في أسطورة عرس الزين للطيب صالح

وقصة جريمه في قرية K  لحسونه المصباحي

 

                             Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]              

تتقاطع أعمال الأدباء/ الروائيين في موضوعات كثيره، وتتوازى أحياناً على امتداد السّرد في محك واحد، فتبدو العقده وسلسلة الأحداث كحيز متناص، يصعب فيه ادراك "التأثر" والتأثير وتوضيح صورة "المستقبل" والمرسل.. نود في هذه المداخله بين العملين الأدبيين الموسوم بهما عنوان هذا المقال، اكتشاف محطات التقارب، لنخلص إلى كيفية صياغة النص الأدبي المعتمد على نص أدبي آخر، أو مستقلا عنه على أسوأ الفروض. جدير بالذكر أن أسطورة عرس الزين الصادرة قبل أكثر من 35 عاماً قصة طويله بمقارنتها بقصة جريمة في قرية K ( Verbrechen im Dorf K) الصادرة بالألمانية من دار نشر DIV  الألمانيه، بعام 1991م، ضمن مجموعة قصصيه، بعنوان "قصص عربيه"، "Arabische Erzählungen " جمعها القاص والمترجم "سليمان توفيق". يقتضي طول القصه بالضروره، مناقشة تيمات عده، أو الإشاره إليها، كما سنوضح، إلا أن منهجيه، وفنية أسطورة/ عرس الزين الطويله، قد عُكست لنا بإقتضاب، من جديد في قصة حادثه في قرية K ، وذلك في اختيار الشخصيه العابثه البسيطه، وتيمة الجنس/ Tabu ، وفق نمطية السرد القصصي، الذي تتبادله الشخوص المتحلقه، تحت فيئ شجره. فالطقس الذي يدعو للسمر، هو صيف غائظ كما لو خلفته الصحراء على حين بغه بأرض القريه. لا يخفى على قراء النصين الأدبيين المعنيين، بأن الفكرة الأساسية فيهما هي نتاج، ومرآة المجتمع القروي "المصغر"، حيث لا ينفصل الفرد عن المجموعه ولا تقوم إلا به، فكل ما يفكر فيه، ويحققه، لا ينبتر بالضرورة عنها/ وشائج المجتمع، فتتذكر مقولة الناقد الأدبي جولدمان في التركيز على الدور المبدع والتكويني للذات،.... وأنه/ ليست ثمة قطيعة جذريه بين المعنى الذي يحاول الإنسان أن يجده أو يضفيه على الكون، وبين المعنى الذي يحاول ايجاده أو إضفاءه على وجوده هو....

 

 

 

محطات في أسطورة عرس الزين، وقصة جريمة في قرية K :-

تدور أسطورة عرس الزين في قرية ود حامد "المثاليه"، التي يعكس أحداثها الزين "الدرويش"، بقصصه الغراميه، المسلطة  الضوء على مجتمع ودحامد. بتحفظ كان القانطون يتقبلونها، فهي فاضحة لأسرار البيوت/ فتيات الحي، بنهياته، وتهويماته "الدوتكشونيه".

لم تتخلص "ودحامد" من درويشها إلا بزواجه بنعمه ابنة عمه، فتختتم الأسطوره، التي افتتحت بـ (Flashback)، ببوادر زواجه، وتتدرج "بالقطع الفني"، كأسلوب مميز، لتشويق القارئ. أما قصة حادثة في قرية  K القصيره، فهي أحاديث سمر صبيان قرية ما، عن النساء، تحت فيئ شجرة في نهار غائظ، تنتهي بإجهاز أحد الصبية بعصاة على رأس القصاص/ الشخصية الرئيسية، لعدم استجابته للصبية في مواصلة تهويماته المشوقه/ الإغرائيه/ Tabu مع فتاة اسمها حليمه.

 

البيئة والشخوص :

يمتد المكان في أسطورة عرس الزين كما في بقية أعمال الكاتب الطيب صالح، ليشمل النخل، والصحراء التي تطوق قرية ودحامد على ساعد النيل في طقس كهذا، تأسره الشمس القاسيه والرمال، يتمخض السمر/ شلة الزين ومحجوب، والأقاصيص التي يرونها، كمنقذ أوحد، من رتابة هذه القريه. فشلّلة محجوب تتحلق لتستمع إلى أقاصيص الزين "الأبله"، الذي يشحذ خياله بمغامرات مع فتيات الحي، في بيئة قاحله، يدثرها زمهرير الشمس، كبيئة "ودحامد" في موسم الهجرة إلى الشمال (مامن مأوى سوى الظل الساخن.... الشمس التي لا تطاق تذوب المخ)1. أما حسونه المصباحي فيصف بيئة أحداثه علي نحو مقارب لها :

  "شعروا بذوبان أمخاخهم في رؤوسهم.... والناس لا تجرأ على مبارحة الظل" 2. لا ملاذ في طقس كهذا إلا بتحلق الصبية تحت فيئ شجره ليهزمون وهج الشمس، بالقصص المثيره/ الجنس"، فيبرز من بينهم عمر ود الحفيانه كالزين الحافي، لكرهه لبس الأحذيه. يسرد       ود الحفيانه تهيآته لعناق نجمه إحدى فتيات الحي، هنا نتذكر كذلك "الزين"، القاص المتميز، والخبير بالقصص الغراميه، وتشويق شلته. إن الزين، والقصاص الثاني "عمرالحمامه" في قصة جريمة في قرية K لا يختلفان، في استراتيجية سردهما للقصص الغراميه، ومقدرتهما الفائقة في التعرف على مدى استجابة المتحلقين لسردهم القصصي، وذلك بالتمحيص في وجوههم، لذا يتسنحان الفرص، لمنحهم السجائر من قبل منحلقيهم، حينما يشعران بانسجامهم مع قصصهم.

 

هكذا نبصر الزين المسامر وسط شلته على رمال ودحامد. "وضج الحاضرون، وانفجر الزين في الضحك، واستلقى على بطنه وراح يضرب برجليه في الهواء" 3 وما إن تبصره شلته متأبياً عن سرد قصصه إلا فتسارع بمنحه السجائر لتستدرجه، فيقص... " اقعد خد لك نفس، وقال حمد ود الريس "قالوا الليله كنت في حوش العمده شن مشيت تكوس... وأشعل الزين السجائر من يد عبد الحفيظ...." 4 أما استراتيجية وتصرف عمر الحمامه، في قصة جريمة في قرية K، لا يختلف عن الزين.

"وحينما رأى الشغف في وجوههم، تعالى في ضحكه، واكتنفه احساس بالفرح. تمرق على الرمال، من شدة الضحك وأخذ يضرب بيديه، وقدميه على الأرض، قال عمر الحمامه اعطوني سيجاره، فأعطوه، وأشعلوها له ثم قالوا فالتكمّل أيها الطائر كذبتك 5.

 

أما نجمة الفتاة التي أسرت لب "ودالحفيانه" والصبيه بحمالها في قصة جريمة في قرية K ، فهي بعيدة المنال إلا لذاك الفارس السحري الذي يطل ليخطفها وينأى بها بعيداً، و فارس قادم من بلاد بعيده، على ظهر حصان مجنح..."6 . هذه هي الصورة عينها لتصور فتيات ودحامد في عرس الزين لفارس أحلامهم... كل فتاة تشب وفي ذهنها صورة معينة عن الفارس الذي يربط فرسه ذات مساء ساجي، ويخطفها من أهلها، ويهرب بها إلى عوالم سحريه..." 7. إن إختيار حسونه المصباحي لشخصيتي (نجمه)و(عزيزه) لا يمنع من مقارنتها بشخصية نسائيه واحده بعرس الزين ونعني بها (نعمه)، وذلك لأن مجمل صفات هاتين الفتاتين هو جزء من شخصية نعمه القويه/ المسترجله، في صغرها. فعزيزه كانت في صباها قوية الإراده مسترجله، مثلما يتذكرها الصبيه، تقتحم مجتمعهم كأحد منهم...، "وتذكروها وهي طفلة تصارع الصبيان... وترقص بلا حياء في حفلات الرجال..." 8 أما نعمه، فكانت في صباها تصارع الصبيه... أرغمت أباها أن يدخلها الكتاب لتتعلم القرآن، فكانت الصبية الوحيدة بين الصبيان..." 9.

 

 

 

 

 

حادثه:

حينما شق سيف الدين رأس الزين بفأس لأنه غازل أخته، تغيرت كل مجريات الأسطوره. لقد كانت هذه الحادثه، بمثابة مفتتح لحياة جديده بالقريه. إن ما يهمنا هنا، هو أن هذه الحادثه لم تعكس كحادثة ضمنيه في العمل الأدبي، وإنما كمنعطف خطير يصلح لبداية الأسطوره، وإعادتها بالقطع الفني على مدي فصول الأسطوره وختامها.

لم يأب الزين إلى داره، حينما وقعت هذه الحادثه، فأحست أم الزين برجفة في جنبها الأيسر، فلم تستبشر خيراً. فهي تعتقد أن جنبها الأيسر إذا رجف فأن شراً سيلم بها أو بأحد ذويها..." 10. نعم لقد تحقق هذا الحدث، فقد شق سيف الدين رأس الزين بفأس فلم يأب إلا معصوب الرأس.

بنفس الحادثه ، يختتم حسونه المصباحي قصته بأن يهوي إين الحفيانه، بعود غليظ على رأس "عمر الحمامه" لأنه امتنع عن مواصلة قصته المثيرة جنسياً عن عزيزه" شق الهواء، عود غليظ، وهوى على رأسه". في تلك اللحظة التي وقعت فيها الجريمه "استيقظت مسعوده أم عمر الحمامه مذعورة وقد ابتل رأسها بالعرق، في بيتها بقريK.." 11.

 

إنطلاقاً من تداخل أعمال الطيب صالح/ عرس الزين، وموسم الهجرة إلى الشمال، في عكسها للتطور الذي حدث في قرية (ودحامد) نجد أن الجنس كعنصر (تشويق، وإثاره) لم يفقد كثافته في قصص أهل القريه... فالجنس هنا كمرويات يوميه تقصها بنت المجذوب وود الريس يعكس سلطة الرجل، وتحديه الفطري للمرأة، والكشف عن الذات الرجوليه في حبها لتملّك المرأة، وسيكولوجية الجنس نفسه.

كما ذكرنا، فإن تيمة الجنس مثلاً، تمتد بنمط آخر في أعمال الكاتب المشتركه، لتشمل قصص الزين، الغرامية المتحفظه"، بمقارنتها بأحاديث بنت المجذوب، ود الريس. هنا يتقاطع من جديد بعض وصف ود الريس مع تهيات الصبيه لفتنة نجمه وعطرها وإغراءها، وتجرد عمر الحمامه أمام نجمه، وتطييب عزيزه بالعطور.

يقول حسونه المصباحي في هذا الموضع بأن مسعود زوجها الهزيل، لا يستطيع إشباع شهوتها تماماً كما وصفت بنت  المجذوب زوج ابنتها " ولكن لا يبدو على وجهه أنه يقدر على اشباعك في الفراش" 12.

 

خلاصه:

إن التأثر الأدبي لا يشترط علاقة مباشرة بين الأدباء كصداقة كاتبينا حسونه المصباحي، والطيب صالح الذي ضمنه   الأخير جزءاً من إحدى مقالاته في كتابه "للمدن حديث وتفرد". " لايشترط التأثر علاقة مباشرة بين الكتاب، فثمة وسائل لتقاطع النصوص، لاسيما حينما يقع الكاتب تحت سطوة الإعجاب بعمل معين" عندما نقول أن ثمة علاقة تأثير وتأثر... وإننا نتحدث هنا عن تأثير أدبي/ لأن طرفي العلاقة أعمال أدبيه بالمعنى الخاص لكلمة أدب... في كثير من الأحيان لا يكون "المرسل" والمستقبل في علاقة التأثير والتأثر على اتصال مباشر وإنما تتم العلاقة بينهما عن طريق  وسائط...".

 

إنطلاقاً من نظرية (موت الكاتب) التي لا تتوخى شروحات الكاتب لقصه، لنصه باعتبار النص هو المفصح عن ذاته، ومقيّم من قبل القراء، الذين في منأى من تهيات  الكاتب بلوغ مقصد معين في نصه المنتج، تطل القصتان (عرس الزين)، وجريمة في قرية K ، كنص مفتوح لتساؤلات وتعقيبات القارئ، الذي قد يباعد بينهما أيما بعد، أو يقاربهما، إعتماداً على البنية الخارجيه للنص، وطريقة تناوله، كما عرضنا.

 

إن القرية، والطقس  المطوق بها، والشخوص الهادئه، والسمر/هاجس الجنس، والشغف بالمرأة إلى حد التهور والسقوط في الجريمه/الإعتداء، هي المحطات الرئيسيه التي أشرنا إليها لتأكيد تأثر/ تقاطع قصة جريمة في قرية K

بأسطورة عرس الزين. ثمة سؤال أخير يطرح نفسه: هل كان من الممكن أن تخرج فنياً قصة جريمة في قرية K ، على نمط آخر، غير الذي قدمت به!

إن الإجابة على هذا السؤال تبدأ بتحديد (التيمه) وطريقة عرضها. أما الأولى/ التيمه فهي القريه ومجتمعها، وهما فضاء واسع يتيح دون شك تجسيد تيمات عده بالإشاره إليها، على أسوأ الفروض، هذا إلى جانب تيمة رئيسية- ليس الجنس بالضروره، كمحك للأحداث.

أما طريقة العرض فهي التي عادت بنا في ( جريمة في قرية K ) لتحديد تأثير كاتبها بالطيب صالح الذي تأثر هو كذلك بكتّاب آخرين كـ "جورج أمادو" وأميل بروس وبأعمال من  الشرق كالحي اللاتيني. إن الكاتب لا ينتج نصاً من فراغ، الأمر الذي لا يعني بالضروره تحوير كاتب لنص كاتب آخر بقدر ما يعني التراكم الذهني، والتناص، وتوالد الخواطر، فعالمنا اليوم أصبح شبكة إتصال مترابطه، تذيع المعلومه فيه كجريمة في قرية".

 

 

*** ثمة دراسة مقارنه لكاتب المقال في روايتي موسم الهجره إلى

الشمال للطيب صالح، و"البحث عن الزمن المفقود" لأميل بروس.

 

ملاحظة: الإقتباسات المستشهد بها من قصة  جريمة في قرية K

هي اقتباسات من النص الألماني للقصه، ترجمها كاتب المقال

نفسه لعدم حصوله على القصة بالعربية.

 

-        موسم الهجره إلى الشمال (1)

-        جريمة في قرية K 2/5/6/8/11

-        عرس الزين 3/4/7/9/10

-        في الأدب المقارن للدكتور شوقي ضيف 12

 الي عملاق الرواية العربية الاديب العالمي المتؤاضع الاستاذ الطيب صالح في كل انجازاته الرفيعة وتكريمه داخل السودان وخارجه