ذهب أكثر من محلل سياسي بأن توجه الحكومة الراهن يندفع بقوة لاستقطاب الكوادر الأجنبية المؤهلة وتعزيز الهوية الألمانية في المقابل لتنشئة جيل أجانب جديد لسد العجز الديموجرافي ويحافظ على الهوية الألمانية. يحدث هذا من جانب ومن جانب آخر تظل شريحة الأجانب المهمشة من اللاجئين تكابد كره الألمان وحرق دورهم ورميهم بالتخلف والاسلاموية ومنافسة الألمان في سوق العمل!
نناقش هنا في هذا المقال التحولات الأخيرة في هذا الصدد ليكون امتدادا كما تورده "مجلة الدليل" عن قضايا الأجانب الراهنة وتحولاتها .

هل تعتبر ألمانيا دولة ديمقراطية بحق ؟
بهذا السؤال افتتح البرلمان الألماني حواره حول حادث حرق ملجأ جديد للاجئين  في مدينة"تروجلتس" Tröglitz  بولاية "ساكسن انهالت" Sachsen-Anhalt بشرق ألمانيا.
أن يحرق دار للفارين من الحروب من سوريا والعراق والمشردين القادمين من شمال أفريقيا يضع مفهوم احترام الأسس الديمقراطية بألمانيا في سؤال !
يقول وزير داخلية ولاية "ساكسن انهالت" بأن 180 أجنبي قتلوا على أيدي النازيين والكارهين للأجانب وذلك منذ اتحاد ألمانيا عام 1989 م إلى وقتنا هذا وأن العداء للأجانب، لاسيما اللاجئين في ازدياد مضطرد. حُرق ملجأ اللاجئين الجديد في "تروجلتس" على أيدي الكارهين للأجانب مما حرك وزارة داخلية هذه الولاية بتقديم 25 ألف يورو حافزا لمن يدل على الجاني. غير أن هذا كله لا يحل قضية كره الأجانب وتدمير وحرق بيوت اللاجئين بل وتخريب مكاتب حكومية والاعتداء عليها .
أكد أكثر من محلل سياسي واجتماعي بأن حركة "بيجيدا" Pegida في دريسدن الداعية إلى كره الإسلام وتقليص عدد اللاجئين أثرى عقلية بعض الألمان  بالراديكالية والتخوف اللامبرر من انتشار الإسلام في ألمانيا، ومزاحمة المواطنين في سوق العمل.
خُطط لهذا الملجأ المذكور كي يكون أحد مساكن اللاجئين الصغيرة لاحتواء 40 لاجئ فقط. إن حرقه عرقل الخطة، فتم لإيواء عشرة لاجئين فقط في منازل المواطنين المتطوعين. فهل يمكن أصلا للاجئين العيش بطمأنينة في هذه المدينة الكارهة لهم بل والمخططة لطردهم وقتلهم. لاجئون قدموا من حرب عبر رحلة عذاب مرير ليصلوا في نهاية المطاف إلى جحيم أكبر.
كان وقد صرح المتحدث الرسمي للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم CDU بأن حادثة حرق ملاجئ اللاجئين هذه واعتزال عمدة مدينة في ولاية ساكسن انهالت جراء تهديد النازيين له ولأسرته بالقتل لا يمثل حالة هلع أو ظاهرة جماعية فالسياسة والقانون الألماني لن يخنع أمام مثل هؤلاء النازيين الفوضويين وإنما يجرهم إلى المحاكم والسجون.
وصرحت مسؤولة الاندماج ـ الحزب الاشتراكي الديمقراطي spd ـ بأن هذه الظاهرة هي "قمة الجبن" ولا يستبعد انتشارها في كل أصقاع ألمانيا، لذا دعت إلى توعية شاملة وحوارات مفتوحة بين الساسة والمجتمع حول قضية هجرة اللاجئين وتوضيح قلة عددهم وسط تعداد الألمان، وظروفهم القاسية التي عاشوها جراء الحرب وعدم منافستهم للألمان في سوق العمل، وأيضا موضوع الخوف من أسلمة ألمانيا كما روجت "حركة بيجيدا" في مدينة دريسدن.
لماذا روجت مدينة دريسدن للعداء للإسلام علما بأن نسبة المسلمين فيها أقل نسبة في كل ولايات ألمانيا ؟
من هنا يبدأ الفهم الخاطئ وصعود النازيين. لقد استُغلت الديمقراطية وحرية الرأي في ألمانيا كما تبين في هذه الحركة بل وتمويل حزب NPD النازي من اموال دافعي الضرائب، بما فيهم المسلمون !!
يقول متحدث حزب الخضر بأن الوقت قد حان لإغلاق هذا الحزب وتصعيد حملة عشوائية ضد التوجهات اللامعقولة واللاانسانية، بل والعنصرية كتلك الداعية إلى كره ومعاداة السامية.
بثت قناة "انفو" الالمانية في أعياد الفصح الأخيرة كيف تحاول فرنسا توسيع وتطوير الحوار بين الأديان واستبدال الكراهية بالمحبة عبر المواجهة وتبادل الآراء السلمي. يقول الخبر بأن "رابين يهودي وإمام مسلم يجوبون أطراف فرنسا في سيارة ليصلوا إلى المواطنين ويتحدثون إليهم عن انطباعهم عن الإسلام واليهودية والحروب التي تقام باسم الإسلام. نجح هذان الشخصان السائحان في تنوير الفرنسيين لاسيما وأن أطراف باريس مشتعلة بالعداء لليهود ومتشككة في مصداقية وسلمية الإسلام. هذا نموذج جيد وناجح جدير تحقيقه هنا في ألمانيا لاسيما شرقها والأطراف لانغلاقهم على أنفسهم ومجتمعات ضيقة لا ينفذ إليها الخبر الجيد والرأي الآخر.

في حادثة "تروجلتس":
انتُقدت المستشارة من قبل أحزاب المعارضة "الخضر واليسار" باندفاعها واهتمامها بالسياسة الخارجية تجاه الرابطة الأوروبية أكثر من التكريس على السياسة الداخلية. فها هي اليونان تطالب ألمانيا مجددا بـ 28 مليار يورو كتعويض لأضرار النازية بين عام 1941 ـ 1944  وتهدد بأن تتوجه إلى روسيا لتمويلها للخروج من أزمتها الاقتصادية وتسديد ديونها لتبقى في الرابطة الأوروبية.
رد متحدث الحزب الحاكم على اعتراض المعارضة قائلا أن اهتمام ميركل بالسياسة الخارجية هو اهتمام ضمني بالسياسة الداخلية كفتح قضايا هجرة اللاجئين عبر حدود اليونان، وأشار مؤكدا بأن اليونان قد هددت ألمانيا بفتح باب هجرة اللاجئين إلى أوروبا كما أن ألمانيا تحاول كسب مواقعها الاستراتيجية وتقوية الاتحاد الأوروبي كقوة جديدة تنعش اقتصاد ألمانيا ومركزها المتفرد الرائد.
بثت القناة الأولى ARD   بأن ولاية "مكلنبورج فوربومرن" mecklenburg vorpommern شمال شرق ألمانيا ستستقطب قرابة 400 لاجئ وأن كثير من المواطنين تبرعوا لاستقطاب اللاجئين في دورهم الخاصة، علما بان ايجار هذه البيوت سيكون مدعوما من الدولة. عرفت هذه الولاية بكرهها للأجانب وما هذه الظاهرة الأخيرة إلا تبادل منفعة. من هذه الولاية تنحدر ميركل المستشارة الألمانية ... ولاية حُرق فيها من قبل مركز لاجئين مما دعى إلى مناقشة هذه الظاهرة المأساوية التي اشتهرت بها ولاية شرق ألمانيا الفقيرة، مقارنة بولايات الغرب والجنوب. هذا كما صعّدت الرقم القياسي لحركة "بيجيدا"  الكارهة للإسلام.
يقول متحدث حزب الخضر المعارض بأن لاجئين الدول العربية وأفغانستان أصبحوا حقل تجارب، فتارة يسكنون في دور لاجئين سراعا ما تحرق أو يهددون بالقتل والتشرد فيرحلون إلى مساكن نائية يتقاسمون فيها مرتبة واحدة أو يقطنون في قطارات نقل وتموين مهملة أو مساكن من الصفيح كما في الوقت الراهن.
كان من المتوقع أن تكون ألمانيا الشرقية "شرق ألمانيا" الآن وطنا سلميا انسانيا مُرحبا بالأجانب لميول السياسة هناك إلى اليسار والشيوعية، ذلك لأن الألمان الشرقيين عاشوا مأساة الحرية والحرمان وبطش الحزب الواحد. كان من المتوقع أن يكون شرق ألمانيا انسانيا ونموذجا راقيا للتعامل مع الآخر المختلف واللاجئين بعد إدراكهم لمأساة وأد اليهود وتشريدهم على أيدي النازية. هذا كما أن شرق ألمانيا ومقر أهم ملوكها المؤسسين مثل "أوتو الأول" في ولاية "ساكسن أنهالت  وإمبراطوريته الأولى وجمهورية فايمر، وهي فوق هذا كله مسقط رأس أهم شعرائها وأدبائها مثل "شيلر" وكذلك المفكرين مثل " كارل ماركس" حتى جوته ابن مدينة فرانكفورت كان يتمنى أن يكون من شرق ألمانيا بعد أن قلدته الامبراطورية الألمانية الأولى في شرق ألمانيا منصب وزير.
يقول المحلل السياسي في صحيفة "دي فيلت" بأن كل أفكار وتوجهات حركة "بيجيدا" قد عمت ألمانيا لاسيما شرقها كما في "تروجلتس" أفكار أسلمة ألمانيا ومنافسة الأجانب للألمان في سوق العمل واستغلال الخزينة الاجتماعية. هنا في "تروجلتس" وجدت هذه الأفكار قبولا وانتشارا سريعا لعلو نسبة البطالة وتفشي جهل المواطنين بالعالم الخارجي، لاسيما المعتقدات الدينية المغايرة كالإسلام. ويذهب أكثر في نقد الإعلام، إذ يعتبره في أغلب الأحيان إعلاما موجها وأحادي يستغل جهل المستمعين والقراء والمشاهدين.
لا يتجاوز تعداد هذه المدينة الصغيرة 27 ألفا. مدينة صغيرة جنوب "دريسدن" رأس الأفعى.
يقول متحدث مكتب بوليس الجرائم بأن الخسارة الناجمة من حرق هذا الملجأ تقدر بأكثر من مائة ألف يورو وأن السلطات المحلية بكل قوى الأمن والبوليس تبحث عن المتسبب في حرق الملجأ وأن السياسة الألمانية لن تصمت في وجه المخربين والنازيين.
يقول "غابريل" نائب المستشارة ووزير الخارجية بأنه لا مكان للفوضويين والنازيين في ألمانيا وأن اجراءات صارمة ستحدث إن دعا الأمر إلى إغلاق أحزاب متطرفة بحالها كحزب "NPD " .

أصداء حركة "بيجيدا":
ها هي برلمانية مهمة من "حزب البديل" بألمانيا الرافض للانضمام إلى الرابطة الأوروبية تترك عضويتها في هذا الحزب وتنضم إلى تجمع "بيجيدا" الرافض للإسلام في مدينة "دريسدن". يرى معظم المحللين بأن هذه السيدة لم تنضم إلى التجمع المذكور إلا لرغبة ترشيحها في تولي رئاسته في الدورة الحالية. وكما يبدو فإن هذا التجمع  والحزب البديل متفقان في تقليص هجرة الأجانب إلى ألمانيا وحظر استقطاب اللاجئين.
نصت إحدى دراسات مؤسسة برتلسمان bertelsmann stiftung بأن معظم مواطني ألمانيا الشرقية كارهين للأجانب لاسيما اللاجئين ولا يرون كرههم لهاتين الشريحتين وكذلك الإسلام خطأ أو توجها سلبيا !!  تستند معظم آراء هؤلاء الرافضين إلى أن موافقة الدولة والديمقراطية الألمانية على إبقاء الأحزاب النازية الراديكالية كالحزب الجمهوري وحزب NPD  وتمثيلهم على مستوى البرلمان يؤكد على اعتراف وقبول السياسة الألمانية لآرائهم المناوئة للأجانب وتقليص هجرة اللاجئين.
ها هي شركة مساكن خاصة  تقدم 12 قطعة للدولة لتحويلها إلى ملاجئ للاجئين بعد أن تعقد استقطابهم في ألمانيا. لم ترد هذه الشركة في الواقع خدمة اللاجئين وإنما تعمير مبانيها المهدمة الغير مأهولة وبناء هذه القطع السكنية على حساب الدولة. يقول أحد أعضاء حزب اليسار المعارض بأن مثل هذا التوجه يعكس استغلال الليبرالية الجديدة ومدى تغييب المواطنين واستخدامهم لنيل مآربها. هذا وقد هاجم هذا الحزب سياسة ألمانيا الخارجية واهتمام المستشارة بها أكثر من القضايا الملحة العالقة بالبنى التحتية واللاجئين.
يقول المتحدث الرسمي للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم في رده على هذا الانتقاد بأن المستشارة استطاعت أن ترأس وتمركز ألمانيا في منصب الريادة في الرابطة الأوروبية وأن توسيعها للعلاقات الخارجية ينصب في خدمة قضايا ألمانيا الداخلية. وأشار مدللا على ذلك بأن تحسين علاقة ألمانيا بتركيا يمكن أن يخدم تحقيق تكوين مركز لاجئين وإمكانية فرزهم على أرضها قبل دخولهم إلى أوروبا. هذا كما أن توطيد علاقتها بدول الخليج يدعم القضاء على دولة الإسلام المتطرفة، وبالتالي تهدئة الأوضاع الأمنية في الشرق المسلم وكبح هجرات اللاجئين إلى ألمانيا. أما تدخلها وتوسطها لحل قضية برنامج إيران النووي فهو تدخل داعم لأمن إسرائيل وضبط تدخل إيران المباشر في قضايا الشرق العربي "المد الشيعي، وحرب اليمن" نموذجا. أخيرا ذكر هذا المتحدث بأن رفع الحصار الاقتصادي عن إيران يخدم الرابطة الأوروبية وألمانيا على وجه الخصوص في المد بالبترول في ظروف حرجة كالظروف الراهنة المتعلقة بحصار روسيا الاقتصادي والاستغناء عن نفطها الذي تعتمد عليه ألمانيا بأكثر من 30% في تسيير المحركات والقطاع التقني.
جدير بالذكر بأن زيارة رئيس اليونان لروسيا أخافت الرابطة الأوروبية من خرق بنود مقاطعتها لها، إلا أن الرئيس اليوناني عقد صفقات زراعية معها. نقول هذا مشيرين إلى أن روسيا تحاول أن تجد أبواب أخرى لتصدير بترولها بعد أن حصارها الاتحاد الأوروبي اقتصاديا. هذا كما أن اليونان لم تزل تلعب بورقة إلزام ألمانيا بتعويضات الحرب العالمية الثانية وفتح حدودها للاجئين والمجرمين الأجانب ليدخلوا ألمانيا ودول الرابطة الأوروبية دون اجراءات قانونية أو التزام ببنود الرابطة الأوروبية.

أسئلة كثيرة
لقد أثار تقاعد العمدة بولاية "ساكسن أنهالت" وحرق ملجأ اللاجئين في "تروجلتس" مناقشة قضية الأجانب، الإسلام واللاجئين من جديد ووضع الرأي العام والسياسة الألمانية في المحك: هل ترغب ألمانيا في دعم اللاجئين وإتاحة فرص عيش كريم لهم كما تنص اتفاقيات منظمة الأمم ودبلن أم لا؟؟  
هل تود ألمانيا تقبل الأجانب كقوى منجزة ولكوادر مؤهلة ودعم للنقص الديموجرافي على أرضها وأن تتقبلهم كذلك كمواطنين فقراء غير مؤهلين أم لا؟
أسئلة حان الاجابة عليها مع التأكيد على رفض "أنصاف الحلول" !
أخيرا كان وقد تحدث " غوتس أولريش الرئيس التنفيذي للإقليم " إلى أكثر من 500 مواطن من هذه المدينة عن ضعف وقلة ميزانية اللاجئين مقارنة بميزانية الخدمات الاجتماعية في محاولة لإقناع المواطنين بلا جدوى ، أن الخوف من تقليص الدعم الاجتماعي غير موجود وأن فرص عملهم لا تتأثر بتسكين اللاجئين ، غير أنه خلص في الختام إلى أن كثيرا من الألمان لا يقتنعون بالحوار الجدي الموضوعي وتوضيح الحقائق، أو كما قال ماركوس نيرث عمدة مدينة "تروغليتس" إنهم يودون فقط أن يعارضوا توجهات الدولة وأطهار غيظهم لذلك يشتمون الأجانب ولا يترددون في ضربهم.
يرى معظم مواطني مدينة "تروجلتس" التي حرق فيها ملجأ اللاجئين بأن ثمة أمكنة أخرى لاستقطابهم، كذلك يقول الآخرون أيضاً.

هل ما حدث من حرق لهذا الملجأ وخروج مظاهرات معادية للإسلام نتاج سياسة ألمانية خاطئة وضعف الإعلام، أم أن العنصرية داء، جرثومة تلوثت بها دماء بعض الألمان ولم تتخلص منها كما علقت عقدة "حرق اليهود والغجر على أيدي النازية.
نعم، هكذا بدأت النازية في ألمانيا بالاستجابة للشعارات العنصرية المتحدية الموجهة لغسل أذهان المواطنين الألمان آنذاك.
يستر الله من وصول هؤلاء للقيادة في ألمانيا، ساعتها قل "على الدنيا السلام.

نشر هذا المقال في مجلة الدليل البرلينية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.