عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


(1)
الزمان والمكان، المعنى والدلالة/
انعقد في يوم 21 اكتوبر 2017، وضمن فعاليات "يوم الأرض"، مؤتمر مشهود، ماثل في زخمه مؤتمر المزارعين التاريخي المنعقد في شهر اكتوبر 1953، في مدينة ود مدني، والذي حضره 792 عضواً، ممثلون لــــــ 44 تفتيشاً، وهو عدد التفاتيش التي كانت تكِّون مشروع الجزيرة، وقتها. إنتخب المؤتمر لجنة مركزية برئاسة الشيخ المرحوم الأمين محمد الأمين، وأختار المرحوم الشيخ المرحوم يوسف أحمد المصطفى سكرتيراً عاماً، وسكرتيراً للخزينة إختار الشيخ المرحوم عباس حمد دفع الله. وقد كان هؤلاء هم بعض من القادة الذين تقدموا حركة المزارعين، وإنتزعوا شرعية إتحادها في يوم 29 ديسمبر 1953، وذلك بعد موكبهم الشهير الذي اندرج في تاريخنا الحديث تحت إسم "موكب المزارعين في ميدان عبد المنعم". ومنذ قيامه لم يتوان الإتحاد في لعب دوره، لا مهنياً ولا وطنياً، حيث حافظ على وحدة حركة المزارعين ليس في مشروع الجزيرة والمناقل وانما على حركة المزارعين في عموم السودان. كما وانه لم يتقاعس في مساندة احداث التغيير الوطنية الكبري، إذا كان في استقلال السودان 1956 او اكتوبر 1964 او أبريل 1985. ولكن مساهمته في ثورة اكتوبر كانت الابرز، والأعلى كعباً.

إن الشيخ المرحوم الامين محمد الأمين، رئيس اول إتحاد شرعي، من قرية معيجنة مصطفى، التي انعقد فيها مؤتمر "يوم الأرض" مؤخراً. فبالتالي لا شهر أكتوبر ولا قرية معيجنة مصطفى، كان إختيار اي منهما صدفة!، وإنما كان إستلهاماً لروحٍ باسلة ونشداناً لإستدعاء تاريخٍ مجيد، وذلك لاجل صياغة رسالة ذات مغزى، وهي التذكير بان جذوة الكفاح ما زالت حية وباقية، وكذلك التأكيد بان حركة المزارعين قد عقدت العزم على حماية الارض في وجه الطواغيت. وهنا كَمُنَ المعنى وبانتْ الدلالة!. وقد عبرت عنهما، نصاً وروحاً، مقرارات وتوصيات مؤتمر "يوم الأرض"، التي نحن بصددها.

كانت اولى توصيات المؤتمر واكثرها اهمية، هي ضرورة إستعادة إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، الممثل الشرعي لإرادة المزارعين. معلومٌ، انه لا حركة مطلبية بدون قيادة وتنظيم، أي لا جسد حي بدون قلبٍ نابض، ومزارعو الجزيرة أدرى الناس بتلك الحقيقة "الوجودية" و"التاريخية" و"النضالية" المهمة، والتي هي مرتكز كل "وجودٍ" وموجهة كل "صراعٍ إجتماعي"!. فكل ما تحقق، وعبر تاريخ المشروع، من إنجازات إذا كان فيما يتعلق بحياة المزارعين بشكل خاص، او فيما يتعلق بمساهمة مشروع الجزيرة على المستوى الوطني بشكل عام، فقد كان لاتحاد المزارعين ولقادته القدح المعلى والدور البارز فيه. ولا مراء في ذلك!. ولكن، وبرغمه، ها هو التاريخ الآن وفي هذه اللحظة يعيد نفسه بشكلٍ او بآخر في عرضٍ "تراجيكوميك"، يتراوح فيه بين المأساة والملهاة!.

كانت إتفاقية العام 1952 بين السودان ودولتي المستعمر، بريطانيا ومصر، تعطي الحاكم العام حق إعلان الإنهيار الدستوري ومن ثم إعلان الطواري إذا كان هناك ما من شانه ان يهدد الاستقرار. وهي الحجة التي توعد بالاستناد عليها السير جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري وقتها، في مواجهة موكب المزارعين في 29 ديسمبر 1953، المطالبين فيه بالإعتراف باتحادهم. والآن وفي مواجهة إستعادة "نفس الإتحاد"، والتاريخ يعيد نفسه، يتوعد نظام الراسمالية الطفيلية الإسلامية،(رطاس)، ربيب الإستعمار الحديث، يتوعد بتطبيق حالة الطوارئ!. ولكن ماذا حدث، وبما نطق التاريخ؟!، خضع المستعمر لإرادة المزارعين الغلابة!. عليه، فما فشل في إنجازه المستعمر لن ينجح فيه وكلاؤه!. وقد قالها جمع المزارعين بقيادة التحالف في معيجنة، وبوضوحٍ لا لبس فيه:

"وفاءاً لتاريخ نضال المزارعين المجيد من اجل تأمين حقهم الطبيعي والشرعي في تنظيم انفسهم، وتقديراً للتضحيات الجسام التي بذلها الرواد من الرعيل الاول....وتصميماً على خوض معارك العزة والحق في العيش الكريم في وطن ديمقراطي تظلله رايات الحرية والعدالة الإجتماعية والتسامح، يقرر مؤتمر المزارعين المنعقد في نهار يوم السبت 21 اكتوبر 2017 بقرية معيجنة مصطفى، محل إقامة ومربض قائد حركة المزارعين ورمز كرامتهم، الشيخ الأمين محمد الأمين، يقرر المزارعون بكل قوة وجلاء انه من رأي هذا المؤتمر :
على تحالف المزارعين البدء فوراً في تنفيذ الإجراءات التي تضمن إعادة بناء الإتحاد"!.

إن الناظر غير المتحيز لهذه الدعوة، سيتبين انها ليست ترفاً خطابياً، ولا حشواً لفظياً ولا إستطراداً لغوياً، وانما هي دعوة صميمة وحقيقية، وقد املتها ضرورةٌ تاريخية ماثلة.

إن عودة إتحاد مزارعين ديمقراطي في مشروع الجزيرة تعتبر، وبكل المقاييس قضية وطنية، وهي ليست فقط مسئولية مزارعي الجزيرة والمناقل، وانما هي مهمة تستدعي تضامن كل القوى الوطنية من افراد ونقابات واتحادات، إن كانت مهنية او عمالية. تتطلب المساندة من القوى الحية وسط الشباب والنساء والطلاب، كما وانها تحتاج لان تكون محط تركيز وانتباه القوى السياسية السودانية بكل احزابها ونشطائها. والحقيقة، التي تسند القول بكل ذلك هي، انه ما وصلت البلاد إلى هذا الحد من التدهور إلا بسبب الإنهيار المريع الذي حاق بمشروع الجزيرة، والذي من اهم العوامل التي ادت اليه هو الغياب القسري لاتحاد المزارعين، وبالتالي مصادرة دوره كصمام امان وحارس امين ونزيه، فاطنٌ لبعد الدور الوطني المنوط بالمشروع.