عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تظل المرأة لدى الشعراء والفنانين عموما "لغزا" معقدا لا يفصح عن مضامينه بما يرضي مشاعرهم المرهفة. فهي قاسية تارة ومتأبية وتارة أخرى نبع حنان وجمال سرمدي يوقظ ويعصف بأحاسيسهم وخيالهم المجنح الفضفاض. وكما قيل: "وراء كل عظيم امرأة" لأنها بحق تتحرك في الظل لتمنح الضياء وتقنع بما بالقليل إذا أحبها الرجل واحترمها حقا. نقول هذا ونعلم أن واقعها في الوطن العربي امتداد، في حد ذاته، للتاريخ العربي "الذكوري"، الذي لا يقبلها إلا وفقا لشروطه هو، ولا يطيق انفلاتها من قبضته.
وحينما يكون الحديث عن الحداثة وما بعد الحداثة تتوقع المرأة العصرية تقديرها واحترام حريتها وكل ما تقدمه من عطاء وأن تحتل موقعا مهما جديرا بالتكريم والانتباه. من المؤسف ابتعاد المرأة في الوطن العربي عن مثل هذا التقدم وإلا فإنها تتدرج من انفتاح نسبي إلى القمع العشري" المنظم".
نعم لم تزل الأمية والتخلف وتهميش المرأة وسط السيادة الرجولية سائدة في الوطن العربي رغم المحاولات الجادة وإتاحة الفرص لها لتتبوأ مكانها الطبيعي المفترض؛ لكن الأمر منوط بالتسمية والنوعية الشمولية بدءا بتغيير الذهنية الرجولية من قمع وازدراء المرأة إلى تقبلها بوصفها فكرا منجزا ونتاجا فعالا، لا حصر دورها في اعتبارها أما مربية أو حتى شقيقة أو جدة تثري الذاكرة والوجدان.
لا يفوتنا في هذا الموضع أن نذكر بأن الحداثة وحركات تحرير المرأة في الغرب العقلاني لم تستطع تجاوز المغبات التي واكبت مثل هذا التحرر، إذ صارت المرأة (سلعة) أو استرجلت حتى باتت فطرة الأنوثة عملة نادرة. الزواج شراكة اقتصادية، أي أن الزواج المانح للأمن والاستقرار وسعادة الأطفال وإسعادهم للآباء كذلك، مجرد عالم صوري ننشده في المخيلة وبين الأوراق. وعليه تجدنا نرجع قليلا إلى الوراء لعكس صورة المرأة في الوطن العربي المتنازعة بين الولاء والقمع الرجولي وبين الانتفاضة عليه وانتصارها كأنثى مثقفة، سياسية ورائدة.
حينما ظهر الإسلام كانت المرأة في الشرق العربي (مضطهدة) بل وعدت عند بعض القبائل بمثابة فتنة وعار. لم يمض وقت طويل حتى سنت حقوق وواجبات المرأة وظهرت شخصيات رائدة بالبلاط (الديني، السياسي، والثقافي) كالسيدة آمنة والدة الرسول الكريم وعائشة وكانت قد سبقت ذلك أسماء الزباء "الملكة" والخنساء الشاعرة.
يكاد العصر العباسي يمثل أرقى فترات صعود مكانة المرأة العربية؛ إذ ظهرت كأنثى مثقفة، فنانة، سياسية، ووالدة للملوك. وظهرت نساء كالخيزران زوجة المهدي وأم الرشيد وزبيدة زوجة الرشيد وأم الأمين. ورغم أن العلم لم يكن متاحا لكل النساء وقد ضربت عليهن الخدور والحواجز وخصصت أجنحة بالقصور لسيدات البلاط؛ إلا أن الثقافة كانت تسود الطقس العباسي فكانت المرأة تنشد وتغني وترقص وتروي القصص والخرافات.
ومثلما خصت الحرائر من النساء بمكانة خاصة خصت الإماء في القصور بمكانة خاصة؛ فكن أمهات وزوجات للملوك وأبنائهم حتى شاع القول: "من أراد قلة المؤونة وخفة النفقة وارتفاع الحشمة فعليه الإماء دون الحرائر". وقسمت الجواري والإماء درجات فكن بشكل عام سيدات في مكانة مرموقة حتى أن الخليفة المهدي انشد قائلا في جاريته حسنة:
أما يكفيك أنك تملكيني
وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك إن قطعت يدي ورجلي
لقلت من الهوى أحسنت زيدي
وما أكثر هذه القصص الواصفة للمرأة بكل صنوفها (حرائر، رق، وإماء)، ولكن ظلت النساء الجواري قيد الأوامر وتلبية شهوات الأسياد. أمران يجب ذكرهما :
1- إعجاب الشعراء والأدباء وتقديرهم للمرأة.
2- إبداع المرأة نفسها، إذ كانت تشارك في إخراج النصوص الفنية والأغاني وإثراء الحياة الاجتماعية والثقافية.
دعم هذه الطفرة تخلي العرب ـ ولو نسبيا ـ عن ظاهرة البداوة "الغزو الصحراوي" وولعهم بالمدينة وموقعهم الجغرافي والاختلاف الذي حدث بينهم وبين المجتمعات الأخرى .
Xxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxxx
إلى جانيت ....حبيبة توارت دون أوبة.. أهدي لها هذه السطور عن ثلاثة أساطير أحبتهم: عنترة، كافور الأخشيدي، وتهراقا الملك النوبي الذي حكم مصر لأكثر من ستين سنة وازدهر عهده وأمنت مصر إلى حدود الشام.
xxxxxxxxxxxxxxxxx


مكالمة


- برنس!
مترددة أتت نبرات صوتها الناعم عبر الأثير. لم أصدق مسمعي فقد حفرت في ثنايا ذاكرتي بصوتها بأحرف برنس، منقبة عن معبد حب غريق .
ما من أحد سواها يدللني بهذا الاسم. لأكثر من عشرين عاماً وأنا قيد هذا الحب الغريب لامرأة أكثر غرابة ودهشة من دهشة ابني الصغير حينما رأى البحر لأول مرة .
- برنس !
- جانيت.
- عدت من أمريكا من “نيو أورلينز” لأراك أنا الآن في القاعدة الأمريكية في مدينة “فولدا” الالمانية ولكن ... لكن ... ما هذه الأصوات؟ أمعك امرأة ؟
- لا هذا صوت الاسطوانة من بعيد
لم أعش حباً حقيقياً مثل هذا الحب. عادت دون أن تخطرني من قبل. من أين أتت برقم هاتفي؟ لم نعش معاً عدا شهرين فقط . إنها حب سرمديً ظل يدفع بي دون بوصلة في يم عظيم ... إلى أين! إلى أين بحق السماء ؟ لم تسألني عما إذا كنت تزوجت أو حظيت بطفل أو ماذا طرأ في حياتي بعد أن تفارقنا لا لخيارنا  منذ عشرين عاماً ونيف. كنت أدرك في قرارة نفسي بأن هذه الأنثى سرمد رغم أنها محض صدفة عابرة! امرأة سمراء لامعة الأهاب ساحرة العينين ضامرة الكشح وحلوة المبسم.
كانت تحب ان أحدثها عن ثلاثة أساطين  : تهراق، عنترة، وكافور الأخشيدي.
بشغف ظلت  تسألني عن عراقة تاريخ السود في السودان وإفريقيا فكنت أحدثها بإعجاب عن هؤلاء العظماء وتاريخ الفراعنة السود وأحياناً أضيف من عندي وأزور الحقائق من فرط إعجابي واعتزازي . كانت تتوسد ساعدي وتتألم لعدم معرفة السود في أمريكا بمثل هذه الأمجاد والشخصيات. حدثتني بدورها عن توني مورسن الأديبة الأمريكية وعن أبراهام لنكولن ومأساة الهنود الحمر والتنقيب عن الذهب في غرب أمريكا  .
- برنس: أتسمعني مالك لا ترد؟
- أسمعك يا جانيت.
- سأكون مساء اليوم في مطار برلين.
ثم أغلقت الخط. هكذا هي لم تتغير ولم يتبدل حبي لها.
دارت الأسطوانة من جديد ل “ري تشارلز” و”بيري وايت”. أعرف أنها مثلي تحب الأخير كثيراً. أشعلت أكثر من شمعة وعطرت الشقة ورتبتها وارتديت سترة السهرة الزرقاء الأنيقة وربطة العنق البيضاء. فعلت الكثير المثير في هذا المساء الوديع. انتظرتها طويلاً ... طويلا. تفحصت وجوه المسافرين وأنا أحمل باقة ورد. ابتسمت اكثر من سيدة في وجهي فخفق قلبي لظني بأنها جانيت وقد تغيرت بفعل السنين إلا أن سراعاً ما يخيب تهيؤي، إذ تنعطف لتطوق مستقبلاً آخر أو تركز بدعة نظراتها على باقة الورد. أُبت حزينا وهاتفت في ذات المساء  صديقاً أمريكياً لي، وسألته إن كان يعرف مكانها. أجاب ضاحكاً بأن جانيت «امرأة غريبة لم تتغير منذ عمله معها في الجيش الأمريكي.
- آسف لا أستطيع مؤازرتك، ولكن معي رقم هاتف شخص عمل معها في نيو أورلينز، ورامسفيلد، قاعدتنا  العسكرية بألمانيا، يمكنك مهاتفته.”
كنت قد قررت أن أعيش حياتي مع أسرتي بهدوء وفرح بقدر موسوعي في منأى عن عصف العاطفة والإرهاق النفسي، أن أغلق دفتر الحزن. إلا إن هذا لم يكن ممكناً كما يبدو! بعد ثلاثة أشهر على وجه التحديد من مكالمة جانيت عرفت بأنها «توفيت» في حادث مرور وهي تحاول اجتياز سيارة بدراجتها البخارية في طريقها إلى مطار فرانكفورت لتحلق من هناك الى برلين لرؤيتئ .
أدرت الأسطوانة الأخيرة لبيري وايت، التي كانت تحب الاستماع اليها... ونظرت إلى شمعة أوقدتها لها تتراقص في موجات النسيم المنساب عبر نافذتي المشرعة. قلت لها في آخر لقاء لنا بأنني أبغض الوداع . ضحكت وقالت لي وهي تردد أغنية بيري وايت :
(أفضل حب …
هو ذاك الحب الذي تفتقده
حينما ينصرم 
آه … لو كنت أدرك ذلك 
لو كنت ... لما رغبت فيه)
كل شيء حولي يذكرني بها. وحدي جوار مقعدها الشاغر أصغي لأغنيتها عينها، تنساب حزينة. كل آهة، حرف، نغمة وإيقاع يزحم فضاء غرفتي ويعيدني إليها
فأردد في سري كلمات سطرتها لها من فرط حنيني:
أعوذ بك
من أرق
يا منقذي وحيرتي
حين يغلبني الحنين
إلى رؤاك
فأزفه
حلما سرمديا
على عروشه نلتقي
أعوذ بك منك
حين يصبح المساء شرفة
للعاشقين
يثمر الحنين
في رنين نخبهم
وأنا هنا
مفرد
أبصر السنين بيننا 
أبحرت
في قارب من ورق.