تأثرت المؤسسات المالية بصورة عامة، والمصارف بصورة خاصة، في سنوات العقد الماضي بعدد من المتغيرات الاقتصادية والصناعية، نتيجة للتقدم التقني والمعلوماتي، والذي سار في خط متواز مع عدد من الازمات المالية المتلاحقة، وارتفاع حدة المنافسة بين المصارف والمؤسسات المالية في إتجاه العديد من الدول إلى عولمة إقتصادياتها من خلال خلق تكتلات اقتصادية والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وغيرها من الإتفاقيات الاخرى.
تحتم هذه التكتلات الاقتصادية والاتفاقيات الدولية على صناع الاقتصاد الإلتزام بمعايير جودة موحدة وعالية من جانب، والعمل على مواجهة المنافسة الداخلية والخارجية من خلال خفض تكاليف منتجاتها وخدماتها من جانب آخر. وقد أصبح شائعا الآن في المؤسسات المالية الأخذ بالاستمرار في خفض التكاليف الخاصة بالإنتاج والخدمات بحسبانها من أهم الأدوات التسويقية التنافسية والإستراتيجية للبقاء في السوق. وتعتبر التكلفة التشغيلية من المعضلات الحديثة التى تواجه المصارف ، في ظل عولمة الاقتصاد و يصعب من خلالها الوصول إلى الأهداف الربحية المتوقعة، في ظل توالي الأزمات المالية المتتالية ، إذ لم تنقشع أزمة مالية الإ وظهرت أخرى في قطاع المصارف منذ سبعينيات القرن الماضي بوتيرة شبه ثابتة .
لقد واكب التطور الحادث في نظم الإدارة والفكر الإداري والتقني تطور مواز في الفكر المحاسبي، خاصة في أنظمة المعلومات داعمة للقرارات الإدارية، لذلك ظهر دور نظم محاسبة التكاليف في المصارف وتوفير الكفاءة العلمية والعملية القادرة على تطبيقها من خلال أساليب الإدارة الاستراتيجية لخفض التكلفة وتسعير الخدمات المصرفية، مع البحث في أسلوب التكلفة المستهدفة في تسعير الخدمات المصرفية بدلآ عن الأساليب التقليدية.
وعرفت جمعية المحاسبين اليابانيين التكلفة المستهدفة بأنها عبارة عن إدارة الأرباح بصفة عامة. وهذه هى أحد أهم أدوات إدارة التكلفة الحديثة والتى يعتمد عليها فى تحقيق أهداف الإدارة من التخطيط وإنتاج ورقابة للمنتج أو الخدمة من أجل دعم وزيادة القدرة التنافسية فى الأسواق. كذلك تهدف التكلفة المستهدفة إلى الإهتمام بالعميل ومتطلباته من حيث الجودة والسعر والتنافس والتوقيت المناسب. ويعتمد في تطبيق التكلفة المستهدفة علي تحليل أنشطة المنشأة وذلك للتخلص من الأنشطة التي لا تضيف قيمة، وذلك من خلال تحليل هندسة القيمة وبالتالي تخفيض التكلفة إلى أقصى حد ممكن.
إن المصارف من المؤسسات المالية التي تسعى لإتباع سياسات تنافسية في إنتهاج إسترتيجيات التمييز، والتي تعني بالضرورة بالتركيز علي جانب تقديم الخدمات المتميزة بالدرجة الأولى، ويأتى بعد ذلك عنصر التكلفة والسعر. أما إستراتيجية الريادة في التكلفة فنجدها قائمة على أن يفوق أدائها أداءمنافسيها في تقديم الخدمة بأقل تكلفة.
وتواجه البنوك حتمية الإلتزام بالمبادئ العالمية والمعايير الدولية المصرفية، والتي تفرض من قبل الجهات الرقابية المركزية، لتطبيقها والالتزام بها عند تنفيذ المعاملات المصرفية، وذلك في إطار عولمة النظم المصرفية. ويعتبر هذا التطبيق للمعايير مكلفا بعض الشيء إذ أنه يزيد من التكلفة التشغيلية الكلية من حيث إدخال برامج معلوماتية محددة، مثل الالتزام بمعايير كفاية رأس المال وإحتساب الأصول المصرفية. هذا بجانب المعايير الأخرى مثل الشفافية والتدقيق و الالتزام . هذه المعايير تحتاج إلى تخصيص تكلفة إضافية جديدة قد لا تتناسب مع بعض البيئات المالية التي تعاني من ضعف الناتج القومي ومصادر الدخل.
وتجابه المصارف بحسبانها أهم المؤسسات المالية بعناصر ومفاهيم التضخم الاقتصادي الذي يستخدم لوصف عدد من الحالات المختلفة من الارتفاع المفرط لمستوى الأسعار أو تدهور الدخل النقدي أو  ارتفاع التكاليف أو الأرصدة النقدية التي  تعمل منفردة أو مجتمعة في إتجاه واحد. والنتيجة هى أن المصارف تعاني من إختلال العلاقات السعرية بين أسعار الخدمات التي تقدمها وأسعار عناصر الإنتاج هذه الخدمات. وهذا من شأنه أن يقلل من النشاط الإقتصادي للمؤسسات المالية خاصة المصارف المناط بها إدارة النشاط الإقتصادي، ويدفع ذلك إلى توجيه المصارف لزيادة نشاطها في مجال الاقتصاد المجتمعي الذي يعمل علي تحريك شريحة من المجتمع تسير نحو الفقر والبطالة.
ويتسبب التضخم الاقتصادي في نشوء مفاهيم الكساد والركود الذي يؤدي إلى هبوط رأس المال بإحداث نقص في الإستثمار والإنتاج. ويتجلى ذلك الركود الاقتصادي في تزايد المخزون السلعي للتجار من جانبهم، والتأخر عن سداد التزامتهم لدي المصارف، مما يقلل من حجم السيولة النقدية المتداولة داخلها. ويحدث هذا أيضا إنخفاض الربح المتوقع وفق الموازنة  الاستثمارية للمصرف. ويتم أحيانا تداول السيولة خارج الجهاز المصرفي ، فيستدعي ذلك تدخل السلطات الرقابية والسياسات النقدية بالدولة بإمتصاص السيولة من خلال طرح أوراق مالية أو غير ذلك من الإجراءات .
وبناء على ما سبق أصبحت المصارف أمام خيارين، أولهما الإستمرار بتسعير خدماتها وفقآ للتسعير من خلال تحديد تكلفة الخدمة ثم يضاف إليها هامش الربح الذي يرغب المصرف فى تحقيقه، ويعتبر هذا الخيار من الطرق التقليدية. أما الخيار الثانى فهو التسعير للمنتجات والخدمات وفق أسلوب التكلفة المستهدفة لضمان فعالية تحقيق الأهداف ومواجهة المنافسة الحادة بين المصارف.
إن لتسعير الخدمات المصرفية وفق طريقة التكلفة المستهدفة عدد من المزايا والعيوب. كما يستلزم نجاحه توافر عدد من المقومات الأخرى مثل العمل بروح الفريق بين العاملين من خلال تضافر جهود المسئولين بالمستويات التنظيمية المتنوعة بمختلف الإدارات، وربط أسلوب التكلفة المستهدفة بأساليب أخرى تعمل على خفض التكلفة إالى الحدود المطلوبة مع مراعاة تحسين مستوى الجودة لتحقيق متطلبات العملاء، وذلك مثل أسلوب هندسة القيمة والتحسين المستمر وإعادة هندسة العمليات. كذلك من الضرورى تنسيق الأهداف العليا للمصرف والتخلى عن المفاهيم التقليدية والإجراءات الروتينية المقاومة لروح التغيير وعدم رغبة بعض المسئولين فى تحمل المسئوليات، وذلك  بهدف تقليل الصراع التنظيمى بين الأقسام المختلفة والذى يعتبر أحد أهم معوقات تطبيق التكلفة المستهدفة، أو قد تكون أحد أسباب نجاحه إذا تضافرت الجهود .
ونختم القول بأن المصارف التجارية تحتاج إلى دعم كوادرها العلمية والعملية المدربة على إدارة نظم التكاليف وتطبيق مفاهيم الإدارة الاستراتيجية بصفة عامة، من أجل خفض التكلفة وتحسين كفاءة التسعير للخدمات المصرفية ، بالدرجة التى تسمح بمواجهة المنافسة الشديدة ،وتحقيق متطلبات العملاء وجذب أخرين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.