شغلت الساحة السياسية والشعبية في ألمانيا فضيحة تجسس جهاز المخابرات الأمريكية على شبكة الاتصالات الإلكترونية الالمانية ، والتقصي بالتالي عن التفاصيل الخاصة بالمواطنين الألمان .
فضيحة بالدرجة الأولى ليس لتجسس المخابرات الأمريكية ـ التي تتذرع دوما بالكشف عن شبكات الإرهابيين ـ وإنما لتوريط جهاز المخابرات الألماني نفسه في التجسس على المعلومات السرية الخاصة للمواطنين، ومد جهاز المخابرات الأمريكي بها، كذلك سهل له تقنيات البحث عالية الجودة !!
لم يقف الإعلام الألماني مكتوف الأيدي، اذ تقصت صحيفة "فرانكفورت رند شاو" عن  أبعاد هذه الفضيحة، كما تقصت كذلك   "واشنطن بوست". ما يهمنا هنا ليس هذه التفاصيل بحد ذاتها ولكن التغير الطارئ في ألمانيا وهي في طريقها نهاية هذا الشهر إلى الانتخابات البرلمانية ـ ستجد مواضيع  عدة كالمذكورة هنا ـ الدفاع وحماية الصحافة الورقية وتورط الأحزاب وبعض الساسة المرموقين  كـ "شتاين ماير / رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي  وغيره من الساسة  في مد  جهاز المخابرات الامريكي بالمعلومات الالمانية ، أي مساعدة على التجسس" . وتحتل مثل هذه الفضائح التي كشفها "سنودان" الجاسوس الامريكي  حيزا واسعا في حملة الانتخابات البرلمانية، هذا إلى جانب مقترح ضم الولايات الألمانية إلى بعضها البعض أي " تسع ولايات فقط بدلا من ست عشرة ولاية "
لقد مرت ألمانيا عبر حقبات تاريخية طويلة بنظام الاقطاعيات الصغيرة في شمالها، وإمبراطورية في ساكسن وبايرن وتوحدها  من ثم في عهد بسمارك، ومن ثم أخيرا شُكلت ألمانيا الجديدة بضم الألمانيتين عام 1989م .
إذا فقد مهد التاريخ نفسه لتشكيل كيان سياسي موحد كما هو حال الرابطة الأوروبية الموحدة التي دعت، وأسست لها ألمانيا مع فرنسا.

تسع ولايات بدلا من ست  عشرة ولاية ....
يرى رئيس وزراء ولاية "ساكسن أنهالت" ـ شرق ألمانيا ـ بأن ضم الولايات لبعضها البعض "قابل للتحقيق في الوقت الراهن لاسيما وأن كثير من الولايات الفقيرة كولاية "بريمن" و "زارلاند" مثلا تعاني من اختلال ميزانيتها المالية، وتشكل بالتالي عبأ على الولايات الثرية كولاية بادن فورتمبرغ و بايرن إن هي ضُمت إليها .
نعم إن الطريق طويل لتحقيق  إتحاد و ضم الولايات الألمانية معا، إلا أن تزايد اختلال ميزانيتها  المالية  يحتم تنفيذ هذا المقترح وتفعيله على أسس اقتصادية مدروسة.
قدم مقترح ضم الولايات بغرض التوفير وتحسين ميزانيات الولايات، لاسيما الفقيرة منها . يقول المحللون السياسيون بأن ضم الولايات ( بما فيها حل البرلمانات والمكاتب الرسمية) سيوفر مليارات يورو سنويا . فقط ولاية بادن فورتمبرغ نجحت في ضم وتوحيد الولايات الصغيرة  حولها في عام 1952 ،  فيما ظلت  بقية الولايات الغنية راغبة فقط ـ على أحسن الفروض ـ لتحقيق حلم ضم الولايات.
يرى أكثر من محلل سياسي بصحيفة "دي فلت" بأن مشروع "ضم الولايات" لم يعد قيد الجدل والحوار، فالواقع الألماني يقتضي التحرك الفعلي لتنفيذ هذا المشروع، فعام 2020 سيكون ميعاد إيقاف الديون والاستدانة استنادا إلى ما نص عليه الدستور الألماني . يرى خبراء الضرائب بأن الولايات التي لا تتمتع "بميزانية" مستقبلية متوازنة ستفقد استقلاليتها في المستقبل القريب.
ووفقا لصحيفة الغرفة التجارية الألمانية لن تستطيع خمس ولايات المانية مهمة الالتزام بإيقاف الديون والاستدانة بعد عام 2020. خمس ولايات مهمة  "هامبورغ" المترو بول الشمالي و"فرانكفورت" المدينة المالية  و"نوردراين فاستفالن" أكبر الولايات و"برلين" العاصمة وأخيرا "زارلاند" موطن "لافونتين"، فيلسوف الفكر اليساري الحديث ومؤسس حزب اليسار الألماني.
نعم هناك ولايات كثيرة تتمتع بميزانية جيدة، ووفرة مالية في ميزانيتها  الراهنة .. هذا ما اورده  مركز البحوث الاقتصادية.
تعتمد الميزانية اعتمادا كبيرا "شبة كلي" على الضرائب، وهذا ما لا يمكن الاعتماد عليه  كليا، وسط الاحتجاجات المضطردة  على فرض الضرائب ورفعها . لقد ظل  موضوع الضرائب وحده مهدد بالاحتجاجات من قبل المواطنين، مسددي الضرائب وتكرههم على تحويل أموالهم إلى دول أخرى أو الاستثمار خارج البلاد.
بتحويل أرباب الشركات لمنشئاتهم  إلى الدول، حيث انخفاض معدل الضرائب وأجور العمال. مثلا بجنوب إفريقيا حيث شركة مرسيدس او في بنغلاديش وجنوب وشرق آسيا حيث توجد شركات ملابس ألمانية كبرى .

هل ستتحقق حلم ( جمهورية) الولايات بألمانيا ؟
يرى المركز الاقتصادي الألماني بأن معظم الولايات الألمانية تعاني من عدم المقدرة على موازنة منصرفاتها لاسيما الولايات الفقيرة كبرلين التي تعتمد أصلا على الديون و الاستدانة، هذا كما أن هناك أخطاء إدارية جسيمة في استخدام الدعم المقدم لأغراض معينة كدعم تأسيس منازل اجتماعية في برلين مثلا والذي استخدمته الحكومة البرلينية في صيانة منازل أخرى وترميم الطرق.
أورد المركز الاقتصادي كذلك أن ثمة خمس ولايات ألمانية ستعجز في المستقبل القريب عن الالتزام بإيقاف الاستدانة، وهذا خرق لما نص عليه القانون الالماني. هذا كما ان قانون  "معادلة ميزانية الولايات Länderausgleich سينتهي مع نهاية عام 2019.
إلى جانب هذا  تعرضت صحيفة دي فيلت إلى الأنظمة الجديدة لضبط ضرائب وميزانية الولايات فخصت بالذكر ولاية "بادن فورتمبرغ " الثرية التي  أكد رئيس وزرائها على ضرورة دمج الولايات، علما بأنه المتوقع أن يترأس هو مؤتمر حُكام الولايات الألمانية في أكتوبر القادم .
يدعو الاقتراح المقدم من قبل المركز الاقتصادي الألماني وكذلك إتحاد دافعي الضرائب إلى ضم الولايات وفق تصور اقتصادي معقول "استنادا إلى ولاية شمال ألمانيا" المكونة من ولاية "هامبورغ" "مكلن بورغ فور بومرن" و"شليزفج هولشتاين". يرى التصور أيضا بان  تُضم ولاية "برلين" مع "براندبورغ" و"ساكسن أنهالت"، وولاية "زارلاند" مع "راينلاند فالس"،  وولاية "بريمن" مع "نيدرساكسن" وأن تُضم ولاية "تورينغن" مع "ساكسن" ايضا ضم الولايات الاخرى المتداخلة حدوديا .أي تجاوز الفيدرالية الى توحد الولايات ( تسع ولايات ألمانية) .
لقد نجحت ولاية "بادن فورتمبرغ" عام  1952 من ضم الولايات الصغيرة حولها وتأسيس برلمان واحد. أما الآن فترفض ولايات الجنوب الثرية "بايرن  مثلا" الانضمام مع الولايات الفقيرة .
لقد فشل ضم ولاية برلين مع ولاية براندبورغ  الفقيرتين عام 1996 وذلك بعد أن أُجري استفتاء شعبي اتضح فيه تخوف مواطني ولاية براندبورغ من التضرر وسط مواطني برلين .

نصف مليار يورو يمكن توفيرها سنويا إن ضمت الولايات الالمانية معاً، اي ان استغنت عن عشرة بالمائة من طاقمها السياسي. هذا كما يمكن التوفير أكثر في حالة ضم مكاتب الولايات الرسمية، مثل الشرطة والإنقاذ والمدارس وغيرها.
صرح مجلس مختص بولاية " شليزفج هولشتاين " بأن 5% يمكن توفيرها في حالة ضم هذه الولاية مع ولاية هامبورغ . إلى جانب هذا أكد معهد ميونيخ للمعلومات بأن ولاية شمال ألمانيا" المكونة من ولاية "هامبورغ" "مكلنبورغ فور بومرن" و"شليزفج هولشتاين" ستكون قادرة على المنافسة الاقتصادية . أما مشروع ضم ولايتي برلين وبراندنبوغ الفقيرتين فقد أعيد التحدث عنه "بجدية " عام 2012 ووجد ترحيبا من الولايات الأخرى، انطلاقا من تشابه هاتين الولايتين في وضعهما المالي والتحامهما جغرافيا.
ختاما يرى رئيس وزراء ولاية "مكلن بورغ فور بومرن" من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأن دمج الولايات قضية "غير واقعية" وواصل حديثه لصحيفة "دي فلت" فذكر بأن موضوع ولاية شمال ألمانيا يثار دوما في العطل الصيفية لا غير ( ما نحتاجه هو التعاون وليس ضم الولايات)، يقول: إننا رؤساء وزراء ولايات شمال ألمانيا في تعاون مستمر و نلتقي سوية في العاصمة برلين لمناقشة مشاريعنا المشتركة المختصة بنا كالموانئ البحرية والطاقة البديلة وغير ذلك.
أما رئيس وزراء ولاية "ساكسن انهالت" من الحزب المسيحي الديمقراطي فقد رحب بدمج الولايات، ولكن ليس في الوقت الراهن ويرى من الضرورة بمكان التحدث أكثر ـ على مستوى رؤساء وزراء الولايات .
على صعيد آخر يحذر المختصون بشؤون مشروع دمج الولايات الألمانية من التسرع، فولايات الشمال رغم توحد شبكتها - تعاني من عجز مالي فيما يخص مساواة توزيع الميزانية في ما بينها .
تظل ميزانية الضرائب والادخار ـ إلى جانب مشروع ضم الولايات ـ أهم موارد الانتعاش الاقتصادي في ألمانيا، لكن المركز الاقتصادي الالماني " فيرى ضرورة رفع معدل الضرائب لاستقرار معدل نمو البلاد، غير ان هذا  التوجه لا يجد ترحيبا من أحزاب عدة كالحزب الليبرالي ومسددي الضرائب أنفسهم.
نشر هذا المقال في مجلة الدليل ببرلين

Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]