يعد قطاع التكنلوجيا المالية) (Financial technology مصطلحا جديدا يربط بين التكنلوجيا والمالية. وتطور هذا المصطلح ليشمل كل تجديدات تقنية تستحدث في القطاع المالي، الذي شهد نموا حقيقيا من خلال ظهور علامات لتطور قطاع المدفوعات خصوصا في النظام المصرفي. ويمر النظام المصرفي اليوم بعملية انتقال من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد غير النقدي، بفضل التقنية، هذا فضلا عن تطور وتعدد طرق الدفع في الخدمات المصرفية، التي قد لا تحتاج في المستقبل إلى مصرف بشكله التقليدي لإنجازها. وهذا يعني تحول المصرف التقليدي إلى مصرف رقمي، وفقا لتطور الاقتصاد التقني الرقمي ضمن مظلة ما يعرف بـ (اقتصاد المعرفة والعولمة).

غير أن النقد لا يزال منتشراً بشكل كبير بين أيدي الناس على الرغم من التقدّم الحالي والمرتقب، خاصة في المجتمعات المتقدمة، حيث يفترض أن يقل استخدام الناس فيها للأوراق النقدية، على عكس المجتمعات الأقل تطورا. وعادة ما لا يتبادر إلى ذهن المتعاملين بالقطاع المالي عند الحديث عن التكنلوجيا المالية سوى بطاقات الدفع الإلكتروني التي تعد أبرز خدمات التكنولوجيا المالية ، التي تسعي دائما إلى تحسين الخدمات المالية التقليدية حتى غدت عملية تحويل الأموال أسهل مما كان عليه الحال. وبذا مكنت التكنلوجيا الأشخاص الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية أيضا من إجراء عمليات تحويل للأموال من خلال تطبيقات الهواتف الذكية. غير أن ما يعرف بـ "الشمول المالي" في المصارف ما زال منخفضاً نسبياً حتى الآن. وبذلك تستطيع شركات التكنلوجيا الجديدة أن تجد لها فرصا أكبر في الوصول إلى الزبائن الذين ليس لديهم علاقات مصرفية قائمة أو محدودة. كما استطاعت التكنلوجيا المالية الحديثة الاستغناء عن النقود الورقية من خلال تقنية المدفوعات ، وبذلك تكون هذه التكنلوجيا الحديثة قد تعدت الخدمات المصرفية التي تقدم عبر الانترنت(او نلاين). وغدت شركات التكنلوجيا المالية تقدم نفسها بديلا عن المصرف التقليدي، وهذا مما شأنه تغيير حصة العمل المصرفي في أسواق المال في السنوات القادمة. حيث أنه وبحسب إحصاءات مجمعة من بنك التسويات الدولية وشركة الخدمات المهنية العالمية (كي بي إم جي)، بلغت المبالغ المستثمرة في الشركات الناشئة المتخصصة في التقنية المالية في ست سنوات ما لا يقل عن 40 مليار دولار. وسجلت تلك الاستثمارات بين عامي بين 2010 و2016م صعودا هائلا من 0.8 مليار إلى 13.6 مليار دولار (أي ما نسبته 1600 في المائة).
وأصدرت اللجنة المعنية بوضع المعايير الدولية للمصارف عالميا (وتسمى لجنة بازل) في أغسطس 2017 م تقريرا عن الممارسات السليمة تحت مسمى (تداعيات تطور التكنلوجيا المالية على المصارف، وعلى السلطات الإشراقية والرقابية). وقامت تلك اللجنة في تقريرها بالتنبيه والتأكيد على عدد من المحاذير تتعلق بالقطاع المصرفي في ظل التطور المتسارع لشركات التكنلوجيا المالية والوسائط الاجتماعية عبر الانترنيت. وأشارت إلى أن هذا التطور التكنلوجي المتسارع قد وضع المصارف التقليدية والجهات الرقابية أمام تحديات واقع تقني جديد ومتطور بسرعة فائقة للغاية.
وتطرقت (لجنة بازل) إلى أن هناك مصارف يمكنها (حتى بشكلها التقليدي) أن تتخطى هذه المنافسة عن طريق استثمارات ضخمة في القطاع التكنلوجي، وأن تستحوذ على تطبيقات الشركات الناشئة لدمجها في مصرف المستقبل القائم على التكنلوجيا الرقمية إلى جانب الخدمات التقليدية، حيث يمكن أن تساعدها عراقتها في الأسواق المالية على تحقيق ذلك. وهذا مما شأنه أن يطور العمل المصرفي كثيراً بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
أما إذا لم تستطع بعض المصارف اللحاق بركب التقنية بالطريقة السلمية والسرعة المطلوبة، فستجد نفسها، بلا ريب، خارج السوق المصرفي، وستحل مكانها مصارف أخرى، عن طريق الاستبدال أو الدمج، مما يقيم مصارف جديدة قوامها التقدم التكنلوجي (التقني)، بعد الحصول على تراخيص مصرفية لخدمات تقدم بالهواتف الذكية أو غيرها من التقنيات الحديثة.
وهنالك أيضا خيار آخر يتوقع فيه أن ينحصر دور المصارف بشكلها التقليدي إلى مقدم ومتسلم خدمة غير منظور عمليا، حيث يضع المصرف المعين خبراته بتصرف الشركات التكنلوجيا المالية وعمالقة شركات الإنترنت التي تحتفظ لنفسها بالعلاقة مع العملاء والمستخدمين، في ظل انتشار خدمات منصات الدفع الإلكتروني، على أن يبقى للمصرف التقليدي دور الخزانة ومطابقة العمليات وامتثالها للقواعد الرقابية. وبذلك تتحول المصارف إلى واحدة من القنوات المالية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء.

ويعتبر أسوأ احتمال لاجتياح التكنلوجيا المالية للقطاع المصرفي هو أن تجعل هذه التقنيات المتطورة مفهوم المصرف التقليدي شيئا من الماضي، وتحل محله العمليات التي تطورها المنصات التقنية وتقدمها مباشرة إلى العملاء، لأنها ستكون الأقدر على فهم احتياجاتهم بفضل البيانات والمعلومات التي بحوزتها عنهم، حيث يتعاملون ماليا عبر الإنترنت بلا وسيط أي دون مصرف (تقليدي).
وحثت (لجنة بازل) المعنيين في المصارف المركزية ومؤسسات الائتمان على تقوية كوادرها وأجهزتها البشرية والتقنية لمواجهة المخاطر المتأتية من التطور التكنلوجي الذي قد يهدد جل الخدمات المالية، مع الأخذ بكل التحوطات الازمة ضد الاختراقات الأمنية للبيانات والمعلومات الشخصية، هذا فضلا عن عميات غسل الأموال وتمويل الإرهاب وعلى كل مخاطر الإنترنت المعروفة على وجه العموم.
وفي ذات السياق قدم المجلس العام للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، المظلة الرسمية للمؤسسات المالية الإسلامية، ردا على وثيقة (لجنة بازل) فيما يخص وضع المصارف الصغيرة في البلدان الأقل نمواً (والتي توجد بها معظم المصارف الإسلامية)، فضلا عن أن تلك المصارف الإسلامية العديد من التحديات المرتبطة بتوافر المعرفة والخبرات والموارد للتكيف مع التغيرات الجديدة، وبالتالي تحتاج إلى المزيد من الدعم التقني (وغيره) من الجهات الإشرافية. غير أن الأمر الجيد هنا هو أن التهديدات التي قد تتعرض لها المصارف الإسلامية من شركات التكنلوجيا الجديدة تعتبر أقل، ربما بسبب متطلبات الالتزام والتقيد بالشريعة الإسلامية في تعاملاتها المالية. وبالتالي تمتلك المصارف الإسلامية فرصا كبيرة للتعاون مع شركات التكنلوجيا المالية لتعزيز ما يعرف بـ (الشمول المالي).
غير أن قضايا مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد تكون ذات أهمية أكبر للمصارف الإسلامية التي تعتزم استخدام الحلول التقنية، حيث أن غالب المصارف الإسلامية تعمل في بلدان تعتبر أكثر تعرضا لقضايا مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبالتالي فإن التكنولوجيا الداعمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ستكون ذات أهمية خاصة لتلك المصارف الاسلامية.
وختاما، يمكن القول بأن تقرير (لجنة بازل) أكد على أن قطاع التكنلوجيا المالية لازال في بداية تطوره السريع والمتوقع. إلا إن هذا القطاع، رغم سرعة تطوره، ما زال غير متجانس حتى الآن، وليس له معايير وضوابط دولية موحدة تحكم مساراته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.