في اعتقادنا أن " رواية موسم الهجرة إلى الشمال " جاءت ردا على فلسفة الجنس للورانس مثلما ردت كذلك على رواية "في قلب الظلام"لكونراد . عمل الطيب صالح بإذاعة "سي بي سي " وترأس فيها قسم الدراما وهو منصب يقتضي خبرة طويلة ومعرفة دقيقة وموسوعية بإخراج وتحويل النص الأدبي إلى  الشاشة الصغيرة او الاذاعة ( مسلسل إذاعي أو تلفزيوني  او "عرض مسرحي").وعليه تطورت وتوسعت  أي مقدرة الطيب صالح على توظيف الشخوص وإناطة العمل الدرامي إليها . لم يعان المخرج خالد الصديق في تصوير فلم عرس الزين مثلا لأن الطيب صالح كتب هذه الاسطورة _الرواية  كرواية  سينمائية تماما كموسم الهجرة إلى الشمال الموسومة بالطبقية وادوار وتركيبة شخوصها  المختارة بدربة الأداء دورها الدرامي  لخدمة فكرة الرواية الرئيسية ( نقد الاستعمار  / الفرد الحضاري وفشل العلاقات الجنسية / الإباحية والعودة من ثم إلى المنبع/ السودان عالم ارتباط الرجل بالمرأة وفقا للمودة والمسئولية . وظف الطيب صالح شخصيات موسم الهجرة لتعمل في محورين:
محور هوس الجنسي وللامبالاة / مصطفى سعيد بطل الرواية وود الريس , وبنت مجذوب وجين موريس .
ومحور ثاني مستند إلى المسؤولية والمودة والارتباط بالأرض / كالراوي وحسنة أرملة البطل ومحجوب "وجد الراوي". حدث التحرك الدرامي المأساوي داخل الشريحة الأولى فانتهت باغتيال ود الريس وجين لورانس وانتحار البطل .انعكست  دراما هذه الأحداث على قرية ود حامد مسرح الرواية الثاني / بعد لندن . انتصرت في النهاية علاقة الحب ورشد العقل على هوس الجنس واللامبالاة أي تفنيد ورفض فلسفة "لورانس" / تحرير الجسد وروايته عشيق الليدي تشاترلي التي حوكم عليها كماحوكم  مصطفى سعيد في   محكمة جنائية بلندن
تدور أحداث رواية عشيق الليدي تشاترلي" حول حياة وتطور عائلة كليفورا"الزوج الارستقراطي المقعد وزوجته كوني "الليدي تشاترلي" .ارتمت كوني في حضن ميلور الجندي المسرح فكانت تلتقيه في كوخ في الغابة . استجابت كوني لتداء جسدها وحبلت من ميلور وكان كليفورد الارستقراطي على علم  بلقائها بميلور ولم يعترض عليه  البته, بل طلب منها  بعد ان حبلت منه ’أن تسمي الطفل باسمه ليرثه غير أن كوني رفضت ذلك وسمت الطفل تشاترلي .....عمد لورانس إلى عكس مأساة وتصدع العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة ونقد الرأسمالية" لصبغها للعلاقات الانسانية (صبغة  الاستغلال  والاستثمار الجشعة )اي استلاب الانسان وتطويعه بالتالي لليكون مادة لا غير وتصبح علاقة الرجل بالمراة علاقة  كبت وحرمان  
فيكليفور الرأسمالي لم يكن بهمه إلا بامتلاك الأنثى امتلاكا  تماما كالثروة في غياب تام عن عالمها الخاص  هذا هو نقد لوارنس من ناحية ومن ناحية اخرى انتقد كبت وحرمان الجسد فأطلق العنان لكوني وميلور ليدعم ,في قي خائمة المطاف, فلسفته الداعية القائمة على ية"تحرير الجسد ونقد الغزو الحضاري / الرأسمالية. وكما جدرت الإشارة سابقا فقد كانت محاكمة لورانس متهورة لفتت أنظار العالم إلى التمعن أكثر في طبيعة العلاقة بين الرجل والأنثى وفهم الغريزة الفطرية /كامتدادطبيعي لخلق التوازن في حياة الافراد  .
امتثل مصطفى سعيد لمحكمة مماثلة للورانس فقد كان الاثنان مروجان لتحرير الجسد ونقد الغزو الحضاري / الرأسمالية والاستعمار . ومثلما حاول كليفورد في رواية  لورانس هذه امتلاك المرأة امتلاكا حاول مصطفى سعيد وكذلك ود الريس في رواية موسم الهجرة الى الشمال  فباءا بالفشل والمأساة في نهاية المطاف . تطل كوني / الليدي تشاترلي  وممثلة لفلسفة لورانس لاستجابتها لرغبة جسدها وعشقها لميلور الجندي البسيط وفي المقابل تطل حسنة وجين موريس في رواية موسم الهجرة إلى الشمال فالأولى هي رد القاطع على فلسفة لورانس فحسنة لا تمتلك إلا بالحب والمسئولية نقيضا لجين  مورس اللامبالية . كانت ايزابيل سيمور في (رواية موسم الهجرة) باحثة كذلك عن الحب الجسدي " ليصرفها عن ماساتها فلم يتردد مصطفى سعيد ليلبي رغبتها الجنسية  تماما كما فعل ميلور الجندي ذو الأفق كحدود مع كوني  الباحثة عن سعادة  التلذذ بالجسد وكل ما يسد خوائها ولو لحين .
كتب الكثير عن أديبنا الراحل الطيب صالح إلا أن الأغلب الأعم كان " حرثا في حقول محروثة " وهذا هو مأساة المكتبة العربية .". لا ندعي بأن محاولتنا هذه إضافة واثراء اإنما هي مجرد  مدخخل  للتوسع والتعمق أكثر في الدرس الأدبي المقارن ,فما من كاتب ينشأ في فراغ .

مراجع
قصة الفلسفة الحديثة
الانسان والحضارة والمتخيل النفسي
معالم الادب العالمي المعاصر
لورانس والجسد وتبادل المواقف


Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]