تأتي ذكرى يوم المرأة العالمي هذا العام ووضع المرأة في المجتمعات الإسلامية على سوئه وتخلفه إن لم يزدد سوءا وتخلفا. وهو انتكاس يرتبط ارتباطا عضويا بصعود الإسلام كقوة سياسية بالدرجة الأولى وهيمنته، بالدرجة الثانية، كقوة اجتماعية تؤثر على تشكيل السلوك وتوجيهه في اتجاهات إحياء ونشر المفاهيم والقيم التي تملأ المرأة بالإحساس بالدُّونية باعتبارها "ناقصة عقل" وتختزل إنسانيتها لتُعامل كفتنةٍ وإغراءٍ جسدي لابد من لجمه وكبحه "بلباس شرعي" — وهو إجراء "تطهيري" تتجسّد ذروته المؤسية في مشهد المرأة المسلمة التي تتحرك في الفضاء العام وقد غطت كامل جسدها بغطاء يحيلها بكاملها لـ "عورة" واجبة الاستتار وكتلةٍ لاشخصيةٍ وكيانٍ مستلبٍ منطمس الملامح وغريبٍ كل الغربة عن كل ما حوله.
ويبرز التخلّف الخطير لمستوى المرأة في البلاد المسلمة عندما نقارنه بباقي العالم، وهو تخلّف يصفع الوجوه صفعا مؤلما عندما نقرأ وثيقة مثل التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين(The Global Gender Gap Report) الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum). ويقيّم هذا التقرير أوضاع المرأة في المجالات الاقتصادية والتعليمية والصحية والسياسية، ويرتّب الدول حسب دور النساء ومساهمتهن في هذه المجالات. وفي تقرير 2015 والذي درس أوضاع 145 دولة نجد أن أفضل عشر دول تخلو بكل، بكل أسف، من أي دولة ذات أغلبية إسلامية. وعندما ننظر للدول العشرة التي تذيّل القائمة فإننا نجد أنها، بكل أسف، كلها دول ذات أغلبية إسلامية وهي (من أسفل القائمة فصاعدا): اليمن، والباكستان، وسوريا، وتشاد، وإيران، والأردن، والمغرب، ولبنان، ومالي، ومصر (لم تشمل قائمة الدول التي درسها التقرير السودان وهو أمر عائد في الغالب لعدم توفّر الإحصائيات أو حجبها). وعندما ننظر لإيران، مثلا، وبعد نحو ثلاثة عقود ونصف من "الثورة الإسلامية" فإننا نجد أن المرأة الإيرانية كافحت التمييز ضدها وقاومته (كامتداد لوعي وتراث سابقين على النظام الإسلامي). ويظهر هذا جليا في المجال الذي لم يستطع النظام فرض كامل سيطرته عليه وهو المجال التعليمي، وهكذا نجد أن نسبة القراءة والكتابة بين النساء تصل 83% بين النساء مقابل 91% بين الرجال. وعلى مستوى التعليم الجامعي فإن نسبة التسجيل تصل 56% بين النساء مقابل 60% بين الرجال. إلا أن النظام لم يسمح لهذا الإنجاز التعليمي العالي الذي يؤهل النساء للمساهمة على قدم المساواة مع الرجال بأن يتعدّى مجال التأهيل التعليمي ليتحول لمساهمة اقتصادية فاعلة في سوق العمل والانتاج أو لمساهمة تشريعية أو إدارية أو سياسية. وهكذا نجد أن مساهمة النساء كقوة عمل لا تتجاوز 18% مقابل 77% للرجال (وهي مساهمة ترتفع في قطاع العمالة المهنية والفنية إلى 35% مقابل 66% للرجال). أما في المجال التشريعي والإداري فإن مساهمتهما تهبط لنسبة 15% مقابل 85% للرجال. وينحدر دور المرأة انحدارا مريعا في المجال السياسي إذ أن نسبة النائبات في مجلس الشورى الإسلامي أو المجلس هي 3% مقابل 97% للرجال، وهي نسبة حاول النظام تحسينها تحسينا طفيفا برفع المشاركة الوزارية للنساء لنسبة 10% مقابل 90% للرجال.
ويبلغ سوء الوضع مبلغ انحداره في البلاد التي تحكم بالشريعة مثل السعودية وإيران والسودان حيث أصبح واقع التمييز ضد المرأة واقعا مؤسسيا يكرّسه ويحميه عنف الدولة وقانونها المستند على أحكام الشريعة. وكما هو معلوم فإن الشريعة قد ميّزت تاريخيا ضد ثلاث فئات هي النساء وغير المسلمين والأرقاء (الذين فُرض تحريرُهم فرضا على حماة الشريعة). وهكذا فإن المرأة في نظام الشريعة ودولتها مواطن من الدرجة الثانية (إذ أن مواطن الدرجة الأولى من حيث الحقوق والامتيازات هو الرجل المسلم الحرّ).
والوضع المتدني للمرأة في العالم الإسلامي اليوم، على رغم ما حققته من تقدّم في الكثير من المجالات (وفي مقدمتها مجال التعليم)، يعكس الواقع التاريخي الموروث وقوة المقاومة الإسلامية لحقوق المرأة — وهي مقاومة وصلت تحت ظل تكوينات مثل تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام وتنظيم بوكو حرام وتنظيم طالبان قمة عنفها وهي تحاول بعث واقع دولة المدينة وفرضه عبر فوهة البندقية. إلا أن استفظاع ما تفعله هذه القوى التي توصف "بالمتطرفة" يجب ألا يصرف نظرنا عن الحقيقة البسيطة بشأن الشريعة وهي أن بعثها وتطبيقها لن ينتج عنه ألا قهر المرأة والتمييز ضدها — هذا هو الحال الماثل اليوم سواء تمّ إحياء مشروع الشريعة على يد قوى توصف "بالمتطرفة" أم على يد أنظمة سياسية مستقرة ومقبولة في ظل النظام العالمي السائد (مثل النظام السعودي) أو أنظمة وصلت للسلطة عبر ثورة شعبية (مثل النظام الإيراني) أو أنظمة انتزعت السلطة عبر فوهة البندقية (مثل النظام السوداني) أو أنظمة تستند على الشرعية الانتخابية (مثل النظام العراقي).

إن الواقع الذي تعيشه نساء العالم الإسلامي اليوم وتحديات هذا الواقع شبيهة إلى حدّ معين بواقع باقي نساء العالم من حيث أن الأديان تمثل تحديا وانتقاصا كبيرا لحقوقهن. والإسلام لا يختلف عن باقي الأديان من حيث أنه دين "ذكوري"، ولا غرابة في ذلك إذ أنه ينسجم مع ميراثه اليهودي – المسيحي. وهكذا، ومثلما أن المرأة لا يمكن أن تجد كامل حقوقها وكرامتها في اليهودية أو المسيحية فإنها لا يمكن أن تجد كامل حقوقها وكرامتها في الإسلام. إلا أن الشبه في مقارنتنا هو شبه "إلى حد معين" كما أشرنا أعلاه، لأن المسيحية واليهودية – وباقي أديان العالم – قد قبلت إلى حد كبير بالواقع العلماني المتغيّر لعالمنا ورضيت أن يصبح الدين أمرا شخصيا يتعلق بالاعتقاد والضمير الشخصي. إلا أن الأمر عندما يأتي للواقع الإسلامي فإننا نجد أنه الدين العالمي الوحيد الذي نجحت القوى المحافظة في بعثه كتعبير إيديلوجي لإعادة صياغة الواقع — وهو تعبير نجحت هذه القوى نجاحا كبيرا في توظيفه كقوة سياسية واجتماعية واقتصادية لفرض هيمنتها وتميّزها.
وهكذا فإن المرأة في العالم الإسلامي تواجه اليوم تحديا عسيرا ومعقّدا وخطيرا إذ أن الإسلام لم يعد عقيدة يؤمن بها الإنسان أو يتركها (مثله في ذلك مثل باقي الأديان) وإنما أضحى بندقية وتكوينا سياسيا وبنية اقتصادية وتعليمية وإعلامية وسعيا بكل الوسائل لفرض شريعة تميّز ضدها. إلا أن ما يجب أن نضعه في اعتبارنا دائما هو أنه وفي نهاية الأمر لا يصحّ إلا الصحيح وأن قهر المرأة القائم على أنها "ناقصة عقل" لابد أن ينتهي لأن المرأة "كاملة عقل" ولأنها لن تتوقف عن كفاحها من أجل حقوقها وتحقيق مساواتها في وجه كل مظاهر العنف وتزييف الوعي مهما تكاثفت وتعاظمت.

محمد محمود أكاديمي سوداني ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.