-  مقدمة
لم يكن القصد من كتابة هذه المقالات منا قشة ما كتبته من قصص وقص في الكتاب السابق الموسوم"مساء متوتر على نهر هافل" وإنما إضافة بعض نقاط ومحاور ربما لم تظهرها النصوص إلى القارئ الكريم. بهذا أعني مقالات تضيف ولا تختزل  تأتي  مستقلة عن النصوص    ليست امتدادا لها على نحوما ولا هي منفصلة عنها تماما من  ناحية اخرى . كل كاتب يكتب في طقس معين ويترك لأفكاره وأحاسيسه حرية مطلقة ليمتحن ما جيش في  نفسه إلى أن يصل إلى صورة نهائية شكلها  نصوصه  كان وقد أنجزت مجموعتي القصصية هذه في أجواء متنوعة داخل ألمانيا وخارجها وما أن جمعتها إلا وراودني الشك بقص فيها وجنوحها إلى عالم مصغر قد لا يشرك شريحة واسعة من القراء كما كان المقصد الاساسي لصياغتها  .تحدثت إلى صديق اديب  ألماني وكذلك بعض الأدباء العرب عن انطباعي وهواجسي هذه فكان رد معظمهم لايتجاوز  ضرورة إضافة عمل جديد
او بالاحرى تجربة جديدة  تعكس انطباع الكاتب عن ما  سطره فيقرأ النص قراءة جديدة استنادا الى رؤية القارى والكاتب معا .
. يكتب ما نشرته تماسكا ونهاية مطاف بقدر الإمكان . 
بدأت
في كتابة هذه المقالات واصعا في ذهني إلا أشرح ما احتوته نصوص الكتاب فهذه مهمة النقاد كما ذكر لي أديب صديق عزيز . كان ولا بد لي وقد عزمت غلى إنجاز هذه الكتاب أن أتفادى الشرح و مهمة الناقد التفكيكية  والمعالجات الفنية للنصوص وأن أعالج في المقابل المواضيع العامة  التي ناقشتها القصص كالمرأة وأدب الطفل اللغة واللون .... مواضيع شغلت حيز نصوص القصص والقص .تمركزت 
الشرارة الأولى في نصوص القصص واقصمما ألزمني التعرض للنصوص القصصية ولكن باقتضاب فكما ذكرت لم يكن هدفي مطلقا القيام بمهمة الناقد . بتحليل هذه المجموعة  فأنا لست بالناقد وغير مقتدر على تحليل ما أكتبه بموضوعية عالية ككل كاتب , لتورط والتحام  أحاسيسه وأفكاره بنصوصه .



كنت قد ناقشت في أعمال الأديب الطيب صالح رسمه ومعيشته في السودان، يوم كان سودانا مثاليا. بهذا أعني تصويره للشخوص المتحابة وروح التسامح الذي يكسو فيحاء السودان. بنظرة واحدة سريعة في فصل (من وحي الصحراء) من رواية موسم الهجرة إلى الشمال أو الاحتفال بعرس الزين نرى جمالية السودان الصوفي الذي لا يعرف الأضغان، ويعالج بالوئام والحب والإخلاص كل الخصامات والتوترات الإنسانية. 
هنا تظل البيئة الطبيعية كلوحة فعالة تتجاوب مع هذا الطقس الأسطوري، أي تتجاوز لوحتها الجمالية "ما أبدعها من نخيل ونيل وسماء بالغة الزرقة....!" لتكون جزءًا وشريحة متماسكة تعكس بانوراما ومسرح هذه البيئة المثالية.
ما حملني على الكتابة عن هذا السودان المثالي – معيشتي نفسها – في رحاب التصوف والمجتمع المتسامح انقيادا لنداء الحب والسلام، وهو مجتمع يمتاز بأواصر اجتماعية قوية، لا يعنيه التدخل في حياة وحرية الأشخاص الخاصة، بل تسوده الروابط الاجتماعية الإنسانية، مجتمع يتقبل الجميع على اختلاف مشاربهم؛ فالدين لله، والإسلام الحق هو حسن المعاملة.. وأناقش، أيضا، أديبا ليس لأنه شاعر "أديب ودبلوماسي عرف طبائع المجتمعات السودانية وما وراء الحدود". وإنما لأنه (إنسان) بكل معاني الإنسانية والرقة والانجذاب إلى حد الثمالة إلى الجذور السودانية وتراب الوطن.
المعنيِّ هنا هو الشاعر الدبلوماسي (صلاح أحمد إبراهيم). وقد جاء اختياري له في هذا الموضع لاهتمامه الشديد بقضايا السودان لا سيما أزمة الهوية، وقضية الغربة والامتثال المرير لضراوتها، وحدّة التوتر بعيدا عن أرض الوطن. استوقفتني كثيرا قصيدته المهداة إلى (عبد الله الصومالي) والتي يعكس فيها مرارة العيش وتهميش الأجانب لا سيما السود منهم. صورة ـ في زعمه وتصوره ـ لا تجد حيزا البتة في السودان.
من الملاحظ أن صلاح أحمد إبراهيم كتب هذه القصيدة كما كتب الطيب صالح (عرس الزين وموسم الهجرة إلى الشمال)، تحت وطأة الحنين .صورة لسودان مثالي عاشاه لاسيما الاخير منهما  ذات يوم وصار بمثابة سودان بين السطور لا غير. نعم لم يزل السودان بخير، ولكن الحروب والانقسامات التي عاشها في الفترات الأخيرة لأجل النفط أو تقرير المصير وهضم حقوق الإنسان، مزقت صورته ولم يعد السودان المثالي  موجودا بتلك  المثالية والاحترام والاعتراف بالآخر المختلف لونا ودينا وهوية.
اصطلح في الدرس الأدبي المقارن على أن بيئة القصة هي حقيقتها (الزمانية والمكانية) أي تبادل الأدوار بين المكان والزمان والشخوص؛ سلوكياتهم ومواقفهم المتفاوتة تجاه الأحداث والوقائع السائدة في العمل الأدبي. كنت قد انتبهت إلى هذا المفهوم وأنا أتصارع مع مشروع رواية (محطة القطار المهجورة) فوجدتني (شخصي الضعيف) كسابقيَّ الأديبين المرموقين الطيب صالح، وصلاح أحمد إبراهيم، منقادا إلى رسم صورة (سودان مثالي) تتقارب فيه الشخوص دون شروط ولا ارتباطات مسبقة. كما كان لابد أن أوظف الطبيعة (الصحراء) كمسرح وباعتباري مشاركا خفيا في تطور الأحداث؛ وجدتني أغوص مجددا في مثالية السودان الجميل، الذي عشته في طفولتي وخيالي الصوفي؛ ذلك النداء السحري العجيب الذي يربط ولا يبتر ويقترب ولا ينأى بالأفراد، المشبع بالحب والإخاء.
كُتبَ الكثير عن الصحراء (مذكرات لورنس ـ مثلا) وعن علاقة البدوي بالصحراء والناقة والليل والمضارب، فكان البدوي يفضل ـ مثلا ـ ناقته على زوجته والقبيلة، ويحن إلى الليل والنجوم والصحراء كحنين الوليد لأمه. أكاد أقول وأنا أخلط بين هذه العناصر (التصوف، الصحراء، البيئة، ومثاليات التعامل بين السودانيين) إن إمكانية عودة السودان المثالي (محطة القطار المهجورة) ممكنة إذ خضع الجميع للحوار العقلاني وحاولوا تجاوز الهلع الاقتصادي/ النفط، بقدر الإمكان. 
ما أجمل هذا الراعي السوداني الذي كُرّم في السعودية لأمانته وخشيته من مراقبة الله له، رغم أن السعودي بذل وحاول إغراءه بأن يفلت إحدى غنمه التي أؤتمن عليها، إلا أن الراعي رفض لأنها مسئولية أمام ربه. بمثل هذه الصورة يكون السودان المثالي في الواقع وهذا السلوك ليس غريبا إذا تمعنا في تاريخ الوطن ومكوناته القائمة على إعلاء شأن الإخلاص والأمانة، وليس الوساطة والولاء لأصحاب السلطة.
xxxxxxxxx

محطة القطار المهجوره

هناك موتيف متكررا في حياتي أكثر من حبي لألبرتين، يشبه بالأحرى الفجر في رباعية «فنتوي» التي تبشر بحلول الفجر السرمدي، وأقصد موتيف التذكر الذي لا يعدو أن يكون المادة الخام لعمل الفنان... كوب الشاي، والأشجار التي يمكن رؤيتها أثناء التجول .    بروست (البحث عن الزمن الضائع)
لابد أنني من تلك الطيور التي لا تعيش إلا في
موطنها» الطيب صالح، رواية موسم الهجرة إلى الشمال

طفق قرص الشمس يتوارى رويداً رويداً طي الشفق، فارتعش الأثير إثر نسمة تهادت من الشمال، وإنتعشت المحطة المهجورة كأنها أفاقت بعد سبات سنين على وقع هديرعجلات القطار:
ياقطار الشمال
ياقطار الجنوب
ياقطاراً صدئت بلون المحطه
نمت، استرحت أمام  البيوت.
إلى شيئ ما في قبة السماء، رفع غراب المحطة رأسه الأقرع، وقد تكوّم في زاوية بسقف غرفة ناظر المحطة، العجوز. لقد ظلاّ ينتظران أوبة الحياة سدى... طال الأمد بهما منذ أن بارح القطار والمسافرون هذه المحطة بلا أوبة، وتبعهم طاقمها العجيب: الناظر، وبائع التذاكر والمراقب، ما عدا العجوز والغراب الذي هبط منذ سنين على السقف، فأدمن الوحشة  والصمت حتى كاد أن ينسى النعيق، كما فقد العجوز إحساسه بالزمن وإقتصر على مجيئ القطار.
بهدوء نهض العجوز من كرسيه قبالة منضدة خشبية، وإجتاز غرفته المتبعثر فيها، الزمن
الرمادي وأشياء مهملة على الأرض، وخزينة ملابس عتيقه، و سرير خشبي إلى جوار كرسي خصصه للضيوف، لم يعهد لأحدهم زيارة بإستثناء ( الحسين )، الذي عكف على إتيانه بمؤونته الشهرية، ومجاذبته الحديث، في همهمة، عن القطار، وأخبار الحياة بعيداً عن الوادي. بلا إنقطاع كانا يتحدثان ثم ما يلبثان إلى فيغيبان ثانيةً في ذكرياتهم عن القطار: 
ياقطار الشمال،
ياقطار الجنوب،
ياقطاراً صدئت بلون المحطة
نمت، إسترحت أمام البيوت.
إنساب النسيم هادئاً، عبر المحطة المقفره، فاائتلفت أسارير العجوز لتتأرجح لائحة المناورة الصدئة، وتمايل جاروف مسند عليها. لكم تسائل عن جدواه، فالرمال لا تفتأ تترادف يوماً إثر الآخر. لم يعر العجوز نعيق الغراب إنتباهاً، فقد كانت نظراته مشدودة إلى الشمال... حيث تهب نسمة الحياة، وإرهف أذنيه عسى أن يسمع هدير عجلات  القطار. في تلك اللحظة كانت الريح الخفيفة تدغدغ بانوراما الوادي بأشباح أشجار السيال المطوقة بمحطة القطار، ومضارب البدو التي تلوح في  الليل كمصابيح زيتية كابيه. لا يدري العجوز كم من الأعوام إنصرفت منذ أن كان يحث السير إليهم فيحدثونه عن أنباء الشمال، ويغدقونه (بالرطب)،ومواويلهم، ويعربون بين الفيتة والأخرى عن قلقهم من زحف المباني، والرمال، وتلاشي المراعي، وتمشيط السيارات لها، دونما إكتراث.... اللعنة لا أرى القطار، لقد تأخر كثيراً، لا شك أن اسماعيل وراء إحتجابه، بسبب سكره...  همس العجوز...... لو يدري كم من السنين إنصرمت على وفاة اسماعيل سائق القطار... 
ياقطار الشمال، 
ياقطار الجنوب،
ياقطاراً صدئت بلون المحطه،
نمت، استرحت أمام البيوت. 
كان العجوز، والحسين، والغراب، بمثابة الحياة نفسها، في هذا الوادي المقفر، أما البدوفقد إنكفأوا على ذواتهم، ولم يعد يزورهم لهرمه. كان كعادته يرتب مهملات، ما يتعثر فوق قدر مهمل أو يسيل الرمل على رأسه، من صدع  بالسقف « سيحل القطار، فأخنى على اسماعيل بعصاتي، لكم حذرته من الشرب....». لا شيئ يفتقده هذا ا لعجوز فكلما أجهز الفراغ عليه طفق يجلو الغبار عن المقاعد الشاغرة بصالة الإنتظار، ويرسم في مخيلته صف المسافرين، والعمال. وباعة عصير الليمون وسط ضجيج أبواق السيارات، وغرف التذاكر، وتذمر الباعة: فول بريال، بملاليم،.... مامن مشتر؟ كدسوا أموالكم ستكوون بها.... 
إلى المحطة أو «مومس المدينة» كما كان يصفها الحسين كان يتوافد كل ضروب المسافرين: العجزة والصبيان، والنساء والموظفين المبعوثين إلى تخوم الجنوب،  وعمال الشحن، والمزارعين المحملين بسلال ا لبصل، والعرسان الذين يحلمون بقمرة خاصة بهم، إثر أن يلفظ القطار أنفاسه الأخيره كمضاجع شارف الذروه، وتدحرج عجلاته مودعةً المحطة. لقد كان في حوزتهم دائماً مذياع، يتذرعون به في سماع الموسيقى والأنباء، إلا أنهم- والعهد على الحسين – كانوا يصطحبونه معهم، للتغطية على» آهات زوجاتهن لا سيما وأن الأمر رهين بفض البكارة....
يا قطار الشمال،
يا قطار الجنوب،
يا قطاراً صدئت، بلون المحطه،
نمت، استرحت أمام البيوت.
نحى العجوز السماور مِن النار، الموقدة بخشب السيال، وأخذ يحرك بملعقة خشبية، تثار الشاي والحبهان في طاسة بعد أن صب الماء الساخن فيها، بيد هرمة مرتعشة. « إذا جاوز حل الجبل، وقرية المسالمه، فلن يعتريه مطب آخر...» همس العجوز، فيما كان يحدق فيه الغراب الذي بدأ وكأنه يريد أن يشاركه شرب الشاي. لقد كانت تلك القرية المطلة عل الجبل، بقعة لحوادث حركة مريبه، لتبوئها حافة الجبل، الأمر الذي أودى بحياة كثير من سائقي الشاحنات، و السيارات المخمورين. أما القطار فقد كان يمر بعيداً عن الحافة الجبلية، عبر طريق يُسر له بين الشعاب الجبليه، بعمليات تفجيرية، ظن القانطون أنها صدى لإنقلاب عسكري جديد، أطاح على عجلبحكومة سابقة، كما عهدوا دائماً...
ظل هذا القطار يجتاز القرى ا لمتناثره، وبعض المدن الأثريه فيتوقف ليلفظ المسافرين الضائقين ذرعاً بالحياة في ا لقرى، إلى خضم جديد. كانوا من المزارعين، الذين هجروا حقولهم لشح المطر، وإنحسار النهر فأمسى مايزرعونه من عشب للحيوان وفاكهة لا  تدر عليهم بما يكفلهم، وحيواناتهم. لكم تشابهت هذه القرى في مآسيها، وأفراحها إثر إجتياز القطار للوادي. كان الخريجون يندفعون إليه، جنباً إلى جنب المزارعين، والعاطلين عن العمل، وأصحاب الحرف ليحققوا أحلامهم بإرتياد المدن، والهجرة أبعد ما يكون. كان حلول  القطار بمثابة منعطف جديد في حياتهم.... يحل محملاً برسائل من الخليج، وأوروبا وأمريكا، وجزر نائية أشبه ما تكون بالأساطير في تصورهم. يحل القطار ثم ينأى تاركاً خلفه  الريح وذراع الصحراء الممتد أبدا،مغطياً الأودية الأثريه، حتى يصعب على السواح تخيل أن هذه البقاع كانت قبل آلاف السنين، حاضرة عريقة لا تضاهيها حضارة أخرى. كان البعض يؤول إختفاء الحصون والأهرامات، والمعابد، بإنفجار  السد العالي.... طي قمرات القطار، ظلوا بتقاسمون طعامهم،ويتسامرون بذكرياتهم، وتطلعاتهم إلى رحم الغيب في المدن الكبرى... كان القطار يطوي قراهم في لحظات وجيزة، فيتذكرون عناء ايام بحالها يجهدون أنفسهم فيها لقطع تلك المسافة... ظل القطار يقذف بهم في أحضان المدن، فيأوبون، وقد تغيرت سحنتهم بالجد، والتنكر لما ألّفوه.....
فيتكوم كل منهم في مقعده، دونما حديث مع الآخر، منفرداً بأكله، ومحلقاً في الأفق الذي يستاقه القطار،كأن لا أحد يعنيه بالقاطرة سوى ذاته، ذاته فحسب. 
يا قطار الشمال،
يا قطار الجنوب،
يا قطاراً صدئت بلون المحطة،
نمت، استرحت أمام البيوت.
أخذ العجوز يجوب المحطة، بيده طاسة الشاي، مقلباً نظاته بين ا لغرف المقفره، والسورالدائري المشرف على السقوط، فيما عكفت الريح تسرح  الوادي الذي لاح طي الأفالقمري خضماً ساكناً تتوزعه أشجار السيال كأشرعة تشارف الغرق. أحس العجوز بالحياةتتدفق رعشات في جسده.... مامن  ثمة روح تقاسمه نشوته البالغة إلا غراب المحطةالمتقند حول نفسه، يكاد ينعق، إلا أنه يكتفي بترهل منقاره. لقد هرم العجوز وتخاذلت
ساقاه عن حمله، فلم يعد تهمه مضارب البدو النائية عن المحطه، والدانية في الليل بنارهاالخفيفه، ولا الأنغام المتسوله، التي كثيراً ما كان يعشق رؤيتها عند الغروب، مشرئبة بأعناقها إلى أشجار السيال الهزيلة.
«غيلان مسخت في هيئة أغنام»  هكذا كان يصفها ... لقد كان منذ صباه مأهولاً بالخرافة، يتحرى كل سانحة ليثبت ما يتهيأه، من غرائب ... حتى أن ناظر المحطة، أوشك أن يسرحه من وظيفته، حينما ادعى بأنه رأى مخلوقاً في هيئة قرد، برأس حصان، معتمراً قبعة بين أذنين طويلتين، جالساً إلى منضدة الناظر، يدون تحت ضوء متقطع، ملاحظاته عن محطة القطار. إثر أن رشف آخر قطرة من الشاي، أكمل كديديان، نوبته الليليه، ودلف إلى غرفته، وأوقد مصباحاً زيتياً، فانحسرت الظلال الكثيفة إلى منتصف ا لجدران، وتراءت ملامح الأشياء كنشار على الأرض المعتمه... كان العجوز محيطاً بكل حفائر هذه المحطة، يراها طي مخيلته، فيتقافز فوقها برشاقة، ودرية، لكأنه يراها في وضح النهار: العلب الفارغة، قطع الحصير، ندف القطن المتناثره، الخشب المتآكل، وركوته النحاسيه...
لكم كان يثمن من قدر هذه الأشياء المهملة، ويحتاط لها من مداهمة اللصوص... فيتلمسعكازته الغليظة إلى جانب مخدعه. بهدوء تمدد فوق سريره الخشبي، وقبل أن ينفث ضوء المصباح ويشعل ذاكرته لتؤانسه في الليل، نظر إلى كرسي الضيوف المقفر»، وتهيأ صوتهدير عجلات القطار» .... 
يا قطار الشمال،
يا قطار الجنوب،
يا قطاراً صدئت بلون المحطة،
نمت، استرحت أمام البيوت.
كان اليوم الذي افتتح فيه ناء محطة القطار، قائظاً إزدادت فيه ألسنة القانطين طولاً من العطش وإحمرت مآفيهم. لاأحد يدري ماذا دهى الحسين» في ذاك اليوم، فقد أجرى لسانه البذيْ من جديد، ساخراً من سحنة القانطين التي إزدادت سواداً بفعل لسعات الشمس... كان يصرخ بأعلى صوته» هذه أعمالكم ياأولاد الكلب، تنسحب على لونكم، بنتنها...» انحسر الظل تحت الأرجل تماماً، وداخت الكلاب والأغنام حتى تقاعست عن 
الحركه، فبدت ككتل هامدة... أما الحسين فقد ظل يتحرك في خفة، لا يستشعر لحرارةالشمس اثراً... ويصرخ بصوته كالعادة، في سب الناس، والتشكي من أقداره اللعينة، بعدما فقد أبناءه الثلاثة.، اثنان قتلا في حرب الجنوب، وثالثهم تهاوت مكتبة الجامع العتيقةفوقه، فقضى نحبه تحت دفات  الكتب الصفراء. كان الأفق لهيباً في ذاك اليوم... حتى الغرف ما عادت تقي بسقفها الطيني الرطب، من ألسنة ا لشمس... وبدت الأشجار المتناثرة  على الطرقات كظلال مطبوعة على الجدران... ما من نسمة تحركها.
لاذ الناس بالنهر... فكانوا يقذفون بأنفسهم فيه وقد تناثرت الأسماك الميتة على الشاطئ المتيبس، بفعل الجذر. 
عُرف ا لحسين بنحسه... حتى أن إبتهالاته إلى السماءكانت تأتي بمفعول مضاد... لذا تمنى القاطنون أن يبتهل هذه المره، إلى السماء فيدعو لوقف هطول المطر.... ! فربما تتجمع الغيوم، فيهطل.
تمادى الحسين في صياحه، وشتمه، حتى كان ا لناس يضعون أصابعهم في آذانهم لحدة صوته، و لعنه لهم « ياأولاد الكلب، لن يستجاب لكم.... بأيديكم تستمنون وتصافحون، وتدعون... أنتم ظهيرة الجنس في البصات المزدحمه... سواد بشرتكم من سواد أعمالكم هذه هي القيامه، في غير وقتها، لم تطق صبراً عليكم، فلتأخذكم دون رجعه... يامضاجعي الغلمان، وسارقي المخازن، والأسرار من ا لقلوب... قلوبكم هواء، وحديثكم خراء فلتأخذكم
المدينة التي تحلمون بها بلا أوبه... فلتأخذكم مشرعة أبوابها كمومس محترفه...اللعنة ياأولاد الكلب»....
من كل صوب تجمع القانطون ليشيدوا المحطة بلا مقابل، وأخذوا ينادون « بالنفير»  في طرقات الحي. كانت الآمال التي عقدوها لحلول القطار، تزلل من وطأة العمل. تجمعوا من كل صوب مشمرين عن سواعدهم ، لحمل الطوب وجرار الماء... حتى النساء تجمعن بأيديهن الدفوف، يلهبهن بإيقاع حماسي فأثرن همة المرض والمسنين فطفق صرح المحطة يعلو رويداً رويداً كجني منفلت من قارورة سحرية... أخيراً حل القطار فإصطفوا على جانبي القضبان، وأتى البعض بطعام، ظاناً بأن القطار من الآكلين... كان لهدير عجلاته وقع سحري في آذانهم، خلدوه في ألحانهم ورقصاتهم، لاسيما الفتيات فقد إبتكرن رقصة بإسمه، ووقعتها بأنفاسهن العطيره فيتمايسن، وتهتز نهودهن، ويتثنى الخصر كغصن ندى فيما يدرن وجههن الخلاسيه الرائعه يميناً، ويساراً، ثم ما يلبثن فيستقرن في إتجاه الشمال.... « الشمال الحياة». 
حل القطار بآمال القانطين، محملاً بهبات الحقول والمنسوجات والجازولين، فانتعشت البقعه لفترة وجيزه تقاعس فيها المزارعون، وأصحاب الحرف عن أعمالهم. كانت الأيدي تشير دائماً إلى إتجاه القطار، ودخانه السامق في الأفق كأحلى ما يكون من أمنية تحتضنها بركة السماء. ذاع صيت المحطة فعشقها المدرسون الموفودون إلى تلك البقعة لا سيما أساتذة التاريخ واللغة العربية... وظلوا يروجون لها بالمقالات الطوال، لا يهمه عناء الكتابة في عمق ا لليل، فسحر المحطة تحت أشعة القمر وتبوؤها فضاءاً سعيداً مطوقاً بلون الرمال التبري كان أثمن ما يتقاضوه من ثمن.
فجأة إحتجب القطار، فإعترى القانطين ما يشبه يقظة من سبات عميق، وألفوا أنفسهم في العراء، إلا فئة ما إستطاعت أن تنمو كنبت شيطاني ... إثر يأس طويل حل القطار... حلّ ثانيةً، ولكنه محملاً بالجنود فحسب، فأيقن موظفو المحطه بأفولها فسرحوا أنفسهم من وظائفهم وتغرقوا في الإصقاع دونما أوبةً إلا العجوز، الذي غلبه الأمل بعودة القطار... لم يكن يهمه عودة القطار في حدّ ذاته أو المحطه... بقدر يحدو به الحنين إلى الحياة التي كانت تدب هناك، بالمسافرين: الأسود والأبيض وأسيل الخد، والمفصود، والبدو، والجنوبيين... كان العجوز يرقب الحياة هناك، عن كثب لاسيما الوادي المتعاظم بأشجاره المتناثره، والبدو، « وطاقم « المحطة العجيب الذي إختفى كسحالي الوادي. مامن ثمة روح الآن سواه وسط المحطة المقفره، ينسرب بينهما نهر ذكريات عتيقه. ربما ألف العجوز حياته  هذه وأمست أوبة القطار محض حلم... إلا أنه لم يكن يحلم البته... يغمض عينه فيترائى كل شيئ كلوحة بيضاء، دونما حدود... شاحبه تبدو ملامحه، شاحبة وهو نائم تحت ضوء القمر المنسل عبر النافذة، لقد تعود أن يعقد ساعديه فوق صدره، أو يضع يمناه على جبينه... لا يهمه في هذا الجسد النحيل إلا جبينه المرهق بالذكريات، التي أمست، بمثابة زاد يقتات منه، ويتقوى به على راهنه. ذكريات مموهه ماعدا القطار، والمحطة 
وأشياء ما تنقشع أساريرها في عمق الليل...
شق تباشير الفجر صوت محرك سيارة ما، وصرير كابحها مثيرة الغبار. إنتبه العجوز من نومه، وصدرت منه آه عميقه، ظاناً قدوم القطار، أخيراً. كالمخبول طفق يتقافز، متجهاً بجاروفه نحو القضبان... ولكن سرعان ما سقط الجاروف من يده، حينما رأى (الحسين) غارساً كفه في خاصرته، ومتكئاً بالأخرى على مقعد سيارة: «تايوتا... تايوتا حديد ياباني» ...  ظل العجوز يبحلق فيه، وفي الفضاء الممتد خلفه كدهاليزمشرعة أبداً.... في تلك اللحظة، ركن العجوز إلى اليأس وتهالك جالساً على الأرض، عسى أن يسمع هدير عجلات القطار... أخذ الحسين ينزل مؤونة العجوز... ففاتحه العجوز قائلاً :. الحسين، أين حمارك الوفي ... باع الحسين حماره لهرمه وملأه الطريق العام برازاً، ولأشباع الحمر رفساً وكدماً، كما أنه لا يفتأ يثب فوق اتان، فيحبلها، ويبحث من ثم عن أخرى، حتى إزداد عدد حمير القرية...كما أن الحسين لم يعد يطيق ركوب ظهره الخشن « تايوتا، حديد ياباني» قال الحسين وهو يمرر كفه عليها برفق كأنها خدّ طفلة. كان العجوز يبحلق فيه، وفي سيارته، دون أن تنفرج شفتاه ببنت كلمه.حينما أخطره بشأن حماره، تنكر العجوز له في دخيلته... كيف يبيع صفو شبابه، لمجرد هرمه.
لم يعد العجوز يفقه مجريات الحياة... فلقد تغيرت... لحظات وتلاشى الحسين طي سيارته، مثيرةً الغبار خلفها... فأطبق الصمت من جديد على الفضاء الممتد، والمفاوز. لقد تغيرت الحياة، همس العجوز لذاته، وهو يتخيل أوبة الحسين ثانية لقد فقد إحساسه بالزمن، وإكتفى بالقليل، القليل، ثمة الكثير تلاشى، في حضن الماضي، إلا هذه الرمال الممتدة على مرمى البصر»... ظلت كمرأة يحدثها طيلة السنين، فتجاوبه بإبتسامة ماكرة .. تغيرت الحياة دأبها، حتى « الحسين « صديق عمره أمسى كسحالي الوادي، تنصو لوناً، وتلبس آخر، لتقاوم... إنه كغيره من القانطين، ليس بموسوعه صد الريح القادمة من  الشمال. توقف  الرجل عن قراءة المسوده، المشرعه بين يديه في المقهى ونظر بتمعن إلى جليسه قبالته، الذي ائتلفت أساريره لمعرفة المزيد من التفاصيل. كان دخان السجائر، والقهوة بينهما يتسامق في غنج، فيما تعالت ثرثرة فتيات مع النادل، في زاوية شبه معتمة. صرف الرجل نظره لبرهة، ونظر إلى واجهة المقهى الزجاجية التي كانت تجلوها ندف الثلج المتهامي برفق، فبدا من وراءها، الطريق العام، وأرومة الأشجار مؤتلفين بزينة العام الجديد، وبأقواس إضاءه نيلونيه، وفسفورية حادةٍ. واصل الرجل القراءة ببطئ : في ذلك اليوم، في تلك اللحظة حدث في المحطة المهجورة شيئ غريب، ليس بالحسبان، حدث خاطف إلا أنه ظل قابعا في ذاكرة القاطنين أمدا طويلا....
اشارات 
*  النفير: العمل الطوعي في اللهجه السودانية.
*   المقطع الشعري هو جزء من قصيدة للشاعر فوزي كريم
- قرأت بحضور الطيب صالح في النادي السوداني ببرلين
- كما قرأ جزءا منها بالألمانية في دار ثقافات العالم ببرلين

xxxxxxxxxxx
في قصة محطة القطار المهجورة :
(المكان)
المكان باعتقادي بوصفي قارئا ـ وليس كاتبا للقصة ـ هو البطل الحقيقي. مكان لا يتجاوز (محطة القطار المهجورة) توالت عليه الأحداث فكان رمزا للتطور الذي حدث بعد مجيء القطار وكذلك بعد اختفائه، حيث ظل العجوز حارس المحطة يرنو إلى المستقبل آملا أن يعود القطار وينفض الغبار عن ذكرياته أيام كانت المحطة (سودانا مثاليا للسود والبيض). 
شيدت المحطة بالعون الذاتي وقدم القطار وسط عناء أهل القرية، الذين كانوا يظنون أن القطار يأكل ويشرب كإنسان مثلهم.. تحولت المحطة (والسودان الرمز) إلى بقعة اقتصادية زراعية مستهلكة تعتمد على الواردات التي يأتي بها القطار وتقلصت العلاقات الإنسانية بين أفراد القرية، واهتمامهم بالآثار والإهرامات وسمرهم أمام الفضائيات معا إلى عمق الليل.. إلا أن انقطاع القطار فجأة حول القرية من جديد إلى محل مقفر؛ إذ لم يعد القطار موجودا وليس في القرية مشاريع ذاتية تقوي اقتصادها، إن كان القطار في الواقع فاجعة اقتصادية من ناحية فقد كان رابطة اجتماعية من ناحية أخرى، لتقارب السودانيين في المحطة التي صارت بمثابة (سودان مصغر). 
ـــــــــــ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////