في رواية موسم الهجرة الى الشمال للاديب الطيب صالح

 

امير حمد _برلين

اجتاز الراوي الصحراء - في سيارة خلوية – عائدا من حفل ختان أبناء مصطفى سعيد .رقصت حسنة أم الطفلين فرآها الراوي في هيئتها الجميلة غير أنه ظل ساكنا غير قادر على الافصاح بحبه لها , ورغبة تزوجه منها فتكفي شر ود الريس العجوز الشهواني. أن كون الراوي متزوج وله بنت لا يمنع من تزوجها – كزوجة ثانية –لأنه ظاهرة تعدد الزوجات في قرية ود حامد أمر متعارف عليه ولكن لم يحدث شيء.

هنا نقرأ الراوي من منظورين :

المثقف – الأحادي – الزواج احتراما للمرأة,ومنظور آخر لرجل عاجز عن التغيير , والافصاح عن مشاعره وتحقيق ما تمليه عليه ذاته وفق نظام وعرف مشروع .

اجتاز الراوي الصحراء – منبع الوحي فوصفها في داخله , وأحسها بعمق . لم يكن فراغها  الصحراوي هذا  برماله, والحصى , والأشجار اليابسة , الا مهيج الذكريات, وتقاطع الصور في المخيلة . من هنا استفاد الكاتب في عكس بعض ملامح ذكريات البطل. غير تذكر الراوي لها , كما عكس صور مصغرة للسودان حيث التف سافري الصحراء في  دائرة واحدة كل وهواه"من يصلي , ومن يرقص , ومن يغني , ومن يقرأ الشعر ومن ...."

تذكر الراوي ما قالته ايزابيل سيمور للبطل مصطفى سعيد " اقتلني ايها الغول الافريقي احرقني في معبدك ابها الأله الأسود .

يقول الراوي مستغربا من الذهنية الأوروبية المتناقضة" الانسان لمجرد أنه خلق عن خط الاستواء بعض المجانيين يعتبرونه عبدا وبعضهم يعتبرونه الها ..........

أبن الاعتدال ؟ وجدي ..... أين أضعه أين وصفه فس هذا البساط الأحمدي ؟.....  هل هو فوق هذه الفوضى ؟ لا أدري. ولكنه بفي عل أي حال رغم الأوبئة وفساد الحكم وقسوة الطبيعة وأنه موقن أن الموت حين يبرز له يبتسم هو في وجه الموت.

الايكفي هذا ؟

هل أبن آدم مطالب بأكثر من هذا ؟ "

ان خاطرة الراوي – تذكرة للبطل مصطفى سعيد –حملته لمحاولة  فهم الذهنية الأوروبية المتناقضة التي تمجد وتسقط حسب هواها . ان معادلة – جد الراوي –  والذهنية الأوروبية المتناقضة في تقيمها للآخر المختلف \الأسود ترجح كفة الجد أي   القوى المعنوية الثرية العالية . وتفهم كنه الطبيعة والتعلم منها تماما كداب جدالراتوي في الحياة اذ انه

بمثابة الذخر المعنوي في وجه قوى العصرالمادية وفوضاه      , وهو كذلك جزء من البيئة كأشجار الطلح  لا تشذ  عن محيطها , فتنمو ببساطة, وتعيش بلا ترف ومثلما عاشت ببساطة تموت كذلك . ان هذه الرواية مشحونة بلغز(الموت والانتحارات)  على صعيد علاقة الرجل الشرقي بالمرأة الأوروبية,أو على صعيد الزيجات العرفية المحلية, كزواج ود الريس بحسنة,.نعم لم يكن الموت كرد منصف أو متطرف في كل هذه المآسي(الانتحارات والقتل) الا انه  تفسير عميق لهذه المآسي ولفتا للنظر.

 

ما ان طوقت الصحراء الراوي الا وازدحمت الخواطر والذكريات في ذهنه فأخذ يعيدها ويرتبها- لا سيما ذكريات البطل مصطفى سعيد. وكما رأينا من قبل بأن الراوي تميز عن البطل بعلاقته الوطيدة بالمكان \ البيئة الطبيعية ومجتمع ود حامد, وبالزمان \الماضي\ جده..........

.....فها هي الشمس تجنح للغروب في الصحراءوهو ممتثل بين رمالها " شفق المغيب ليس دما ولكنه الحناء في قدم المرأة والنسيم الذي يلاحقنا من وادي النيل بحمل عطرا لن ينضب في خيالي ما دمت حيا .....".لم يثر مغيب الشمس  فيه الاحساس بالتلاشي وغروب الاشياء وذاك الحزن الشفيف المقترن  بكنه الفراق والموت  وانما كما

يقول أحد الباحثين بأن الكاتب قد جعل من لغز( الفراق _الموت) عسلا فكان يشرحه في كل أعماله كأمتداد طبيعي للموت كلؤحة المغيب هنا   لاتوحي  بزوال  وانما تكتسي بأحساس التفاؤل والاستمراروالبهجة (.....ولكنه الحناء في قدم امراة  ).

كما جدرت الاشارة من قبل فقد وصف الكاتب وجود مسافري الصحراء – في رحلته الصحراوية هذه- كنموذج مصغر للسودان . نعم السودان  الصوفي المتسامح المحترم للحرية الشخصية لكل فرد فيه(.......ا.

انتهت الحرب بالنصر لنا جميعا, الحجارة والأشجار والحيوانات والحديد . وأنا الآن تحت هذه السماء الجميلة الرحيمة أحس أننا جميعا أخوة .الذي يسكروالذي .... . الينبوع نفسه ولا أحد يعلم  ماذا يدور في خلد الآله . لعله لا يبالي لعله ليس غاضبا ....."

في هذا المقطع الذي يؤكد على (الينبوع الواحد). رغم الاختلافات والظروف نرى صوفية السودان الشبيه بأشعار ابن العربي:

أدين بدين الحب فالحب ديني وايماني

ظل الكاتب الى نهاية حياته ينشد ويكتب عن هذا (الفردوس المفقود) المفعم بالحب والآخاء والتسامح . نقول (الفردوس المفقود) لأن السودان في وصعه الراهن أصبح قابلا للانفصال , والشرذمة, والحروب الاقتصادية بسبب الجشع الداخلي والخارجي معا. حررت الغربة كل طاقات الكاتب الابداعية الحبيسة, فرسم السودان مصغرا في أبداعه الادبي  مثلما  ألفه في صباه"الأربعينيات" وكيتيوبيا في ابداعه الروائي.