التنمية المستدامة مصطلح جديد تعددت تعريفاته باختلاف منظوراته وتعدد جوانبه، يدل على منهجية متكاملة لإدارة الاقتصاد والبيئة والنواحي الاجتماعية والبشرية بالإضافة إلى مقدرات المؤسسات. وتهدف التنمية المستدامة إلى تحقيق توازن بين الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الأعمال التجارية داخل المجتمع لتلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها.
ويتضح لنا أن التنمية المستدامة في الواقع هي "مفهوم شامل يرتبط باستمرارية الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية للمجتمع"، حيث تمكن التنمية المستدامة المجتمع وأفراده ومؤسساته من تلبية احتياجاتهم والتعبير عن وجودهم الفعلي والحفاظ على النظم الإيكولوجية (البيئية) والعمل على استمرارية واستدامة العلاقات الإيجابية بين النظام البشري والنظام الحيوي حتى لا يتم الجور على حقوق الأجيال القادمة في العيش بحياة كريمة. كما يشمل مفهوم للتنمية المستدامة مواجهة العالم لمخاطر التدهور البيئي في ظل الاستمرار التنمية الاقتصادية وكذلك المساواة والعدل الاجتماعي.
وتشتمل التنمية المستدامة على عدة بنود تصب جميعها في التأثير المباشر على معيشة الناس. ونركز هنا على مفهوم الدخل في التنمية المستدامة، حيث تهدف الاستدامة فيه إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية والنمو وفرص العمل في القطاع الرسمى، كما تهدف إلى دعم المشاريع الصغيرة وخلق فرص عمل للأغلبية الفقيرة في القطاع غير الرسمى.
وفي هذا الشأن يجب الاهتمام بمدى ارتباط التنمية البشرية بمفهوم التنمية المستدامة، حيث تبرز هذه العلاقة المتداخلة من خلال الحاجة الماسة لإيجاد توازن بين السكان من جهة، وبين الموارد المتاحة من جهة أخرى. وبالتالي فالعلاقة بينهما هي علاقة بين الحاضر والمستقبل بهدف ضمان حياة ومستوى معيشة أفضل للأجيال القادمة، وبذات القدر للأجيال الحاضرة، والذي يحتاج إلى ربط قضايا البيئة بالتنمية بشكل دائم.
وتمثل المعرفة والتعليم القاعدة الأساس للتنمية البشرية، وذلك من خلال الارتقاء بالقدرات والمهارات وتشكيل اتجاهات والقيم ، وبالتالي الإسراع بالعملية التنموية. فالتنمية قائمة على استثمار الطاقات والقدرات المادية والبشرية الموجودة في المجتمع لتحقيق التنمية المستدامة.
وعند التحدث عن التنمية يجب التذكير بأننا لا نعني بالضرورة الاهتمام بزيادة الثروة أو الدخل القومى فحسب، فالإنسان هو الهدف الأساس للتنمية القومية، ومن أهم مقوماتها النهوض بأوضاع الإنسان الثقافية والاجتماعية والصحية والتعليمية والتمكين الفكري والسياسي، إضافة إلى تفعيل مشاركته في المجتمع وحسن توظيف طاقاته وقدراته لخدمة نفسه ومجتمعه للوصول إلى تنمية مستدامة حقيقية.
ورد تعريف للأمم المتحدة يتضمن مفهوم التنمية البشرية من خلال ثلاثة أبعاد أساسية. ويتمثل البعد الأول في تأهيل وصقل القدرات البشرية أولا فالأفراد يولدون متساوين نسبياً في القدرات، إلا أن هذه القدرات تصقل أو تهدر وفقاً لمستوى التأهيل من خلال التعليم والتدريب والتنشئة الاجتماعية. أما البعد الثاني فيتمثل في توظيف القدرات البشرية في التنمية الاقتصادية والسياسية والمجتمعية. ويتعلق البعد الثالث بمستوى رفاهة المجتمع ككل.
كذلك يعرف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، التنمية المستدامة بأنها تنمية اقتصادية اجتماعية (وليست تنمية اقتصادية فحسب) تجعل الإنسان مطلقها وغايتها، وتتعامل مع الأبعاد البشرية والاجتماعية للتنمية باعتبارها العنصر المهيمن، وتنظر للطاقات المادية كشرط من شروط تحقيق التنمية المستدامة.
لقد التزم العالم المتقدم بهذا التدرج في بناء الإنسان، أي التزم ببناء الصحة والتعليم والمعرفة، ومن ثم انطلق الإنسان للنواحى الثقافية والفكرية والمجتمعية والسياسية الأخرى. لذلك كان تناولهم لها قائم على علم ومعرفة، خلافا لما هو حادث في العالم النامي في عدم أخذه بأولويات البناء البشري حتى الآن.
وبذلك تجعل التنمية البشرية الإنسان هو محور التنمية، و النمو الاقتصادي وسيلة وليس غاية. وتمكن تلك التنمية جميع الأفراد من توسيع نطاق قدراتهم البشرية إلى أقصى حد ممكن ، وتوظف تلك القدرات أفضل توظيف لها في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية . كما تكون رؤية مستقبلية للأجيال القادمة ، بمراعاة عدم استنزاف قاعدة الموارد الطبيعية لدعم التنمية في المستقبل.
وينبثق مفهوم تنمية الموارد البشرية من المنظور الاقتصادي، وأن الإنسان هو مورد من أهم الموارد الاقتصادية. ويركز الاقتصاد اهتمامه على الإنسان المنتج وعلى إنتاجيه العمل بالدرجة الأولى. وتعتبر صحة الإنسان من مقاييس المردود الاقتصادي، حيث أن الإنسان المريض يعد خصما على الناتج القومي من حيث الإنتاجية في العمل، ومن حيث التكلفة العلاجية، لذلك يجب زيادة اهتمام الدولة بصحة الناس والبيئة المحيطة ، إذ أن لها دور مهم في الحفاظ على هذا المورد وتقليل تكلفة النفقات على الصحة. وهذا دون ريب هو من أوجب واجباتها القومية. وينطبق هذا الأمر كذلك على التعليم والمعرفة والانشطة الثقافية والترويحية. ولكل ذلك يعد العائد الإنتاجي في مفهوم تنمية الموارد البشرية هو العامل الأهم في تخطيط الجهود الإنمائية وما تتضمنه من استثمارات وأولويات.
ومعلوم أن غالب دول العالم النامي لم تستطع تحقيق برامج التنمية المستدامة منذ انطلاق مفهومها في ثمانينات القرن الماضي وذلك لأسباب تتعلق بإنخراط إنسانها في مرحلة "الاندماج العالمى" المتسارعة التي حدثت في تسعينيات القرن الماضي، أو ما يعرف بالعولمة التي لا تفرق بين الدول المتقدمة من غيرها. وطالت هذه العولمة مختلف الجوانب الحياة، و أثرت بقوة في مختلف أنواع المؤسسات، في عالم سادت فيه الثورة العلمية و التطورات التقنية الهائلة، التي أسهمت في إعادة تشكيل الموارد البشرية وفي تخطى إشكالية الزمان والمكان في إطار التواصل والتفاعل الإنساني باستخدام تقنية المعلومات المتطورة. كذلك حاول العالم النامي الاندماج في العولمة وهو غير مستعد تماما بموراد بشرية فعالة من حيث التعليم والصحة والثقافة ومن ثم البيئة المحيطة. وساهم هذا في جعل العالم النامي يعيش في "عالم افتراضي" مختلف عن البيئة المحيطة. غير أنه لا نستطيع أن ننكر استفادته من بعض نواحي التطور التكنلوجي والمعرفي المتاح من خلال العولمة الآتية من ثقافات وبيئات متباينة.
وتأسيساً على ما ذكر نختم بالقول بأن التنمية المستدامة قائمة على بناء الإنسان أولا قبل استخراج الثروات ، وقبل إنشاء المشروعات الاقتصادية، ذلك لأن التنمية البشرية باختصار هي عملية تمكين الإنسان من تحقيق إنسانيته عن طريق تحسين مستويات الصحة والتعليم والمعرفة والمهارات من ناحية، ومن ناحية أخرى إنتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة في أغراض الإنتاج والنشاط وفي أمور الثقافة والمجتمع. هذا بالإضافة بالطبع إلى جوانب أخرى فكرية وسياسية، ومن ثم الاهتمام بالشأن الداخلي والعالمى ترتيبا للأولويات.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.