإدارة الذاتية للمزارعين ذات شخصية اعتبارية  وتسلَّم لها مهام حقيقية في إدارة استخدامات المياه بالتعاقد مع وزارة الري والموارد المائية في مجال الإمداد المائي والاستشارات الفنية."

وهنا، لابد من معرفة موقف وزارة الري والموارد المائية وتبيان دورها بناءاً على هذا القرار، الذي لم يتوان الناطق الرسمي لاتحاد المزارعين العميل في الاسراع بتقريظه وتثمين نتائجه.

إن تنحي وزارة الري عن مسئوليتها في امر المياه والري في مشروع الجزيرة يعني ان تتحول مسألة المياة وعمليات الري الى القطاع الخاص والذي يعج بالمقاولين والسماسرة والتجار. إن مسألة المياه، وفيما هو معلومٌ اليوم، قد تخطت فهم كونها تخص مشروعاً زراعياً لوحده او عدة مشاريع، وإنما قد اصبحت في جوهرها ومحتواها مسألة امن وطني وقومي من الدرجة الاولى. ففي كل انحاء العالم اصبحت قضايا الري والمياه تُدار بأرفع الكفاءات المهنية والعلمية. فإذا كان كل المهتمين بالشأن العالمي يتوقعون أن تكون الحرب القادمة في الكون هي حرب المياه، فكيف يتسنى لدولة تعيش في هذا العصر الذي نحن فيه أن تُنحي جانباً المؤسسة الاولى التي تضم في صفوفها، كما هو مفترضٌ، اعلى الكفاءات واخيرها في مجال المياه عن مسئولية الري في اكبر المشاريع الزراعية ليست على النطاق الوطني فحسب وإنما على مستوى العالم؟!!!.

إن الذي تدخره الراسمالية الطفيلية الاسلامية وحزبها "المؤتمر الوطني" للسودان عامةً، ولمواطني الجزيرة خاصة لينذر بشرٍ عميم. فهذه الفئة اصبحت لا تستبين خطاها بعد ان ضاقت بها الضوائق وشاب الانفلات كل حراكها، فقد اضحت لا تلوى على شيئ، ولكن لا محالة انها ستعي الدرس الذي ليس منه بد وهو إسقاط حزبها، حزب المؤتمر الوطني، في الانتخابات القادمة وتلك هي احدى المهام الجليلة لمواطني مشروع الجزيرة والمناقل، ووقتئذ سينعقد الامر بلواء اهله وسيعود مشروع الجزيرة إلى زاهر عهده، وذلك ليس بمستحيل.      

Elsidieg Abashera [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]