ماذا تريد أنجيلا ميركل من سياسة اللاجئين الجديدة ؟

هل جنت المستشارة ميركل أم أنها تتبع أجندة غامضة لا تحب الافصاح عنها. ميركل تهدد أمن الاتحاد الأوروبي وألمانيا، بهذه التخوفات والتساؤل جذبت صحيفة FAZ  (Frankfurter Allgemeine Zeitung) القراء والإعلام معا.

نعم، ماذا تود ميركل من استقطاب أكثر من مليون لاجئ دفعة واحدة، متجاهلة لتهديد أمن واقتصاد دول الجوار كالنمسا والسويد وكذلك دول جنوب أوروبا / قلعة وحصن الرابطة الأوروبية. نناقش في هذا المقال التطورات الراهنة الخاصة باللاجئين وما قد يكون إجابة على هذه التخوفات والاتهامات.

يرى أكثر من محلل سياسي أن محاولة إيقاف الحرب السورية وإزاحة بشار الأسد لن تتم إلا بإقامة انتخاب شعبي بسوريا تحت مراقبة دولية دقيقة لتجنب التزوير وضمان الشفافية وعدم خرق اللوائح والقوانين الدولية. حاولت الدول الكبرى والقوى المتدخلة في الشأن السوري ـ أمريكا ، دول أوروبا والسعودية وتركيا ومن جانب آخر إيران وروسيا ـ إيجاد حل سلمي في مؤتمر نمساوي غير أنهم خرجوا بدون حل كما كان متوقعا. رفضت السعودية التحدث مع إيران الداعمة لنظام الأسد وحزب الله كما تعسر إيجاد حل بديل من قبل أمريكا والغرب وروسيا، ما يهمنا هنا هو أن ألمانيا والرابطة الأوروبية قد أعلنتا صعوبة حل أزمة اللاجئين ـ هجرة لم يشهدها الغرب من قبل ـ لتزايد تدفقهم على السواحل الجنوبية والأوروبية وحتى ألمانيا والسويد. من المعلوم أن أغلبية اللاجئين سوريون ،  الأمر الذي جعل الرابطة الأوروبية وألمانيا "صور أوربا العظيم" تصران على عقد مؤتمر فوري من قبل الدول العظمى والأخرى المتدخلة في الشأن السوري كما تم في النمسا.

كان وقد اعترض واحتج الأكراد في ألمانيا على زيارة "ميركل" إلى تركيا للتحدث مع "أوردوغان" في تأمين الحدود لإيقاف هجرة اللاجئين القادمين عن طريق تركيا إلى أوروبا. احتج الأكراد على هذه الزيارة إذ أتت غضون الاستعداد للانتخابات البرلمانية التركية مما بدت كزيارة مؤكِدة للإبقاء على أوردوغان في السلطة.

رغم فضيحة شركتي سيارات فولكسفاجن وبورش volkswagen und porsche الألمانيتان بتزوير حقائق عن تقليص وتصفية ثاني أوكسيد الكربون في منتجاتهما وخسارتهما المالية والإساءة إلى سمعة ألمانيا المعروفة بالجودة والدقة، لاسيما في صناعة السيارات، إلا أن أزمة تزايد اللاجئين ظلت المهيمنة على الإعلام والصحافة والشارع العام بألمانيا.

يقول رئيس الحزب البديل "اليميني"  afdبأن المستشارة "ميركل" لا تدرك مغبة استقطاب قرابة مليون لاجئ في غضون سنة واحدة وطالب باستقالتها معتبرا تدفق الأجانب أعظم كارثة تمر على ألمانيا، إذ سينتشر الإسلام وتعم منظومة الشرق الاجتماعية الهمجية ويجد الإسلامويون والإرهاب أرضا خصبة بألمانيا لممارسة جرائمهم ضد الإنسانية.

كان وقد صرحت المستشارة  للإعلام " بأن إيقاف هجرة اللاجئين غير ممكن وإن مُنعوا سيعاودون محاولة التسلل مجددا، كما أنها ترى في اللاجئين الجدد مستقبلا جيدا لإنعاش الاقتصاد الألماني وسدا لعجز خزينة المعاشات وسدا للنقص السكاني المتزايد في البلاد، وتقول بأن استقطاب اللاجئين سيتم بعد تحريات كافية، لاسيما وأنه قد تم الاتفاق على عدم قبول طلبات  لجوء القادمين من شرق أوروبا لأنها دول آمنة سياسيا كما أنها تسعى إلى محاولة إيقاف هجرة اللاجئين الافغان من خلال توجيه الحكومة الافغانية وتكليف القوات الألمانية الموجودة هناك.

وكما يبدو فان استراتيجية إدراج اللاجئين في المجتمع الألماني وسوق العمل سيتم وفقا لإجادتهم اللغة ومعرفة المنظومة الألمانية. يقول رئيس الغرفة التجارية بأن أكثر من 80% من الشركات بحاجة ماسة للشباب المؤهلين والغير مؤهلين إذ سيتم تدريبهم في الشركات وتوظيفهم. وذكر مواصلا بأنه يجب على السياسة الألمانية منح اللاجئين إقامات طويلة الأمد ومن ثم الاقامة الدائمة لأن الشركات ستخاطر كثيرا إن أبعد منها العاملين أو المتدربين.

هل من جديد في سياسة اللاجئين بألمانيا ؟

لقد اتفقت المستشارة وحلفاؤها في الحكومة على محاولة لتهدئة الوضع لا غير. اتفق هؤلاء على اقامة مراكز "ترانزيت" بولاية بايرن ليتم بها البت في طلبات اللاجئين، بدلا من تدفقهم إلى الداخل والتدقيق في طلباتهم من ثم. طالب الحزب الاشتراكي spd بأن تلغى كلمة "ترانزيت" وأن يحل محلها "مراكز تسجيل اللاجئين" لمقابلة اللاجئين كمسافرين عابرين لحين تسفيرهم ... تم الاتفاق كذلك على إيقاف لم شمل الأسر، وان يتم البت في طلباتهم بسرعة حتى يتفرغ للاجئي الحرب الموافق على لجوئهم. كما اقترح الحزب الاشتراكي أيضا بتكوين مراكز رئيسية بكل دولة أو لكل دول الرابطة الأوروبية وربطهم البعض لتسهيل تسجيل اللاجئين.

الحرية والحدود:

ذكر باحث ألماني بأن المستشارة ميركل تُسير سياستها الراهنة وفقا لسياسة المغامرة، إذ يظل السؤال قائما كيف تستطيع ألمانيا التخلص أو التكيف ـ على أسوأ الفروض ـ مع اللاجئين الجدد ـ قرابة مليون لاجئ في نهاية هذا العام؟

يقول بأن ميركل وقد فتحت الحدود لا تستطيع غلقها، حتى بعد اقامة حدود الترانزيت.  أخطأت المستشارة واتبعت منهج ممثلي المسرح الألماني العبثي إذ يخطئون في طرح فكرة ما و سراعا ما يكررون الخطأ نفسه فيتوهم الجمهور عمق الثغرة ويتهم نفسه بعدم المقدرة على استيعابها.

تقول المستشارة في الإعلام بأنها ستدعو إلى تعديل اتفاقية "دبلن" للاجئين التي تنص على تقييد اللاجئين والنظر في طلبات لجوئهم في أول دولة أوروبية وصلوا إليها. تقول لا يمكن أن تبقى ألمانيا والسويد وبعض الدول هي المستقطب لكل اللاجئين فيما تتنصل دول الاتحاد الأخرى من هذه المسؤولية، هذا كما أشارت إلى تفهمها لتذمر دول جنوب أوروبا لوصول اللاجئين إليها، كأول دول لقربها من شمال أفريقيا ومتاخمتها للبحر المتوسط.

يقول متحدث حزب اليسار بأن انتعاش اقتصاد ألمانيا لن يتضارب مع وجود أكثر من مليون  لاجئ على أرضها، بل سيكونون اضافة وتجديد للهوية الألمانية والمنظومة الاجتماعية التي ما تزال منغلقة تنظر إلى العالم المتحرك حولها والعولمة بمنظور أحادي ضيق.

اثنان إلى خمس مراكز لتسجيل اللاجئين تم فتحها في ولاية بايرن بعدما اعتراض الحزب المسيحي الاجتماعي csu على تدفق اللاجئين إلى ألمانيا لاسيما في ولاية بايرن الثرية بجنوب ألمانيا. شيدت مراكز التسجيل أو الترانزيت هذه لكي لا يأتي اللاجئون إلى ألمانيا فمعظمهم قادمون من دول آمنة / شرق أوروبا أو لأسباب انسانية أو اقتصادية.

يقول زي هوفر رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي بأن ما حدث إلى الآن هدر للميزانية، فمعظم  اللاجئين محسوم في أمر طلباتهم منذ البدء أي رفضها، فلماذا يتجهوا إلى ألمانيا ويتمتعوا بالخدمات الاجتماعية ويكلفوها ميزانية طائلة لإيوائهم ....؟

ذكرت صحيفة FAZ معترضة على سياسة ميركل وزي هوفر الجديدة بأن اقامة الحدود / الترانزيت هي فصل اجتماعي قبل أن يكون بيولوجي، فالتاريخ نفسه أدرك مغبة الحدود حتى "حامورابي ووصايا موسى العشر" لم تعترف في الواقع بإقامة جدار أو حائط بين المجتمعات. سقط جدار برلين وها هي ولاية بايرن تشيد جدارا جديدا كحائط "ميليليا" الأساسي بالمغرب !

نعود فنذكر بأن صحيفة FAZ تساءلت أكثر من مرة عن جدوى وخلفية سياسة ميركل لاستقطاب اللاجئين/ مليون إلى نهاية هذا العام.

هل ميركل مستشارة بقلب كبير؟ أأثرت تربية والدها القس عليها وفهمها لحب الآخر المختلف ؟ أم جنت بحق؟  لا أحد يدري إلى أين تقود هذه السياسة المنفتحة على الأجانب ؟

يقول رئيس الحزب البديل AFD بأن ما سيحدث هو الطوفان وتحطم اقتصاد ألمانيا وتغير هويتها !!  من يدري كم من إرهابي انسل وسط اللاجئين ليمارس القتل وتفجير الأبرياء ؟  تحدث رئيس هذا الحزب بهذه الأقاويل ودعا مجددا لخروج مظاهرات في برلين ضد سياسة ميركل، بل وطالب بتنازلها عن منصبها!

من المعروف سياسيا بأن طول مدة الحكم تضعف الرئيس أو المستشارة ويصبح التكرار منهجه السياسي كما حدث للمستشار الأسبق هلموت كول. لم يستطع كول النجاح في الدورة الرابعة إلا بعد الاستفادة من اتحاد الألمانيتين ودوره الرائد في اندماجهما. صوت الألمان الشرقيين له في دورته الرابعة ليحكم مدة (16 عاما) اطول من أي مستشار ألماني آخر. ربما تود ميركل أن تربح في دورتها الجديدة الرابعة، أي حكم 16 عاما بتصويت الأجانب لها ؟

يقول سيجموند غابرييل، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ساخرا بأنه لن يمانع بمنح ميركل حق اللجوء في حزبه الاشتراكي إذ أصبحت تجنح أكثر إلى اليسار الديمقراطي .

من المستغرب له أن "فون دير لاين" وزيرة الدفاع والمرشحة لانتخابات المستشارية القادمة هي أكثر من يدافع عن نجاح ومقدرة ميركل لحل قضية اللاجئين، إذ ترى فيها مستشارة، أي نموذج بإرادة قوية وأهداف موفقة وليس كما يصنفها الكثيرون بأنها ذات وجهين ، مترددة، تجيد إدارة الحوار فقط. هذه هي "فون دير لاين" تدافع عن منافستها في الانتخابات القادمة !!

لقد اعترضت أحزاب المعارضة على إقامة الحدود والإسراع في فحص طلبات اللجوء، يوميا أكثر من ألف حالة، إذ رأوا في هذه السياسة فوضى، فكم من طلب لجوء جدير بالتأمل والتمعن لا القراءة الخاطفة وإهماله.

نعم ألمانيا تعاني من مشاكل داخلية كارتفاع تعداد المتسولين والفقر والبطالة إلا أن اهتمامها باللاجئين هو واحد من أجندتها الداخلية،  كذلك سداد عجز خزينة المعاشات وسد النقص السكاني ، اللاجئون الجدد الأكفاء وأبناء الأجانب وحدهم هم الذين يحققون هذين المطلبين.

ألمانيا دولة ككل الدول الراقية المتحركة في دائرة العولمة، وما حدث خارج حدودها مؤخرا وجد اهتماما بالغا من الصحافة والإعلام والرأي العام .. نعم ألمانيا جزء لا يتجزأ من العالم الحديث والداعي الأول لاتحاد أوروبا وإزالة الحدود ومن ثم تلاشيها.

كان وقد ناقشت الحكومة تأمين حدود ألمانيا في وجه تدفق آلاف اللاجئين كما حدث في الوقت الراهن ، اعترض حزب SPD على مخطط كهذا وانتقد تسريب وزير الداخلية "منح اللاجئين السوريين اقامة محددة / سنة فقط ومنع لم الشمل.

خرجت مظاهرات حزب البديل المناوئ لهجرة اللاجئين والكاره للإسلام والأجانب حاملة صورة ميركل محجبة وسميت " بأم الإرهاب ـ  تيرو ريزا "بدلا من "الأم تيريزا".  تحركت هذه المظاهرة في برلين بهتاف، نحن الشعب، وخرج متظاهرون يساريون آخرون ضد حزب البديل.

يقول أحد المتظاهرين الأجانب "نحن الشعب وليس هؤلاء النازيون والعاطلون عن العمل أنهم لا يعرفون الأجانب ويقدمون أحكاما مسبقة، نحن نجيد لغتهم ونعرف ثقافتهم ومنظومتهم الاجتماعية. بأي حق يقفون ضدنا وينادون جزافا نحن الشعب ...نحن الشعب".

إلى جانب هذا التظاهر تحدث أفغاني لاجئ وذكر بأن الحكومة الألمانية غير مفهومة مطلقا !  إذ تذيع بأن حدود ألمانيا مفتوحة للاجئين وتشجع في الوقت ذاته قواتها والناشطون الألمان في أفغانستان بحث الناس على البقاء في دولتهم (أفغانستان). يقول بأن أكثر من عائلة أفغانية هربت من حرب طالبان وداعش، ومنافستهم على تجنيد الشباب وإكراه الفتيات على الزواج الباكر. لا أحد يعرف في الواقع مأساة اللجوء والهروب من هناك في رحلة مجهولة مخيفة إلى إيران ومن ثم إلى تركيا ومنها ركوب البحر وتسليم كل ممتلكاتهم وأرواحهم للمهربين والبحر الذي امتلأ بجثثهم آباءً وأمهاتً وأطفالا.

انتقدت المعارضة "حزب اليسار والخضر" مراكز الترانزيت واعتبرتها سجن مؤقت خارج ألمانيا ليسفر اللاجئين منه إلى دولهم أو أول دولة دخلوا إليها وسجل فيها من دول جنوب أوروبا أو شرقها.

اثنان إلى خمس مراكز تسجيل على حدود جنوب ألمانيا يتم فيها فحص طلبات اللاجئين في أسبوع فقط ومن ثم يسمح للموافق على لجوئهم دخول ألمانيا وتسفير المرفوضين، أي لا يصرف على سكنهم وتأمين صحتهم من الخزينة الخاصة باللاجئين كما كان يحدث من قبل داخل ألمانيا.

بالتدقيق فيما توصلت له حكومة ميركل بشأن حدود الترانزيت الخاصة بالأجانب تتجلى لنا هذه النقاط:

ـ تسفير اللاجئين المرفوضة طلباتهم بسرعة بعد فحص طلباتهم في غضون أسبوع.

ـ تحقيق اقتراح "دي ميزير" وزير الداخلية المقدم في منتصف سبتمبر الذي ينص على فحص طلبات اللجوء على الحدود وليس داخل الولايات.

ـ توفير محاميين والسماح لدخول منظمات حقوق الانسان وغيرها من المنظمات الداعمة لحقوق اللاجئين. أي يمكن للاجئ مشاورة المحاميين وهذه الجمعيات على الحدود / مراكز التسجيل قبل أن يبت في قرار طلب اللجوء.

ـ يحق للاجئين التحرك خارج حيز الترانزيت / مراكز التسجيل، إلا أن دخول ألمانيا الذي يتطلب الموافقة الرسمية على دخولهم.

ـ تستغرق مدة فحص الطلب أسبوعا واحدا فيما تنص لوائح الرابطة الأوروبية على مدة شهر.

ـ يسفر اللاجئ المرفوض إلى دولته الأم أو الدولة المجاورة أو الدولة الأولى الأوروبية التي دخل إليها حسب "اتفاقية دبلن" .

ـ أضاف حزب SPD مقترح ربط مراكز تسجيل الأجانب في الدول الأوروبية بعضها البعض حتى يسهل عملية تسجيلهم وعدم المرواغة وإعادة محاولة تقديم طلب اللجوء.

انتقد مدير الغرفة التجارية الألمانية وكذلك الكنائس اجراءات دي ميزير بمنح اللاجئين السوريين اقامة سنة واحدة ورفض لم الشمل.

لِم يعزل الآخر المختلف يا سيد زي هوفر؟

ألم تشهد ألمانيا التشرد واللجوء بعد الحرب العالمية الثانية؟

أين القيم المسيحية وحب الآخر، يا من تلصقون صفة المسيحية على أحزابكم؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.