عزيزي عشاري

اليوم الثامن والعشرون من مارس عام 2017 --- الذكرى الثلاثون لمذبحة الضعين. المذبحة التي كان من الممكن أن تمرٓ وكأنها حدث عادٍ من حوادث مناطق التماسّ القبلي التي تغطيها الصحف باقتضاب وعلى عجل لتدلق باقي حبرها على أخبار وقضايا المركز. إلا أنك يا عشاري قررت ومعك الأخ الدكتور سليمان بلدو أن تذهبا وتبحثا عن الحقيقة عندما سمعتما بأخبار الضعين. الكثيرون منّا سمعوا بالأخبار إلا أنها لم تحرّكنا ولم تُخرجنا من تفاصيل همومنا اليومية. وَقْع الأخبار كان مختلفا في حالتكما. قررتما الخروج من منطقة المألوف لتركبا مغامرة السفر لمنطقة غير المألوف. وكانت النتيجة أشجع تقرير كتبه أستاذان جامعيان في تاريخنا الحديث --- كانت النتيجة أن عرٓيتما وكشفتما ما ظللنا في الشمال نشيح النظر عنه ونتجاهله من استرخاص لحياة أهلنا في الجنوب وارتكاب لجرائم تقتيل واستعباد ظل مرتكبوها يدركون باستمرار بأنهم محصٓنون وأن يد المحاسبة والعدالة لن تطالهم.
ومن لحظتها أصبحتَ في وجه المدفع والاستهداف المستمر الذي شارك فيه زملاء لك من أساتذة جامعيين اختاروا أن ينحازوا لبنية التمييز والقهر. كان ذلك الهجوم الكاسح هو الظرف الذي عمّدك بالنار وجعلك ترتفع لمستوى التحدي ليصبح صوتك من أقوى الأصوات دفاعا عن المهمٓشين والمسحوقين. ظل هذا موقفك الثابت الذي تمسٓكت به ولم تتراجع قيد أنملة عنه في زمن غيٓر فيه الكثيرون ألوانهم وباعوا ضمائرهم أو لاذوا بالصمت. ولقد عانيتَ في هذا الكثير، كنت من أوائل المعتقلين عندما انقلب الإسلاميون على الديمقراطية وفقدت عملك كأستاذ جامعي، وهأنت اليوم تجد نفسك تعاني مرارة المنفى خارج وطنك.
إن وعيك المتٓقد وقلمك المشرع هما سلاحك الماضي في تحليل أزمتنا وتشخيص أمراضنا وتعرية فساد واقعنا وكشف القوى التي تعمل على الانحطاط بنا بل وسلب إنسانيتنا.
في هذه الذكرى الثلاثين المؤسية لمذبحة الضعين ونحن نقف لنتفكٓر في ضحاياها أحسست بواجب التقدّم بالتحية لعملك المتواصل الدؤوب مذكّرا إيّانا بضحايا مذبحة الضعين ومذكّرا إيّانا باستمرار بالعلاقة العميقة بين ما حدث في الضعين وما ظل يحدث من مذابح وانتهاكات متواصلة خاصة في ظل استبداد النظام العسكري الإسلامي الحالي. التحية لك ولكل الذين اختاروا الانحياز للمهمٓشين والمسحوقين.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وحاليا مدير مركز الدراسات النقدية للأديان


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.