في ذكري الشاعر السوداني الراحل التجاني يوسف بشير

الحيرة الصوفيه

 Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

* تكاد تمثل أشعار التجاني قاطبة نصاً مغلقاً تتجه أفكاره ومشاعره إلى مستويات إبداعية  ( ذهنيةو روحية) عدة يصعب تمييز التناص فيها عن اللحظة (المغلقة) حيث لا وجود لفضاء خارجي سوى فطرة تؤلمها أولى انبثاقات الضياء.

المكان يفضي إلى الزمان والزمان ضياع يستنجد بدوره بجدوى الوجود بالشك فيه :

  

                                                                     بين اثنتين اشك ام ابكي 

               قبس اليقين وجذوة الشـــــــك

     في النفس حاجات وإن خفـــيت

               فلعلها ضـــرب من النــــوك

     والعقل ينصب من حبـــــائله

               نصــباً معاقــــدها من الشـوك

 

     مافتئ التجاني يشرع نافذته لأشجار الليل ليلج حفيفها وليشهد حيرة تنقذ هداية قلبه بهذه الحيرة المريبة بانعزال فكري نوعي اختتم التجاني حياته، شعره ورؤاه وحيداً هزيلاً يتناهبه المرض إلى أن أطبق الموت على عقده الثالث كشاعر الخضراء أبي القاسم الشابي الذي كثيراً ما قورن به رغم اختلاف منهج التجاني الشعري عنه بنزعته العقلية الواقعية وبتفاديه الرومانسية المفرطة والكآبة ونحوه لاكتشاف الحياة كأديب متفلسف أو كفيلسوف يافع اختمر عقله قبل تجربته فنادى كمصلح ببوق أشعار رمزية:

 

                        في الليل عمق وفي الدجي نفــــق

               لو صب فيه الزمـــــان لابتلعـــه

     لو مــزق الرعــد مسمــع أحد

               في عمــق زال الدجى لما سمعــــه

     مرت عليـــه الحيــاة تعــذره

               في زورق أعرف الـــذي صنعـــه

 

     بتتبع سيرة حياة الشاعر تلتف الخاتمة خيوطها بميلاده ونشأته وبالعوز الذي اعتراه وقتامة حياة بؤس لم يغيرها رفضه ولا طموحه أو من التف حوله فأقعده بالإطراء المبالغ أو بالتنكر له حسداً في دواخله أو علناً مثلما حدث عند فصله من المعهد العلمي بإلباسه تهمة الكفر لتشبيهه أشعار شوقي بالقرآن أو كما روي لإجرائه مقارنة زكى فيها أشعار شوقي على  حافظ ابراهيم مشبهاً التفاوت بسمو القرآن على غير من سائر الكتب:

 

     قــالوا أحرقــــوه بل اصلبــــوه بــل

               انســـفوا للريح ناجس عظــــمه وإهـــابه

     ولو أن فـــوق الموت من مــتلمـــــس

               للــــمرء مــد إلي من   أســـــــبابــه

 

     كمثل هذا الألم العميق كانت حياته/ تجربته الروحية ومنفاه الثقافي وبونه. إن من الصعوبة بمكان إدراج التجاني تحت مدرسة شعرية بعينها لتزاوحه الجم بين التصوف والوجدان والشعر الحديث والتقليدي، وذلك لكونه بندول ذبذبات شفيف ما فتئ يحركه الشك والقلق حيثما انفتح فضاء ثالث. غير أن بعض النقاد كهنري رياض ضم شاعرنا  دون اعتبار لهذا العامل إلى مدرسة الوجدان، إلى جانب التني والمحجوب وأقصاه بالتالي عن مدرسة التصوف بريادة أحمد هاشم والمجذوب والأزهري، وعن جيل الشعراء التقليديين كالبنا ومحمد سعيد العباسي وعثمان بدري، وأقصي بالتالي عن مدرسة الشعر الحر( الواقعية/الإشتراكية، والرمزية). لايكون تصنيف شاعر ما تحت مدرسة شعرية مبنياً على الكم وكيفية القصائد وفحواها فحسب، بل يمكن إدراج المؤثرات الخارجية والبيئة التي عاشها كمؤشرين إلى توجهه الفني، فالتجاني تقليدي ببنيته للقصيدة، ومحدث بتناوله للموضوعه، وصوفي البيئة والسلالة، وبحبه الدفين وبتأمله إلى حد اليقين، وفوق هذا وذاك هو شاعر الإحساس/ الإنفعال لا تخلو قصيدة من مجموعته الشعرية (إشراقة) من ذري الشعر/ الشعور ابتداء بوميض المفتتح (إشراقة) ومروراً بثورة الشك إلى حين وداع (فاحتفظها ذكرى)....

 

     قطرات من الندى رقـــراقــة

               يصفق البـــشر دونهــا والطلاقة

     فهي دفــق من عالــم كله قلب

               خفــوق ولوعـــة دقاقـــــة

     عالم الحــــسن والجمال ودنيا

               الحب والقلــــب وجده واشتياقـه

     يتحدون من مفاجــــع أيــاي

               ومهـــوي مدامــع الرقراقـــة

     ويرجعــن من مفاتن دنيـــاي

               صـــدى يزحم الهــوى أبواقــه

     من دمي يستدرهــا حر أنفاسي

               لهيبـــا أسميتها إشـــــراقـه

 

     لقد كان التجاني، كشأن كل شاعر حريصاًعلى تراثه حراً من قيود الماضي في آن معاً ومجدداً للفكرة، ومجلياً أدران التكرار عن المفردات، فلا غرابة أن يشرف بريادة تحديث الشعر السوداني لمحاولته إحياء التراث اعتماداً على البيئة السودانية الرافلة في التصوف، ووشائج مجتمع يتمثله الفرد والمجموعة دونما انفصال. إذاً فاعتدال التجاني بدعوته إلى التحديث لم يكن وليد الصدفه، وما رددها جهاراً عن عبث منه. يقول عز الدين الأمين: ( ثم إنا نجده يدعو قبل ذلك للتجديد في الشعر ويعيب الشعر التقليدي لأنه شعر لا يجاري الحياة ولا يتجدد بتجددها) لقد أسس التجاني للحداثة في حقبة شيوخ المعاهد رموز الثقافة وورثة بهاء الأزهر الشريف، ولكم كان جريئاً مدركاً بعد دعوته هذه وما يترتب عليها من تسفيه وتشبيهها بالهرطقة مثل رميه من قبل بالعتوه في المعهد العلمي.

 

نشر التجاني عدداً من قصائده في دوريات عدة من ضمنها مرآة السودان للأستاذ سليمان كشه ومجلة الرسالة القاهرية. يقول هنري رياض (حدثني الأستاذ مبارك أبراهيم صديق الشاعر أنه هو الذي حمل ديوان إشراقه مخطوطاً إلى القاهرة بقصد طبعه، واستطاع أن ينشر بعض قصائده في مجلة الرسالة، وأنه سلم الشاعر ابراهيم ناجي الكراسة المخطوطة للإطلاع عليها، ولكنه احتفظ بها لفترة طويلة إذ أعجب بأشعارها، ثم أنه كان يقرضها لأصدقائه الشعراء، فلا يرددونها إلا بعد لأي) لقد عزم التجاني السفر إلى مصر بدافع الثقافة والهروب من الرتابة، ولحنين ألم به من خلال التقائه مصر ثقافياً، عبر التاريخ. إلا أن فقره المدقع وملاحقة والده له تتركاه يبرح محطة القطار فآب كسير البال يجر آماله الذابلة:

 

     عادني اليوم من حديثك يامـــصر

               رؤى وطوفــت بي ذكـــــرى

     كلما أنكروا ثقـــــافة مــصر

               كنت من صنعــها يراعا وفـــكرا

 

    لقد كان الوداع مرا والأمل خلب، غير أن التجاني مافتئ يطرق أبواب البؤس باباً بابا ويلج من فقر إلى منفى وحرمان إلى أن أوهم نفسه بالتطبع كي يقاوم وليصنع من أداته قرطاساً ذهبياً وعقلاً لا يساوم:

 

     ياأديبـــا مضيـــعاً من بني الدنيـا

               بحسب الأديـــب محض انتجاعــــه

     أنت يا رائد القريــــض وما أنــت

               بسقـــط الورى ولا من رعــــاعـه

     انت ياقيـــثارة الجديــد بك اسـت

               ظــهر من في الوجـــود سر متاعـه

     أدب ملؤه الحيـــــــاة وشــعر

               مفعم بالســــمو في أوضـــــاعه

     ضاع ويح الذي يغــــار على الـ

               شــــعر وويح الأديب يوم ضـــياه

 

ثمة تحدي نشب بين الشاعر والفقر أثمر ثقافة  ---  إثر فصله من المعهد العلمي وتناهب العمل وقته وإن كانت وظيفته كمحرر/ مصحح، لصيقة بمنهاجه إلا أنه كان كغيره ---   بوقاً لأهداف الصحف تلك. يغلب على الظن أن مرض الشاعر ---        ، (السل الرئوي) هو الذي أودي بحياته، إذ لم يهدأ جسده ولا فكره، ولم تشبع حاجته، فاسترسل في الحرمان والسهرمكباً على مصباح زيتي، يكتب ويقرأ ما يتراءى كابياً، فيما تسترق أنفاسه المحترقة دخان الفتيلة الذاوية

 

     أرأيت الصديق يأكـــله الداء

               ويشوي عظامـــه المحــراق

     مارد هذه السقـــــام ولكن

               صــــبره الجم للضنى فـاق

     جف من عودة النــدى فتعرى

               وتنفت من حولــــه الأوراق

     وذوى قلبــه النضير وقد كان

               له في زمـــــانه تخفــاق

     رحم الله عهــــده فأن عاد

               فعنـــدي لدهرنا ميثــــاق

     وأنا اليــوم لا حراك كان قد

               شد في مكمن القـــوى أوثـاق

     بت أستنشق الهـواء اقتسـارا

               نفس ضيق وصـــدر طــاق

     وحتايا معروقــــة وعيون

               غائــرات ورجفـة ومحــاق

     فالقريــض الذي تقدر لا أعلم

               إن كان في جـــزي يستـاق

     فاحتفظها ذكرى فأن مت فاقـراً

               بينها الحب ما عليــــه مذاق

    أوحيــنا فسوف نقرأ فيهـــا

               فترة لا أعــــادها الخـلاق

 

إلى أن أخلد التجاني لم تر (إشراقة) النور لكأنه انتقى تسميتها من بين ضباب شكه في عمره القصير ولهاثه سدى طي متاهة الفقر وسوء الطالع. لم تشرق (إشراقته) في حياته غير أنه انتصر مسدداً عتابه لكل أصحاب الفكر

 

     أدب ملؤه الحيــــاة وشعر

               مفعم بالســـمو في أوضاعه

     ضاع ويح الذي يغار على الشعر

               وويح الأديـــب يوم ضياعه

 

     تناول عدد من النقاد أعمال التجاني وحياته ولكم التقوا في الغموض وصدق احساسه، ولكن سرعان ما تتفاوتوا في تقييم حبكة القصائد وعاطفتها والإنتقالات المفاجئة بسبب بتر الوشائج. ما يهمنا في هذا المقام هو ماذكره الدكتور عابدين في كتابه التجاني شارع الجمال (فلقد رأينا التجاني في معظم شعره يسلك سبيل الشعراء المجددين فيراعي في قصيدته التناسق:

     - في الموضوع: فيبني قصيدته على أساس معين بناء متماسك الأجزاء فلا تهافت بين المعنى والمعني.

     - في الشعور: فلا تري تفاوتاً بين شعور وشعور أو تهافتاً بين إحساس وإحساس.

     - وفي الموسيقى: يتوخي الشاعر التناسق بين الموسيقى الخارجية والداخلية وبين المشاعر التي يعبر عنها.

     أما أسلوبه فيكثر فيه تجسيم المعني إلى حد الإسراف أحياناً والتعقيد أحياناً وإن يميل إلى الربط في الصور والمدركات الحسية).

رغم الملاحظات الدقيقة أعلاه إلا أن ثمة ثغرات تخل بالهيكل العام لبنية بعض القصائد. تمثل بالفعل معظم قصائد التجاني أساساً معينا ً بالأخص رائعته (توتي في الصباح) و(النيل) و( احتفظها ذكرى) و(إشراقة) وغيرها غير أن تلاقح أفكار الشاعر ومحاولة نزوحه إلى العقلية (فرض الذهنية على القصيدة) صاغتا من الموضوعة الواحدة جبة مرقعة تفتقر إلى الإنسجام. وكما ذكرنا بأن الإنتقالات الفجائية والغموض لم يأتيا اعتباطاً إنما أملتهما رغبة الشاعر الملحة في تحقيق ذبذبات متضادة في اللاوعي اكتسحته بالإحتجاب والإنفجار وبصدق الشعور. إذن فالأساس المعين مختل لامحال بسبب الذهنية المحضة فيما تضطرب ذبذبة الشعور بسبب (اللانضباط)، بمعنى آخر إن سرد الشاعر لعالم وهمي وعكسه (كمعاش) يفرضه ويقربه بشمولية الوصف (تعدد الأساس وانفراط الأجزاء) ومن ثم تأكيده له بتأثره وإحساسه نحوه جعل  قراءة النص أقرب إلى الإنفتاح منه إلى الوحدة العضوية. إن إطلاع التجاني على كتب المتصوفة كالرسالة  القشيرية والحكم لابن عطاء الله والملل والنحل ونزوحه نحو التأمل والتصوف ووصف الطبيعة وخلجاته جعلت من التفاوت/ الإضطراب في شعوره. ووضع أسس عدة للقصيدة الواحدة أمر بديهي لا سيما في قصائده الأولى آخذين الإعتبار حدث سنه. لقد صور الشاعر أن يعبر عن وجدان المجتمع (شاعر القبيلة) غير أنه كثيراً ماكان يعكس مجتمع (أناة) ربما بسبب  سموه وبونه الثقافي عن العامة/البسطاء الذين مثلوا آنذاك شريحة الشعب العظمى وبسبب انطلاقة من الذاتية (اللانرجسية) كقاعدة لشعره الإجتماعي، غير أن الشاعر كثراً ماكان يحلق فوق عرشه الشعري ويغوص في الثقافة كبديل، مما ولد حالات رفض تتضح في تعدد الأسس سيعيد المعنى في القصيدة الواحدة. نعم لقد كان التجاني لا منتمياً ومثقفاً منفياً لذا بادر المتحلقين حوله بالتحفظ والإكتفاء بمشاهتهم عن كثب. مهد هذان العاملان: الذاتية الناشبة عن الحاجز الإجتماعي وتهميش الشاعر  لرغبة إيجاد حلقة تواؤم وفضاء يأهله الشاعر/المجموعة والآخر.

 

     أنا والنجم ساهران نعد الصـــبـ

               ح خيطاً من الشـــعاع لخــيط

     كم صباح نسجــــته أنا والنجـم

               وأرسلت شمسه من محـــــطي

     قلت ســــــيري أسرة قـومي

               واســتحسري على مضاجع رهطي

     أنا جــــراءهم سهرت ليستغثـو

               ومن أجـــلهم أصــيب وأخطئ

 

     أما ما يخص تفاوت الشعور في القصيدة الواحدة فإن نصوص التجاني تتفق وتنسجم في موجة انفعالاتها ولكن سرعان ما تنداح بعمق أكثر من قبل أن تنبسط بمستوى أقل إذ قلما نقرأ قصيدة لشاعرنا بمستوى واحد. قد يكون هذا شأن معظم القصائد غير أن الحالة هنا تحدث عن انفتاح روحي تتهده اللحظة الذهنية بالإنضباط، بين الفينة والأخرى.

بمقارنة القصائد ببعضها يتضح توهج الشاعر وصدق إحساسه/التجربة الروحية في موضوعتي التصوف والطفولة، فالأولى هي الخلاص والشك معاً والرحلة اللاانتهاء ونوع من  الملاذ أو التكيف على الاكتئاب الاجتماعي، فيما تطل الطفولة بالحرمان والذكرى والبراءة التي ليست سوى اللحظة الشعرية والخروج بالفطرة/الرؤيا على الحرف/القيد:

 

     قل لهذا الـــصبي : ماذا يكفــيـ

               ك إذا لم تـــكن ألاعـــــيب جن؟

     هذه يا أبــي تصــــاوير ما تـ

               برح دنيــــاي أو تزايــل كــوني

     يصنع الغـــاب مزهري ويشيد الر

               مل عرشــي ويبعـــث اللهو أمـني

     تلك عرسي وإنهــا صنع نفــسي

               بيـــدي صغتها .. وذيــالك ابـني!

 

لقد تمثل التجاني الحياة بكل ضروبها ثقافة، ألماً و(انتحاراً في الخيال) لملاحقته الاحتراف وحياة أفضل تليق به كأديب:

 

     أدب ملؤه الحيـــــاة وشعــر

               مفعم بالســــمو في أوضــــاعه

 

نعم هو الحرمان بعينه وما من سواه مضرم لجذوة القلق فيه ودافع السقوط تارة في عبث الوجود، ومن ثم شكه الديني وانتصاره لفلسفة الحياة اعتماداً على الطهروالزهد/الهروب:

 

     مابي ثراؤك من زخـــر ولا مال

               فاستبق دنيــــاك حسبي كنز آمـالي

     ما بي شقيت وما بي إن نعمـت وما

               بالقلب زهو الغنى أو رقــــة المـال

     دنياي وهي من  الدنيـا على نفسي

               ---- من التبر أو أســمى من المـال

     فليتركوا لي أحلامي وما نسجت حو

               لي من الضنــك إن لم يرضهم حــالي

     وعشت أنعم في عدمي ويسعـدني

               أني تخفف من أصــــري وأثقــالي

 

     يقترب التجاني في رؤيته للشعر كبلسم وحل لأزمة حياته من شاعر الخضراء أبي القاسم الشابي كما يذكرنا كلا الشاعرين بما قاله الشاعر إبراهيم ناجي (الشعر عندي هو الهواء الذي أتنفسه وهو بلسم داويت به جراح نفسي عندما عز الأساة، هذا هو شعري) تفاقم الحرمان لدى شاعرنا، ولم يكن فقر عائلته هو وحده المحرك لذلك بل إن فصله من المعهد العلمي أي عزله عن الحياة العلمية، وما تلاه من فصله عن وظيفته كمحرر في مجلة أم درمان التي أصدرها المؤرخ محمد عبد الرحيم كما ذكره هنري رياض كانا دون شك بمثابة انطفاء الوميض الأخير، وبسبب تصعيد هذا الحرمان إلى يأس مرير،

 

     أمل ميت على النفس ألحــــد

               ت له من كـــلاءة الله قـــــبرا

     زهقت روحه ----- شعاعــا

               قبل ما ينفــــذ الطفولة عمـــرا

     كنت أحيـــا على -- منه يسا

               قط بـردا على يـــــدي وعطـرا

     في ظلال مطلولة أفــرغ الشـ

               عر عليهـــا من الهناءة فــــجرا

     ثم أودي يا ويحـه ضاقت الدنيـ

               ا به جمدهـــــا احتمالا وصبـرا

 

لقد حاول الشاعر رسم البعد الإجتماعي (تصوير المجتمع) في نصوصه متخذا الإنطلاقة الذاتية عكس ظروفه على الآخرين قاعدة لا التصوير العام لحالة العامة المتفاوت في تقييمها وإدراكها. قد تكون هذه القاعدة صادقة لانفعال الشاعر وتألمه للآخرين لمعايشته واختباره بنفسه لبعض هذه الظروف القاسية. غير أن صورة المجتمع لن تكون مكتملة ولو اضطر لعكسها من خلال التجربة الذهنية. هاهو الشاعر يرثي ابن أخته الذي وجد في رثائه رثاء لنفسه لتشابه ظرفيهما. إن هذا منفذ محبب أثير لدى التجاني استطاع عبره الولوج إلى الآخر

 

     قرأ الزمان عليك معنى ساميــا

               ورأى سرائر منك مثل ســـرائري

     فرماك في العهد البرئ بما رمـى

               حظي به ودهى جســـيم خواطري

     لوددت أني في الطفولة مائــت

               لو كنت أسمع بالشـــباب العاثـر

 

     باعتبار أن الأمنية في البيت الأخير هي أمنية الفقيد لا الشاعر، إذ أن الرثاء يخصه، أو أنها أمنية الشاعر بتركه ضمير المخاطب وتقمصه بالتالي لحاله. قد يكون خروج الشاعر بتركه ضمير المخاطب وتقمصه بالتالي لحاله. قد يكون خروج الشاعر هنا من وصف حال الآخر إلى حالته الشبيهة به غير مقصود لكونه يود عكس حال الآخر من خلال تجربته هو دون أن يشير إلى ذلك. لقد ارتأى الشاعر السوداني صلاح أحمد ابراهيم في شعر التجاني شعر وجدان اجتماعي، كما يمثل الواقع لديه وحدة لا تقبل التجزئة فيقول معقباً/ فيما يخص دنيا الفقير/ في بحثه الجرح والقوس ، دراسات في شعر التجاني (وهل هذه إلا صورة الفقير السوداني أو قل صورة السوداني أنا وأنت وجاري وجارك...) ومهما كان الإختلاف  حدته  فمؤداه واحد: لقد عني التجاني بمجتمعه. بالانتقال إلى وصف الطبيعة إحدى موضوعات الشاعر المهمة والمتفردة في صورها وترابط وحدتها، تجدنا نتردد بين الوصف/الواقعية، والرؤيا/الحلم

يقول التجاني في قصيدته النيل:

 

     أنت يانيــل ياسليل الفراديــس

               نبيـــل موفق في انسيــــابك

     ملءُ أوفاضـــك الجلال فمرحى

               بالجلال المفيض من أنســــابك

     حضنتك الأمــلاك في جنة الخلد

               ورّفت على وضئ سحــــابك

 

     إن تهويم الشاعر ومداعبته للرؤى وأحلام اليقظة خلقت من إزاحة الألفاظ قصيدة معنوية وجدانية، يخف عبئ الوصف طيها بتجاوز عكس الطبيعة إلى الإتحاد بها، على العكس من رائعته الوصفية الواقعية الوجدانية (توتي في الصباح):

 

     يادرة حفـــــها النيـــ

               ل واحتواهـــــــا البر

     صحا الدجى وتغـــــشا

               ك في الأســــــرة فجر

     وصاح بين الربـــى الغـ

               ر عبقــــــــري أغر

     وراح ينفـــض عينيـــه

               من بني الأيــــــك حر

     فماج بالأيـــــــك عش

               وقــــام في العـش ديـر

     كمــــاذا تمــــازج فن

               على يديــــــك وسحر

 

     هكذا تزدحم القصيدة بالصور يثور يثور، وتشغو شاه، يتنهق حمر، والبهم تمرح، والزرع مورق، واللحن متجاوب والطحن، والثغاء المسر، وصوت النواعير الشبيه بالشدو و...... إلى أن يسهب الشاعر في وصف الجرار:

 

     إن الجــــرار وقد ضــ

               ق بالقلــــــيب الممـر

     تكســــرت وهي تهــوي

               فما تــــــلاءم كســر

     فتـــلك معصومــة الـرأ

               س كم تــــنئ وتخـــر

     وتــلك مرضى وهــاتيـ

               ك للخـــــواطر قبــر

 

     يتضح جلياً من الإزاحة والإسناد المجازي إلى الموصوف (تلك ---- أي الجرة) والتدرج الموسيقي/الإيقاع من أجل تصعيد النثر إلى أطر شعرية ومحاولة الإنعطاف عن المباشرة واللاإزاحة كما في قوله (يثور ثور، وتثغو شاة) مقدرة الشاعر على تلوين الصور بموازنته الإسهاب بالاقتضاب كما في وصف الجرار فلا يحس قارئ إلا بضرورة أكثر فأكثر إلى أن يعود الشاعر مرة أخرى للعبارات الوصفية الموجزة:

 

     ذيـــاك يغـــــرق في

               العشب جاهـــداً ما يقــر

     وذاك يعنيــــه حــرث

               وذاك يعنيــــــه بـذر

     ومــــاج في الغيـط نشء

               ملء النواظـــــر خرز

     هنــــاك فول وهـــذاك

               في  السنـــــابل بــر

     وما تعــــــــثر شيء

               ولا تعـــــــثر أمـر

 

     قديماً قيل إن الوصف يتطلب البلاغة والإنتقال، وهما ما مهر الشاعر ههنا من خلال عسكه لحصيلته اللغوية، وحصية متنقلاً لعناصر لوحة الطبيعة تتعرى شيئاً فشيئاً، فيما يظل الإنفعال رهيناً بالقارئ لا الشاعر. أما ما يخص موضوعة الحب في شعره فهي مداخلة دون شك بين ما هو عذري وعادي، كما يرى هنري رياض، غير أن العذري يظل نسبياً فكثيراً ما فند كحب جنسي مكبوت. نعم إلى ذلك مهد ما عناه التجاني من حرمان، كما أن تشبيهه وتغنيه بالجمال عموماً دون تمييز بين الحسناء والقبطية وذات الفصد وغيرها يدل على بحثه عن المرأة كضرب من الجمال، لا علي التقيد والوقوع في حبائل فاتنة ما. يقول جماع في قصيدته (الشاعر):

 

     حاسر الرأس عند كل جمـــال

               مستشفـــــاً كل شيئ جمالاً

    

     فحب التجاني، في أقصى درجات تفاوته، لا يعدو كونه مراوحة بين المصنوع والمطبوع كأشعاره نفسها التي تمثلت الغزل/الحب العادي واستحضار عفة المتصوفة وحبهم الأفلاطوني سواء بسواء. ففي شريعة الحب مثلاً انتهج ابن عربي نمطاً فطرياً متجاوزاً السائد والمبتدع حيث الوجود والعقيدة مشرب واحد. يقول في قصيدته أدين بدين الحب:

 

       لقد صــار قلبي قابلاً كل صورة

               فمرعى لغزلان وديــــر لرهبان

     وبيت لأوثان وكعبــــة طائـف

               وألواح توراة ومصحـــف قرآن

     أدين بدين الحــــب أني توجهت

               ركائبــــه، فالحب ديني وإيماني

 

     ذات عينه ما أتبعه التجاني في قصيدته (كنائس ومساجد) ورائعته (أنشودة الجن) التي يترنم بها المطرب (سيد خليفه) إلا أن (جمال وقلوب) ستظل الأنموذج الخلاق لذراه الشعرية ونفثاته الحارة:

 

     الحرف احتراق والحيرة سدى تحاول الخلاص:

 

     من ترى وزع المفاتن ياحســ

               ن وقال اعبدي من السحر ربا

     من ترى علم القلوب هوى الحـ

               سن وقال اعبدي من السحر ربا

     من ترى الهم الجمال وقد عطـ

               ه من جبرة الحوادث غضبـا

     أن يبث مفــــاتنا في جفـ

               ن بليغ وأن يجـــود ويأبى

     من ترى وهد العرى بين مسحو

               رين أسماهما جمالا وقلبــا

     إنه صانع القلـــوب التي تـ

               صب في قالب المحاسن صبا

 

     كما ورد، لقد شغف لب التجاني بالتصوف لا سيما وهو سليل عائلة الكتيابي الصوفيه، فتدرج في تعليمه ابتداء بالخلوة التي ملأت فضاء روحه وصباه مروراً بالمعهد العلمي ومن ثم رحلة الإطلاع المضني على كتب المتصوفه.

     يقول التجاني مصوراً الخلوة بتفاصيلها قاطبة وما تمليه الرتاب على روحه الشغفة الضجرة، كأننا نقرأ طه حسين في (أيامه):

 

     هب من نومه يدغدغ عينيه

               مشيحا بوجهه في الصباح

     ومشى بارما يدفع رجــ

               ليه ويبكي بثقله الملتــاح

     ضمخت ثوبه الدواة وروت

               رأسه من عبيرها الفيـاح

     لم يحد الإكتئاب الإجتماعي الذي عاناه الشاعر متنفساً له ألبق من التصوف، كما مهدت البيئة الصوفية المتحلقة به واطلاعه على الرسالة القشيرية وغيرها، أن يتمعن في التصوف (الخلاص)، فقصائده المعنونة بـ (الصوفي المعذب)، و(نفسي وحيرة)، غورت وحورت مسعاه من تصوف منهجي إلى فلسفي لا سيما قصيدة (حيرة) التي ورد ذكرها وقصيدة (يؤلمني شكي):

 

     أشك يؤلمني شكي وأبحـث عن

               برد اليقين فيفنى فيه مجهـودي

     أشك لا عن رضى مني ويقتلني

               شكي ويذبل من وسواسه عودي

 

     إن التجاني شاعر في المقام الأول وليس صوفياً لذا قد لا نفاجأ بتنقلاته المفاجئة في فهمه واستشرافه للعالم، فتارة يقتله الشك وتارة يتوارى مفسحاً للتأمل والإيمان طريقا، وأيما طريق:

 

     ربي سبحانك إن الكون لا يقدر نفسه

               صغت من نارك جنيه ومن نورك أنسه

 

     بيد أن دلالة الشك تتفاوت لدى الشاعر فحيناً تعنى بعبث الوجود لينتصر العقل، وحيناً آخر ينتفي الهاجس هذا فيثلج برد اليقيق قلبه. لقد قرأ التجاني دون شك نظريات التصوف فكم من مرة تتراءى (وحدة الوجود) في شعره الوجداني والصوفي معاً، يقول في قصيدته (الأدب الضائع) مخاطباً الأديب:

 

     أنت ياقيثارة الجديد بك است

               ظهر من في الوجود متاعه

 

     فيذكرنا الشاعر بـ (كنت كنزا مخفيا ولما أعرف خلقت الكون). ثم ها هو يكرر من جديد نظرية (الحلول):

 

     كل ما في الكون يمشـي

               في حنايــــاه الإله

     هذه النمـــلة في رقـ

               تهـــا رجع صـداه

     هو يحيــا في حواشيها

               وهي تحيا في ثــراه

 

     لم يكن التجاني كغيره من أتباع التصوف السني، فقد كان البحث دأبه محاولاً من خلاله تجديد الأفكار وعكس روح العصر. إذا فالتصوف الفلسفي كان امتداداً طبيعياً لنشاطه واستحضاره لعالم القصيدة في الخيال.

 

     يصعب البت في مدى انشغاله في رحلة البحث هذه، رغم ظهورها عياناً في شعره، وذلك لأن التجاني كان كثير الخوض في مواضيع لم يعشها، شأنه شأن شاعر القصر شوقي الأثير المحبب لديه والذي أدى دفاعه عنه إلى فصله من المعهد العلمي. يقول الأستاذ عبد الله البشير (تارة نجده متوتراً يشكو ظلام الروح وغائله الشك وحرمان  المشاهدة..... وهذه التأملات وإن لم تفرغ من قلبه بذور الشك تماماً إلا أنها كانت نقطة انطلاق هامة لروحه هو الإيمان الكامل الذي نجده في قصيدته (الله) لقد جمعت أشعاره (إشراقة) وما من مصدر وثيق يتحرى منه عن تواريخ تدوين القصائد مما قد يكشف عن مرحلية التصوف هذه، التي تبدو أغلب الظن وليدة الإطلاع لا المعاناة الحقيقية. هل يؤدي الحرمان والفقر إلى إنكار الوجود والشك المطلق؟ هل ينسحب الفقر على نفس المعدم زهداً وتأملاً؟ إن فك طلاسم قصائد التجاني/التي اعتمدت كسجل اجتماعي من أجل الولوج إلى حياته المضببة. سيظل نسبياً في نتائجه إذ أن الشعر وجدان وخيال، أو إن شئت فهو واقع مموه.