أورد تقرير صندوق النقد العربي توقعات الأداء الاقتصادي للدول العربية لعام 2017م، وهي في مجملها تتحدث عن التطورات في البيئة الاقتصادية الدولية وتأثيرها على الأداء، لا سيما فيما يتعلق بتوجهات السياسات النقدية في الاقتصاديات المتقدمة والتقلبات الواسعة في تدفقات رؤوس الأموال إلى الدول النامية واقتصاديات الأسواق الناشئة. وتفرض تلك السياسات النقدية تحديات إضافية على البلدان العربية منها الفجوات التمويلية للبلدان المصدرة للنفط أو المستوردة له، والتي تحدث بدورها انكماشا في النشاط الاقتصادي، والذي يؤثر بدوره سلبا على النمو الاقتصادي المحقق على مستوى دول المجموعة ككل. 

غير أن أمر سوق النقد الأجنبي هو من الأمور التي لها علاقة وثيقة بالأوضاع في دول الجوار، وتدفق المزيد من النازحين إليها كأحد أسباب تباطؤ وتيرة النمو في تلك الدول. ويتطلب ذلك اتخاذ ما يلزم من حزمة من الإصلاحات لدعم وتنويع مصادر الإيرادات والتخفيف من حدة تباين مستويات الدخل، وتبني سياسات اقتصادية تهدف لحفز أنشطة القطاع الخاص، خاصة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع تحسين مناخ الاستثمار بالبلاد.
إن للمناخ العام للاستثمار ارتباط واضح بالسياسات النقدية في الدولة. وتعتبر الوسائط المالية الرسمية هي أحدى الطرق السليمة لتنظيم وإستقرار الأسعار ونسب التضخم، وللحفاظ كذلك على استقرار سعر الصرف للعملات المحلية مقابل الأجنبية. وكان اخفاق السياسات النقدية في الدول النامية مثل السودان ينسب في الماضي إلى المصارف بحسبانها هي الوعاء الرسمي الأكبر لتنفيذ تلك السياسات، ولتسرب السيولة النقدية خارج الجهاز المصرفي، دون النظر لعوامل أخرى أكثر أهمية منها كمصب للسيولة النقدية، في حين تعتبر السياسات الاستثمارية من أهم عوامل تسرب السيولة النقدية و التي يعول عليها في جذب مزيد من المستثمرين لدفع النمو في الدولة، وعند التركيز على تحسين المناخ الاستثماري من قبل المعنيين مع إغفال الجوانب الأخرى المؤثرة في ناتج الاستثمار. وهذا مما من شأنه أن يوقع السياسات النقدية في مأزق تداول النقد خارج المنظومة المالية الدولة، بالإضافة إلى تنشيط سوق العملات غير الرسمي أيضا.
لذلك ينبغي أن يكون لسياسات الاستثمار خط أكثر اتساقا مع السياسات النقدية الصادرة، سواء أكانت محلية أو أجنبية، وأهمها جذب المدخرات داخل القنوات الرسمية. فالمميزات التفضيلية التي تمنح للمستثمرين سواء الاجانب أو المحليين تكتفي بلائحة الإنشاء للمشروع الاستثماري ، خاصة بند بيع نسبة من روؤس أموال المشروع داخل البنك المركزي ، مع عدم إهتمام كبير بعائدات المشروع من السيولة النقدية و إمكانية إدخال نسبة منها داخل القنوات الرسمية المالية للدولة مثل المصارف ، وذلك مقابل الميزات التفضيلية لحزمة الإعفاءات الجمركية والضريبية التى تمنح للمشروع الاستثماري ، بذلك يصبح متاح للمستثمر أن يحفظ مدخراته بالنقد الأجنبي من خلال سوق الصرف الغير رسمي. ويتفاقم هذا الامر بكبر حجم المشروع الاستثماري، في ضبابية حول واجبات والتزامات المستثمر تجاه الالتزام بالسياسات النقدية للدولة.
كذلك يواجه سوق النقد المحلي مستجدات كثيرة داخل سوق العمل في الدولة تتمثل في الأوضاع الخاصة بدول الجوار وتدفق المزيد من النازحين كما أسلفنا الذكر. ولهذه الأوضاع تأثيرات مجتمعية اقتصادية مهمة حيث أن للنازحين، شأنهم شأن جميع المغتربين عن أوطانهم، توجهاتهم الاقتصادية الخاصة تجاه النقد الاجنبي ويسعون لجمع مدخراتهم لتحويلها إلى أوطانهم الاصلية، أو حتى الاحتفاظ بها في شكل عملة أجنبية لمنع تدهور قيمتها لاحقآ، وهذا وضع طبيعي في الدول التي لها استقرار مالي بدرجة مناسبة، ولها سعر صرف رسمي موحد . غير أن الدول التي تعاني من أزمات مالية متلاحقة وشح في النقد الإجنبي فسوف تواجه بطلب متزايد على النقد الاجنبي من السوق غير الرسمى مما يخلق ارتفاعا في السعر قائم على الندرة. ويعاني كذلك النقد المحلى في ذات الوقت من السحب من القنوات الرسمية ليتم تداوله خارج المؤسسات المالية الرسمية من أجل تلبية عملية التبادل السريع بالنقد الأجنبي.
عندها يصبح سوق النقد الأجنبي بهذه الكيفية في حد ذاته استثمارا له قواعده ومنافذه. ومن أهم تلك القواعد أنه يفتقر لأي نظام رسمي يدير من خلاله معاملاته لأنه غدا كيانا اقتصاديا له أعمدة وقواعد، وتتم إدارته بحنكة أشبه بسلطة أخرى خارج سلطة القانون (الرسمي). وفي ظل الندرة والحواجز القانونية والاجرائية يصبح هو البديل الأنسب للتعاملات المالية، حيث تتوافر فيه مميزات من العمل على مدار الساعة دون تأخير، وتعامل بالنقد مباشرة لكافة أنواع العملات دون وجود سقف للتعاملات. ويحدث الاستثمار في سوق النقد تقلبات واسعة في تدفقات رؤوس الأموال وضغوطا في أسعار صرف عملات الدول النامية واقتصاداتها الناشئة، مما يؤدي إلى التدفق السالب لروؤس الاموال إلى خارج الدولة. وهذا من شأنه أن يعمل على تراجع معدلات التضخم فتؤثر على قرارات الاستهلاك والاستثمار، وتعمق من تباطؤ النمو الاقتصادي مستقبلا. وعندها يصبح الاعتماد على استخدام السياسات النقدية لإنعاش الاقتصاد قائما أكثر من وضع سياسات اقتصادية تساهم في إعطاء الاقتصاد دفعة مستدامة. ويحتاج الاقتصاد المستدام إلى إصلاحات قصيرة الأجل لضبط الأوضاع المالية العامة وأهمها زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ومن ثم إصلاحات اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل، منها إعادة رسم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، ومشاركة المواطنين في تملك المشروعات من خلال شركات المساهمة العامة، مع إصلاح لسوق العمل ونظام الخدمة المدنية، في إطار الإصلاح التشريعي والمؤسسي.
نختم القول بأن جميع المؤسسات المالية العالمية ترى أن خروج السودان من المازق الاقتصادي تحتم تنويع مصادر الدخل القومى، حيث درج الإعتماد على مصدر واحد من مصادر الدخل القومى، دون الاكتراث في المقابل للمصادر المتراجعة الأخرى. وهذا مما يجعل من الضروري الان التوجه نحو مصادر أخرى للدخل القومى متوافرة طبيعيا مثل الطاقة الشمسية والثروة السمكية، وغيرها دون حصر أو تحديد، مع الإستفادة من الأسعار المنخفضة للسلع الأساسية عالميا في الرفع عن كاهل الشرائح الضعيفة، والتى كلما ازداد أعداد أفرادها، كلما حال ذلك دون تعافي النشاط الاقتصادي بالبلاد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

\\\\\\

\\\\\\\\\