يعرف النَقْد بأنه وحدة التبادل التجاري، وهو يختلف ويتنوع من دولة إلى أخرى، وينقسم إلى نوعين، نَقْد حقيقي، وهو الذي له وجود مادي، وآخر نَقْد تقديري، ليس له وجود مادي ويستخدم باعتباره وحدة للتحاسب.
ويعرف النَقْد في الفكر الاقتصادي العام بأنه أداة ادخار واستثمار في يد الدولة، ووسيلة اقتصادية تمارس بواسطتها الدولة الرقابة على الإنتاج وعلى توزيع المنتجات. لذلك تعتبر عملية تهريب النَقْد من الجرائم الاقتصادية، حيث تلجأ الدول إلى حماية نقدها من التهريب للحفاظ على التنمية الاقتصادية، كما تعد تشريع القوانين المجرمة لتهريب النَقْد محل عناية وصمام أمان من تذبذب الأسعار المالية للعملة. كما أنها من الجرائم الاقتصادية التي تخل بالمؤسسات المالية خاصة المصارف، وذلك لأن حركة الأموال الكبيرة وتنقلها دون اقتصاد وعائد حقيقي يحدث خللا واضحا في نظامية وحاكمية الاقتصاد، والعمل المصرفي على وجه خاص.
لذلك تعد عملية تهريب الأموال واحدة من أخطر المشاكل، حيث زادت مع تطور أساليب وتنوع وسائل النقل المادى للنقد، هذا بالإضافة إلى تطور وسائل الاتصال الحديثة والانترنت، والتي وفرت للعمل المصرفي تحديدا عددا من المزايا والعيوب في آن واحد. فزيادة حركة التبادل الاقتصادي بين الدول تعد ميزة، بينما تعد سهولة الاختراق للنظم المصرفية بسبب ضعف الرقابة المالية لدى بعض الدول أو بعض المؤسسات المالية والمصرفية بصورة آكثر تحديدآ أحد العيوب الرئيسة.
وتحمل جريمة تهريب النقد في طياتها بعض خصائص الجريمة الاقتصادية والاجتماعية في آن معا. غير أن خطورتها وارتباطها بالجرائم الأخرى مثل تمويل الإرهاب تعطيها طابع العالمية لكافة المعاملات دون قيود حدودية للجريمة. لذلك تعد الأنشطة غير المشروعة أكبر مولد لعملية تهريب النقد وذلك بتعدد الأفعال غير المشروعة والتي تتعدد أساليبها، وأخطرها هو الاتجار غير المشروع سواء كان محليآ أو دوليا، والتهرب الضريبي والجمركي، وكذلك يمكن أن تمارس هذه الجريمة من خلال المؤسسات المالية والمصارف عبر الأدوات الرسمية والأنشطة الشرعية مثل الإقتراض من المصارف دون ضمانات حقيقية أو كافية، ومن ثم عدم الوفاء بالمستحقات المصرفية، وتمارس كذلك ظاهرة تحويل الأموال من خلال الاعتمادات المستندية والحوالات دون عمل حقيقي. كذلك هناك بعض الشركات التي تقوم بإستثمار أموال المودعين المدخرين وتهريبها إلى الخارج دون ضمانات كافية ودون غطاء قانونى يحمى المودعين فيتم تهريب الأموال إلى الخارج وقفل الشركة.
هنالك العديد من وسائل التهريب للنقد والتي تمارس من خلال إجراءات أكثر تعقيدا ليصعب ملاحقتها قانونيا، أو كشف جرمها بصورة مباشرة، وذلك جنبا إلى جنب استمرارية الوسائل المباشرة في تهريب النقد من خلال المخارج الدولية في المطارات أو الحدود البرية. وغالبا ما يمكن السيطرة على هذه الممارسات إذا توافرت الإجراءات الاحترازية والامانة عند القائمين بالأمر.
لقد أصبحت جريمة تهريب النقد تصنف كأحد أهم أذرع جريمة غسل الآموال بتوافر القصد الجنائي. ولذلك نشأت مفاهيم الرقابة على النقد دوليآ من خلال إجراءات دولية صادرة من جهات رقابية مثل مجموعة العمل المالي والايجموند، غير أن قوة التشريعات المكافحة لغسل الآموال والمتزايدة في القطاع المالي أدت إلى انتشار النقل المادي للنقد كوسيلة بديلة لنقل عائدات الجرائم وضمان تأمينها بالحفاظ عليها بعيدا عن الأنظمة المالية التقليدية إلى أن صدرت حديثا معايير رقابية من مجموعة العمل المالي خاصة بالنقل المادى للنقد.
وتواجه جريمة غسل الأموال وملحقاتها من جريمة تهريب النقد الكثير من العقبات الاجتماعية والثقافية في بعض المجتمعات التي لا تثق في أنظمة المؤسسات المالية، مما يدفعها إلى القيام بأنشطة مالية يومية بعيدا عن الأجهزة المالية الرسمية، وخلق كيان "خفي" للتعامل من خلاله، يتم فيه اخفاء الدخول الحقيقية عن الحكومات لأغراض الضرائب وغيرها، لذلك يعتبر النقد عند مثل هذه المجتمعات وسيلة خفية لتسهيل حركة نشاطها الاقتصادي.
يرفض عدد من أصحاب الأموال التعامل بالوسائل أو الأدوات المالية الأخرى الشرعية المتاحة في القنوات الرسمية المالية مثل الشيكات المصرفية والتحويلات المالية بين المصارف أو الحسابات المصرفية في مكان واحد وذلك لاعتقادهم بأن النقد هو الوسيلة الأسرع في الدفع مباشرة و دون رسوم نقدية أخرى، هذا بالإضافة إلى أنهم يقللون من فرص الاستدانة فيما بينهم، وقد تبرر كل هذه الملابسات والمبررات استخدام النقد خارج القنوات الرسمية عدم وجود القصد الجنائى في المعاملات من وجه نظرهم. ولهذه الكيانات المالية الخارجية عن المنظومة الرسمية معتقدات تتنامى مع تطور المجموعة مثل مفهوم مخزن القيمة وهو أمر يرتبط عند توفر بيئة مالية غير آمنة ، وأوضاع غير مستقرة سياسيا وآمنيا ، فتقوم هذه المجموعة بتحويل جميع المدخرات المحلية إلى عملات أكثر استقرارا وأمانا وقبولا عالميآ مثل الدولار واليورو، بغرض تخزين الثروات والخوف من الانخفاض المستمر لقيمة العملة المحلية. وهذه في الحقيقة الامر حلقة (مفرغة) مستمرة وسببية بين الاكتناز وزيادة الطلب على النقد الاجنبي و تدني قيمة العملة المحلية في المقابل . هذا بالإضافة إلى أنه من الناحية الاجتماعية فإن تهريب النقد يحول فئات منتجة في المجتمع إلى فئات غير منتجة مع بروز طبقة غنية بشكل مفاجئ من جراء الكسب غير المشروع. وهذه الطبقة الثرية لا تميز بين الانفاق والاستثمار، وترتفع عندها مستويات النزعات الاستهلاكية وشراء السلع دون ضوابط. هذا بخلاف دورها في دعم منافسة النشاطات الاقتصادية غير المشروعة مقابل النشاطات المشروعة، وهذا يعد من أهم مؤشرات ظاهرة غسل الأموال.
غيرأن لعوامل الاستقرار والثقة في الدولة أثر كبير في الحد من ظاهرة تهريب النقد ، في ظل وجود قوانين وأنظمة رادعة ، لذلك كلما كانت البلاد في حالة استقرار آمني كلما ظهر الثبات من الناحية الاقتصادية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.