مغزى لحظة الثامن عشر من يناير 1985


كانت تلك اللحظة الفاجعة والمتوتّرة التي كشفت عن وجهها صباح الجمعة 18 يناير 1985 تحمل في أحشائها أكثر من مستوى: مستوى خاصا يقف في قلبه الأستاذ محمود محمد طه، الشيخ السبعيني الذي يسوقه الجلّاد لمنصة المشنقة، ومستوى عاما يقف في قلبه كل السودانيين وقلوبهم واجفة، ومستوى آخر أكبر من هذين المستويين. كان سَوْقُ طه في تلك اللحظة هو "السَوْقُ الأصغر" لسَوْق آخر "أكبر" هو سَوْق كل السودانيين في درب قهر جديد لم يذوقوه في تاريخهم الحديث منذ استقلالهم، درب تقف في أفقه منصة شنق تدشّن وتجسّد ومنذ تلك اللحظة قهرا كثيفا يتزاوج فيه قهر الحكم العسكري بقهر دولة الإسلام وقد انبعث حكمها بالرِّدّة وانبعثت شريعتها لتحكم كلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم.
كان طه في تلك اللحظة مثل عيسى الحامل صليبه وحده، يسير واثقا ثابت الخطو وسط جمع هائل من الذين حشدهم النظام وحلفاؤه من الإسلاميين وهم يكبِّرون. وعندما حانت اللحظة ليرى المحتشدون وجه طه رأوا وجها رائقا باسما لخّص في تلك اللحظة العابرة كل تاريخه: نضاله الوطني ضد الاستعمار، ومجاهداته الروحية في خلوته وهو في سجن المستعمِر، وخلوته الاختيارية بعد إطلاق سراحه، وصراعاته الفكرية والسياسية وهو يواجه أعداءه في ندواته العامة، ونشاطه الدؤوب وهو يرشد أتباعه و"يسلّكهم"، ووقفته الأخيرة ضد قوانين سبتمبر التي لم يجد الشعب على يديها "سوى السيف والسوط". وربما قرأنا في تلك الابتسامة علو طه على التوتّر الخاص لتلك اللحظة، ربما قرأنا فيها انتصاره الأخير على جلاديه، فجلادوه هم الخائفون وهم الذين يرتعدون، أما هو فإن خياله الديني يوحي له أنه في لحظة انتقال من حالة لأخرى ستكون حتما أكثر سلاما، يوحي له أن المسيرة لا تنقطع بالموت وأن غاية الإنسان وقدره هي أن " ... يكون حيّا حياة الله، وعالما علم الله، ومريدا إرادة الله، وقادرا قدرة الله، ويكون الله".
ولقد ساهم التوتّر العام الذي انداح من تلك اللحظة في اختمار وإنضاج انتفاضة السودانيين على نظام العقيد جعفر نميري في مارس/ أبريل 1985 وإزاحته عن السلطة. إلا أن انتفاضتهم كانت ناقصة وعجزت عن تصفية نفوذ الحركة الإسلامية الذي حقّقته في فترة تحالفها مع نظام نميري (خاصة تغلغلها في الجيش ونفوذها المالي في القطاع المصرفي)، وعجزت عن التحرّك السريع لإيقاف نزيف دم الحرب الأهلية بين الجنوب والشمال. وعندما حانت لحظتهم لم يجد الإسلاميون صعوبة في الانقلاب على الديمقراطية وإعادة السودان للمربع الذي توقف عنده النظام العسكري الثاني. ومنذ لحظة انقلابهم في يونيو 1989 رفع الإسلاميون وتيرة القهر لحدّها الأقصى ولسان حالهم يقول: "يعذِّبهم الله بأيديكم". وكانت النتيجة أن السودانيين لم يشهدوا ويعانوا في تاريخهم منذ الاستقلال سفكا للدماء وتعذيبا وقهرا وترويعا وانتهاكا للحقوق وحطّا للكرامة الإنسانية وفسادا وإفسادا وتشويها في الوعي والقيم مثلما يشهدون ويعانون في ظل النظام الإسلامي الحالي.
والإسلاميون، الذين لعبوا دورا أساسيا في جريمة إعدام طه، لم ينسوا لحظة الثامن عشر من يناير التي كانوا قد حشدوا حشودهم لها وشكّلت في ذاكرتهم السودانية لحظة انتصار محلي وامتدادا للذاكرة الإسلامية العريضة وقهرها للفكر الصوفي عندما يخرج عن الإطار التقليدي. وهكذا حَرَصَوا على تكريس لحظة انتصارهم تلك عندما أصدروا القانون الجنائي لسنة 1991 وأدخلوا فيه ولأول مرة مادة عن الرِّدّة هي المادة 126 التي تعاقب بالموت كلَّ من يخرج عن الإسلام.
إن مادة الرِّدّة تمثّل القهر في تجليه الأعلى لأن القهر الفكري الذي يلغي حرية الإنسان في أن يفكّر كما يشاء ويعبّر عن تفكيره هو القهر الأصل الذي تنبع منه كلّ أشكال القهر الأخرى. ولقد كان طه منتبها لهذه المسألة انتباها حادّا وعبّر عنها تعبيرا واضحا في معرِض هجومه على قرار الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1965 بحلّ الحزب الشيوعي السوداني وكتب قائلا: "ويمكن أن يُقال إن الدستور هو "حق حرية الرأى" وأن كل مواد الدستور الأخرى، بل وكل مواد القانون، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة ... "
وليس من قبيل المصادفة أن الدول الوحيدة في عالمنا اليوم التي بعثت هذا الانتهاك لحرية الفكر والتعبير واعتبرت الخروج عن دينها جريمة تُعاقب بالإعدام هي دول إسلامية لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يصرّ أتباعه على بعث شريعته حتى وإن كان هذا ينطوي على انتهاك صريح لمبادىء حقوق الإنسان التي يهتدي بها ضمير عصرنا. هذه في تقديرنا هي المعضلة الفكرية والأخلاقية الأساسية التي تواجه المسلم المعاصر: هل يقبل بحرية الفكر والتعبير أم يرفضها؟ ماذا يفعل ليس فقط بإزاء المسلمين الذين يخرجون من الإسلام ولكن أيضا بإزاء المسلمين الذين يفهمون الإسلام فهما مغايرا لفهمه؟
لقد قلنا أعلاه إن لحظة إعدام طه لم تحمل في أحشائها المستوى الذي يقف في قلبه طه والمستوى الذي يقف في قلبه مجموع السودانيين فحسب وإنما أيضا مستوى آخر أكبر. ونعني بهذا المستوى باقي العالم. وليس في هذا القول مبالغة لأن المسلمين يريدون لدينهم أن يكون دينا يسود العالم وينشطون اليوم في ذلك ليس فقط بوسائل الدعوة السلمية وإنما أيضا بوسيلة العنف ومثالهم "سألقي في قلوب الذين كفروا الرُّعْبَ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ". كانت لحظة الثامن عشر من يناير لحظة ضرب "فوق الأعناق" وكان سنّ المادة 126 امتدادا لهذه اللحظة ورسالة واضحة لكل العالم أن الإسلام الذي يعمل على تحويل الآخرين ليدخلوا حظيرته لا يقبل أن يخرج من هذه الحظيرة من وُلدوا فيها أو من دخلوا إليها ولا يقبل الاختلاف مع الفهم السائد لحرّاس عقيدته. وهكذا فإن إحياء الرِّدّة ليس بمسألة "داخلية" تتعلّق بالمسلمين و"أمور دينهم" و"حقّهم في تقرير مصيرهم" وإنما هو أمر عالمي يخصّ مجموع الإنسانية، فانتقاص الحقّ الإنساني في حرية الفكر والتعبير لأي إنسان في أي مكان في عالمنا اليوم هو انتقاص يمسّ حقّ كلّ إنسان آخر. إن القاعدة الأخلاقية بسيطة وواضحة: لو كنا نَحْرِص على حريتنا في الفكر والتعبير ونقدّسها فلابد أن نَحْرِص على حرية الآخرين في الفكر والتعبير ونقدّسها.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.