رسالة وذكرى

 

" إنني أترك لك زوجتي وولدي وكل مالي من متاع الدنيا فيء ذمتك وأنا أعلم أنك ستكون أمينا على كل شيء........."

ولكني أطلب منك أن تؤدي هذه الخدمة لرجل لم يسعده الحظ بالتعرف إليك كما ينبغي ـ أن تشمل أهل بيتي برعايتك وأن تكون عونا ومشيرًا ونصيحاً لولدي وأن تجنبهما عناء السفر ,جنبهما عناء السفر وساعدهما بأن ينشأ نشأة عادية ويعملا عملاً مفيداً . وأنا أترك لك مفتاح غرفتي الخاصة ولعلك تجد فيها ما تبحث عنه. أنا أعلم أنك تعاني من رغبة استطلاع مفرطة بشأني ...... ولولا إدراكي أن معرفة أهل القرية بماضي كان سيعوقني عن مواصلة الحياة التي اخترتها لنفسي بينهم, كما كان ثمة مبرر للكتمان....

أنه يهمني أي نوع من الرجال كان أبوهما ـ إذ كان ذلك ممكناً أصلاً ـوليس هدفي أن يحسنا في الظن , حسن الظن هو آخر ما أسعى إليه ـ ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما ولكم في وقت لا تكون المعرفة فيه خطراً . إذا تشاءا مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه وألوانه وتاريخه ووجوه أهله وذكريات فيضاناته وحصاداته وزراعاته فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح كشيء له معنى إلى جانب معاني كثيرة    أخرى أعمق مدلولاً.

لا أدري كيف يفكران في حينئذ ؟ قد يحثا نحوي بالرثاء وقد يحولاني بخيالهما إلى بطل !. هذا ليس مهما, المهم أن حياتي لم لن تجيء من وراء المجهول كروح شريرة تلحق يهما الضرر, وكم كنت أن أظل معهما أراقبهما يكبران أمام عيني ويكونان على الأقل مبررا لوجودي. إنني لا أدري أي العملية أكثر أنانية ذهابي أم بقائي ؟ مهما يكن فإنه لا حيلة لي ولعلك تدرك قصدي إذا عدت بذاكرتك إلى ما قلته لك تلك الليلة ـ لا داعي لخداع النفس.

ذلك النداء السعيد لا يزال يتردد في أذني وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سينكثانه.ولكن لعلي خلقت هكذا أو أن مصيري هكذا, مهما يكن معنى ذلك, إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله الأمر الذي جربته في هذه القرية مع هؤلاء القوم السعداء..... ولكن أشياء مبهمة في روحي وفي دمي تدفعني إلى مناطق بعيدة تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها. واحسرتي إذا نشأ ولداي ,

أحدهما أو الآخر وفيهما جرثومة هذه العدوى, عدوى الرحيل. إنني أحملك الأمانة لأنني لمحت فيك صورة من جدك, لا أدري متى أذهب يا صديقي,

ولكنني أحس أن ساعة الرحيل قد أزفت, فوداعاً........."

كانت هذه الرسالة هي أخر ما سطره البطل مصطفى سعيد للراوي, قبل انتحاره. ما يهمنا هنا ـ بعيداً عن مرارة الفراق والأسى المتوهج في كل حرف من هذه الرسالة ـ هو أن البطل قد قرر الانتحار أخيراً , فكم سوفه  بتهويمه في أصقاع العالم وقد كان يرغب ان  تمنحه المحكمة الحكم بالإعدام فلم تفعل  عكس ما كان يتوقع فسجنته ليعذب وتنكا الوحدة جراح ماضيه . أن نقطة التحول المحورية في هذه الرواية هي(جلسة الشرب) التي قرأ فيها الراوي قصيدة بالإنجليزية فا انقلبت الأحداث إذ أن الراوي درس الأدب في انجلترا وما قرأءة  رجل عريب كالبطل  للشعرً بالإنجليزية   في هذه القرية الريفية النائية إلا ويعني أن البطل   شخص آخر ليس الذي تعارف عليه  أهل القرية البسطاء . تقول نقطة تحول لأن تحري   وشغف الراوي املئ علئ  لبطل  أن يسرد له سيرة حياته خيفة أن يشي به بين أهل ود حامد الذين أحبهم .هذا كما ان هناك . نقطة تحول ثانية في هذه الرواية تتمثل في قتل أرملة البطل ل لد الريس العجوز الشهواني الذي أغصبت على الاقتران به. 

بالعودة ثانية إلى هذه الرسالة نجد أن الفاصل الواضح بين البطل والراوي قد انعكست خطوطه في رغبة البطل في أن ينشأ أبناؤه في قرية ود حامد.

لقد فقد البطل هذه البيئة الاجتماعية السليمة والعلاقة بالزمان والمكان فكان ذلك سبباً مباشراً في فقر  شخصيته و بروده , وأنانيته , ولامبالاته .

هنا ندرك أن الكاتب أراد ـ في مغزى مهم ـ الإشارة إلى دور التربية, والصلات الاجتماعية والرباط الديني, كم في قرية ود حامد ـ على شخصية الفرد.

أراد الكاتب ذلك فابتكر شخصية الراوي الموازية لهذه المقومات وابتكر شخصية البطل المختلفة تماما له ليبرز بوضوح جلي دور المجتمع والبيئة على سلوكيات الفرد وهدفه الحياتي وتطوره الروحي.

ومثلما تمتع الراوي بمقومات وهبات البيئة الاجتماعية السليمة , والعلاقة الوطيدة بالمكان إلا أنه فشل في التغير كشأن جيل كامل, أما البطل فقد فشل كذلك

في مجابهة الاستعمار (بموضوعية) ومقاومة مشروعه,فمارس الجنس كسلاح وثأر من الاستعمار إلا أنه نجح في المقابل في  التغير الايجابي في قرية ود حامد إذ كان عضواً فعالاً ومبتكراً. وبين هاتين الشخصيتين عكس الكاتب مرحلة الاستعمار وما بعدها بقليل, والبيئة السودانية الريفية التقليدية وبزوغ بعض بوادر التغير فيها .

نقول هذا ونتذكر حسنة أرملة البطل التي (قتلت) لتغير معبرة عن حريتها وإعلان إرادتها في وجه السلطة الرجولية في المجتمعات التقليدية. ما حملنا لإثارة هذه النقاط هي رسالة ( البطل التي وصئ فيها الراوي بارملته  وكانت مفتتحا للكشف ً عن شخصية الراوي الشبيه بشخصية جده يقول  الراوي

" إذا كان مصطفى سعيد قد اختار النهاية(الانتحار غرقاً)فقد قام بعمل ميلودرامي , وإن  كان قد غرق اعتباطا في فيضانات النيل فقد منت عليه الطبيعة بالنهاية التي يريدها ـ)

إن انتحار البطل في النيل هو( عودة إلى المنبع عودة إلى الطين حيث تبدأ الأشياء \ والأرواح من جديد. إن النيل كما نرى طوال هذه الرواية لا يتراءئ  كلوحة طبيعية طبيعية فحسب وانما  كعنصر مشارك في الأحداث " علاقة الإنسان بالمكان   كما هو الحال مع  الراوي " وموقع انتحار البطل كما أن النيل يعكس علاقة رمزية لهجرة_مسيرة  البطل ومتابعة الراوي له حينما حاول هو الآخر الانتحار مقتفياُ

آثره لفشله في التغير والحفاظ على أرملته  بل إننا نذهب أكثر لنؤكد  عكس وارتباط الرواية نفسها " موسم الهجرة إلى الشمال" بمسار النيل المتجه شمالا, وما تعرجاته وانثناءاته إلا رمزاً إلى عقبات هذه الرحلة إلى الشمال\_ أوروبا وإلى الداخل\ _السودان.

يقول الراوي عن احتمال انتحار البطل في النيل" إنما هل هي النهاية التي كان يبحث عنها ؟ لعله كان يريدها في الشمال , الشمال الأقصى في ليلة جليدية .... بين قوم لا يعنيهم أمره. نهاية الغزاة الفاتحين .)

لقد جزء الكاتب أحداث  لندن _  الجريمة والإنتحارات  وسيرة حياة البطل الركبة و...._ بين الفصول بشكل مذهل حتى تجدها نواجهها بين ثنايا كل الفصول  و اصبحت استعادت ذكريات البطل شريانا للرواية ونهذا اثر الكاتب التحدث عن شخصيات الرواية بدلا من تركها لاداء دورها كشان الروايات التمثيلية  .