تأتي ذكرى ثورة أكتوبر هذا العام وحلقات الأزمة قد ازدادت استحكاما وتعمّق فشل النظام الإسلامي. لقد وصل العنف الإسلامي الذي أطلقه النظام منذ أول يوم لانقلابه لطريق مسدود، مثلما هو حال كل عنف. ولقد كان طبيعيا أن يولّد عنف النظام عنفا مقابلا، وهو عنف لم يسقط النظام وإنما استغله لنشر عنفه و"تطبيعه" وتحويله إلى ما يشبه الواقع اليومي. إن السمة الأساسية لهذا النظام هي طبيعته الأصيلة كنظام عنيف لا يمكن أن يتصالح مع الديمقراطية تصالحا حقيقيا ولا يمكن أن يقبل بمبدأ تبادل السلطة. وهي طبيعة يستمدّها بالدرجة الأولي من مرجعيته الدينية كنظام إسلامي، علاوة على تاريخه كنظام استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري ويستمر عاضّا بالنواجذ على السلطة وهو يتشبّث بأكبر جهاز قمع أمني في تاريخ السودان منذ الاستقلال. وهكذا، فقد جمع هذا النظام كثافة قمعية غير مسبوقة التحم فيها قمع المؤسسة العسكرية-الأمنية بقمع الدين كرؤية ومؤسسة شمولية. ورغم هذه الكثافة القمعية وواقع أن هذا النظام نجح في البقاء لفترة أطول من النظامين العسكريين اللذين سبقاه إلا أن الإسلاميين فشلوا فشلا تاما في تقديم أي حلول حقيقية لمشاكل السودان من ناحية، كما فشلوا، وهذا هو الأهم، في قهر المعارضة من الناحية الأخرى. وإن كان هناك "نجاح" للنظام فهو في مجرد استمراره رغم أنه أنتج واقعا أصبح الفشل فيه على كل المستويات هو واقع الحياة اليومية الذي ترزح تحت وطأته الغالبية الساحقة من السودانيين. 

وهذا الفشل متوقّع في ظل أي نظام عسكري، وهو القاسم المشترك بين نظام الفريق عبود (اليميني)، ونظام العقيد نميري (الذي بدأ يساريا ثم انتهي به المطاف لمواقع اليمين)، ونظام العميد البشير (الإسلامي اليميني). وفي ظل كل هذه الأنظمة كانت الحرب الأهلية في الجنوب هي موطن ضعفها. وهذه هي المفارقة، إذ أن شنّ الحرب وقتل "العدو" أو الانتصار عليه هو ما يبرّر وجود الجيوش والإنفاق عليها، وخاصة وأنه في ظل النظام العسكري تتّحد الإرادة السياسية وآلة العنف العسكرية لضمان القضاء على أي "تمرد" قضاء نهائيا. إلا أن نظام عبود فشل في ذلك رغم تدريب قواته المسلحة وعدّتها وعتادها. وكان هذا الفشل إيذانا بنهايته عندما أتاح الفرصة لمناقشة الوضع في الجنوب وفتح الباب أمام الحلّ السياسي. وعندما جاء نظام نميري كان هذا الحلّ السياسي (متمثّلا في اتفاقية أديس أببا في عام 1972) أكبر إنجاز له وأكبر فشل في نفس الوقت. فبتوقيع الاتفاقية تحقّق السلام وراود السودانيين الأملُ بأن مواردهم ستنصبّ في التنمية، إلا أن الطبيعة الاستبدادية للنظام العسكري وتقاليد سياسة "فرّق تسُد" التي رسّختها النخبة المدنية والعسكرية في الجنوب ما لبثت أن عصفت بالسلام الهشّ واشتعلت الحرب الأهلية مرة أخرى. وعندما غصب الإسلاميون السلطة فإنهم غيّروا بين ليلة وضحاها طبيعة الحرب وحوّلوها لحرب "جهادية" ضد "الكفّار"، ودفعوا ولأول مرة بقطاعات واسعة من المدنيين في ميادينها وشحنوا الأذهان بالأوهام الموروثة عن المدد السماوي والملائكة الذين يشاركون في القتال. وخسر الجيش والمدنيون الذين جيّشهم النظام، وعجزوا عن الانتصار على الحركة الشعبية ولم يكن أمام الإسلاميين إلا التوقيع على اتفاقية سلام. إلا أن اتفاقية السلام هذه المرة كانت مختلفة عن اتفاقية السلام التي وقّعها نظام نميري إذ أن الإسلاميين اضطروا للقبول بإجراء استفتاء وقبول حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم. وعندما جاءت اللحظة الحاسمة صوّت الجنوبيون باجماع رائع على استقلالهم وخلعوا عن رقابهم نِير قهر الشمال.
كان استقلال الجنوب (أو انفصاله من وجهة نظر الشمال) أكبر هزيمة للمؤسسة العسكرية التي كانت تدّعي دائما أن كل ما تحتاجه في الجنوب هو الإرادة السياسية والعتاد المناسب، وعندها ستنجح في "سحق التمرد" وحماية "وحدة البلاد". إلا أن استقلال الجنوب كان أيضا هزيمة موجعة للمشروع الإسلامي الذي ظلّ ينظر للجنوبيين (ولباقي الأفارقة) كشعوب "وثنية" ضالة أحوج ما تكون لـ "هدي" الإسلام (وهي نفس نظرة المبشّرين المسيحيين للأفارقة وهم يحاولون "إنقاذ أرواحهم").
وفي ظل نظام الإسلاميين لم يفقد الجيشُ الجنوبَ فحسب وإنما فقد الشمال أيضا. ففي فترة عبود كانت النخبة العسكرية هي الطبقة الحاكمة الممسكة بأزمّة السلطة. وفي فترة نميري بدأ هذا الوضع يتغيّر، إذ تبنَى النظامُ نموذجَ الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية ومصر الناصرية وأصبحت الدولة ذات طبيعة بوليسية وتعاظمت قوة وسيطرة أجهزة المخابرات والأمن (بالإضافة لإجراء شكلي على المستوى السياسي وهو إقامة الحزب الواحد). وعندما جاء النظام الإسلامي فإنه بدأ من حيث وقف نظام نميري، وأضاف لذلك قوة كانت قد بدأت تصعد في ظل حكومة الصادق المهدي وهي الميليشيات القبلية (بالإضافة أيضا لإجراء شكلي على المستوى السياسي وهو إقامة حزب رسمي يحتكر الخطاب السياسي). وهكذا تمّ نهب لا مثيل له في تاريخ السودان المعاصر لمصادر البلد التي تقاسمتها النخبة الأمنية والعسكرية والسياسية ورجال المال والأعمال الإسلاميين. وهو وضع كان من إفرازاته نشوء واقع وتقاليد فساد غير مسبوقة، ونشوء فجوة طبقية بين الأغنياء والفقراء لم يشهد تاريخ السودان المعاصر لها مثيلا.
ورغم ما وصل إليه انتهاك حقوق المواطنين السودانيين والحطّ من كرامتهم وإفقارهم وترديهم والهجوم المسلّح عليهم في مناطق النزاعات (مما اضطر قطاعات منهم للنزوح داخل بلدهم أو الهجرة أو اللجوء لخارجه) إلا أن المقاومة ضد النظام الإسلامي لم تتوقف أبدا. وهذه المقاومة تراث توارثه السودانيون منذ عهد الاستعمار وظل جزءا من إرادتهم وفعلهم ولم يفارق ذاكرتهم السياسية. إن إنشاء النظام لأكبر جهاز قمع أمني في تاريخ السودان ليس في نهاية الأمر شهادة للنظام وإنما هو شهادة للمقاومة. فالسودانيون قاوموا ومنذ أول للانقلاب بكل ما وسعهم من وسائل المقاومة. حمل البعض السلاح، إلا أن غالب المقاومة للنظام اتخذت ولا تزال تتّخذ طابع المقاومة السلمية. قاوموا بالمظاهرة، والإضراب، والاعتصام، والكلمة المكتوبة، والرواية، والقصيدة، والأغنية، والنكتة. قاوموا بإنشاء منظمات مجتمعهم المدني التي عملت على مجابهة مختلف المشاكل بغرض تقديم بعض الخدمات الضروية، ورفع الوعي، وحفظ تماسك المجتمع. قاوموا للحفاظ على روح التضامن والتكاتف والتآزر بينهم. قاوموا بالتمسك بحرياتهم على مستوى حياتهم الخاصة. قاوموا بأشكال كثيرة ومتعددة اجترحتها عبقريتهم التي تعشق الحرية.

وفي هذا التراث المقاوِم تقف ثورة أكتوبر 1964 كأعلى نقطة لأنها كانت أول ثورة شعبية ناجحة في تاريخ السودانيين بعد الاستقلال استطاعت الانتصار على أول نظام عسكري. والمغزى الكبير والخاص لتاريخ 21 أكتوبر 1964 لا ينفصل عن مغزي ما حدث يوم 17 نوفمبر 1958، إذ أن هذا التاريخ دشّن بداية اغتصاب العسكريين للسلطة وفَتْح شهيتهم لها ليتحوّل الجيش من مؤسسة دورها "الدفاع عن الوطن" لآلة قهر ضخمة ارتكب أفرادها في الماضي أبشع الانتهاكات تعذيبا وتقتيلا في حقّ عدد لا يحصى من المدنيين ومن العسكريين المأسورين في جنوب السودان ولا يزالون يواصلون انتهاكاتهم حتى اليوم في أصقاع مختلفة من السودان، ليتحوّل الجيش من مؤسسة دورها "الحفاظ على سيادة الوطن ووحدته" لآلة قهر برعت في الدوس على الدستور والحكومات المنتخبة ديمقراطيا لتفرض أنظمة عسكرية استبدادية ذاق السودانيون على يدها ولا يزالون يذوقون أبشع مظاهر الانتهاك لحقوقهم الإنسانية.
ومقابل تاريخ 17 نوفمبر يقف تاريخ 21 أكتوبر ترياقا مضادا لسُمّ الاستبداد. ونموذج أكتوبر، نموذج الثورة الشعبية السلمية ذات الرؤية الديمقراطية، سيظلّ دائما النموذج الملهم للسودانيين وهم يناضلون ليس فقط ضد القهر العسكري وإنما ضد كل أنماط القهر التي تسلبهم حرياتهم وتحطّ من إنسانيتهم. إن غد السودانيين ليس بغدِ حَجْر حرية الفكر والتعبير، ليس بغد مصادرة حرية العمل والتنظيم السياسي، ليس بغد التمييز ضد المرأة، ليس بغد التمييز ضد الآخر المختلف في العقيدة، ليس بغد التمييز الثقافي أو الجهوي، ليس بغد الحرمان من التعليم والمعرفة، ليس بغد الحرمان من الرعاية الصحية، ليس بغد أي شكل من اشكال الانتقاص من الكرامة الإنسانية. إن غد السودانيين هو غد أفق الحلم الأكتوبري الذي يفتح باب الحرية والتحقّق الإنساني واسعا فسيحا.

 

محمد محمود أستاذ جامعي سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وحاليا مدير مركز الدراسات النقدية للأديان.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.