رغم خروج ألمانيا من الأزمة الاقتصادية ونعتها  -بصين أوروبا العظيم ـ واعتماد دول جنوب أوروبا كاليونان وإسبانيا وكذلك ايرلندا على مساندتها في الرابطة الأوروبية، إلا أنها لم تزل تعاني في داخلها من البطالة والفقر،  نعم الفقر ولو نسبي .
يقول المتحدث الرسمي لحزب اليسار المعارض عن تقرير الفقر الحالي أنه "شهادة فقر للحكومة الألمانية" زُور بدهاء  لتثبت حكومة ميركل نجاحها .
في هذا المقال نتناول التقرير الأخير عن الفقر،ونتطرق كذلك إلى التحول في المدن الألمانية الكبرى وتدني الأجور في إطار "الفقر"  فلنقرأ معا المزيد :

آراء وتصريحات مدافعة:
كان من المتوقع أن يأتي تقرير الفقر الراهن بنتائج أفضل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي من تقرير العام الماضي !! بالنظر إلى آراء ممثلي الأحزاب الألمانية حول تقرير الفقر الصادر من مكتب الدولة.
"نقرأ تضادا واضحا وهجوما متبادلا بين الأحزاب الحاكمة "الحزب الاتحادي والحزب الليبرالي وبين أحزاب المعارضة ".
يقول "روسلر" رئيس الحزب الليبرالي مهاجما تصريحات وانتقادات أحزاب المعارضة المنتقدة بدورها  لتقرير الفقر هذا العام بأنها هراء وحجج واهية وترويج لانتخابات البرلمان لا غير. وذكر مواصلا بان المعارضة تريد أن تكسب أصوات المواطنين مبكرا قبل الانتخابات البرلمانية في شهر سبتمبر القادم. وبالرغم من سيطرة الأحزاب الحاكمة على الوضع السياسي ودفاعها عن تقرير الفقر الحالي إلا أن أحزاب المعارضة لا ترى فيه سوى عملية تجميل وتزوير وإضافة وحذف فقرات لتعزيز موقفها الراهن ازاء تقلص نسبة الفقر بألمانيا. ولكي يؤكد الحزب الليبرالي تقيمه وموضوعيته حول  تقرير الفقر صرح روسلر رئيسه مدافعا  في أكثر من قناة وصحيفة وإذاعة عن نجاح سياسة حزبه. يقول: إن أحزاب المعارضة تقود حملة عشوائية وتقدم آراء مغرضة تستهدف الحكومة  بتقرير الفقر الحالي. إن ألمانيا تعيش حالة انتعاش اقتصادي لم تشهده من قبل أبدا، وقد تجاوزت الأزمة الاقتصادية وأصبحت مثالا للدول الأوروبية وأصبح يشار إليها بالبنان، اتهامات المعارضة التي تحجب مثل هذه الحقائق. ويقول أن أحزاب المعارضة تسعى الى تمزيق صورة ألمانيا لتصعد بدورها إلى الحكم  .   
عزز "دورينغ" سكرتير الحزب الليبرالي تصريحات وجهات نظر "روسلر" هذه وذكر في أكثر في من تصريح صحفي بأن تقلص نسبة البطالة إلى النصف بألمانيا في الوقت الراهن حلم كانت تحلم به أحزاب اليسار والخضر الحاكمة من قبل. وعليه يرى "دورينغ" بان  احتجاج الأحزاب المعارضة لا ينبع من واقع ألمانيا، وإنما هو حسد فقط  .
هذا كما صرح نائب رئيس الحزب بالبرلمان بأن الفقراء جزء من الشعب وان الاهتمام بتقسيم الثروة والرفاهية ليس الأهم وإنما الأهم فرص متوفرة يمكن استغلالها. وقال مواصلا بأن هذا هو الأمر الجديد والمميز في تقرير الفقر هذه المرة أي أهمية المرونة والتحرك الاجتماعي لتغير الوضع الحياتي الخاص لكل فرد  .

آراء وتصريحات منتقدة :
ما إن صدر تقرير الفقر إلا ووجه بانتقادات حادة متلاحقة من قبل أحزاب المعارضة ومنظمة البر ورابطة العمال الألمانية . اعترض الحزب الاشتراكي على تفاصيل تقرير الفقر الحالي واعتبره عملية تجميل بل ومزور، سحب فقرات وإضافة أخرى تتناسب مع غرض الأحزاب الحاكمة لإثبات انخفاض نسبة الفقر أو عدم تغيرها على أسوء الاحتمالات .
يقول أوزدمير رئيس حزب الخضر في لقاء بالقناة الألمانية الثانية بأنه يتوجب أن تشكل في المستقبل القريب  لجنة مختصة محكمة ومستقلة لتقييم تقرير الفقر، فتقرير الفقر الراهن في حكومة ميركل لا يتطابق مع مجريات الواقع قطعا، هذا إلى كونه مضلل "عملية تجميل وتغطية". ويقول مواصلا بأن تحليل معدلات الفقر والمعلومات المعتمد عليها جاء لصالح الأحزاب الحاكمة ولذا فإن التحليل الخاطئ سيقود حتما إلى استنتاجات خاطئة.
أما رابطة العمال الاتحادية فاعتبرت تقرير الفقر "شهادة فقر لحكومة ميركل"، وتأكيدا على سيطرة وسيادة توجه الليبرالية مما أدى الى توسيع  الهوة بين الأثرياء والفقراء بألمانيا .
نعم لقد انخفضت نسبة البطالة ولكن انخفضت الأجور كذلك مما جعل العمل غير مجدي ماديا وازدادت نسبة الفقر، وعليه صرح ممثل منظمة البر الألمانية بأن شعار الحزب الليبرالي القائل بان التوجه الاجتماعي منوط بالضرورة بالعمل قد فشل. إن الذي حدث في تقرير الفقر لا يتجاوز التلاعب بالفقرات فحسب.
وطالبت رابطة البر الالمانية مجددا تحديد 8,50 يورو كحد أدنى للأجور وإجراءات قانونية جديدة تتناسب مع العون الاجتماعي وسوق العمل، هذا كما طالبت بإلغاء الأعمال الصغيرة "مني جوب" ورفع ضرائب الممتلكات والوراثة الضخمة.
من المعلوم أن الحزب الليبرالي يدافع عن طبقة الأثرياء وأرباب العمل باعتبارهما الممول الأساسي ومتيح فرص العمل للشعب، وعليه يتوجب تخفيف العبء الحالي مثل رفع الضرائب عنهم لتحفيزهم على الإبقاء على شركاتهم وتوسيعها، لا الدفع بهم إلى تهجير جزء منها إلى خارج البلاد لرخص أجر الأيدي العاملة هناك كما فعلت شركة "مرسيدس" وVW   وشركات أخرى شيدت مصانع لها في جنوب إفريقيا والهند.
حاول روسلر رئيس الحزب الليبرالي أن يدافع عن تقرير الفقر فذكر أن  ألمانيا الراهنة (هي صين أوروبا) لخروجها من الأزمة الاقتصادية وهجرة الأوروبيين والكوادر المؤهلة إليها، كدولة ذات مستقبل وبمستوى اقتصادي رفيع . أما ميركل فترى حكومتها الحالية افضل حكومة مرت على ألمانيا .

توافق واختلاف
إن التوافق الحالي  السائد بين الحزب المسيحي والليبرالي الحاكم تم في أغلب الحالات لصالح الحزب الأول منهما ( الحليف الأقوى برئاسة المستشارة ). نعم في معظم الحالات ولكن  ليس دوما يتنازل الحزب الليبرالي عن مقترحاته ومطالبة فقد حقق مثلا مطالبه  في تبني مقترحاته المناصرة "لقضية زواج الممثلين وسعيهم مجددا الى منحهم قانونيا كل حقوق  تبني الأطفال"،  هذا الى جانب دفاعهم المستمر عن حقوق الانسان والمرأة، كما في  القضية الراهنة حول إعادة توظيف الأمهات في نظام أيام العمل الطويلة بدلا من نظام نصف يوم لقيامهم بمسئولية تربية الأبناء والإشراف عليهم، غير ان أرباب العمل رفضوا هذا المقترح ( المدعوم من قبل السيدة شرودر وزيرة الشؤون الاجتماعية من الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم ) لتوظيف الأمهات في إطار اليوم الطويل ،  لذا اقترح ارباب العمل أن تنشأ الدولة رياض اطفال ملحقة بالشركات والمصانع قرب عمل الأمهات. ووقف الحزب الليبرالي مناصرا لأرباب العمل وليس مع الحزب المسيحي الديمقراطي الحليف معه في الحكم . هذا مثال آخر على عدم تنازل الحزب الليبرالي لصالح حليفه.

عود على بدء
يقول "اوسكار لافونتين" رئيس حزب اليسار سابقا بأن السياسة هي التي تقود الاقتصاد وتوجهه وليس العكس، فيصبح المجتمع مجتمع أثرياء وتتلاشى الطبقة الوسطى ويتفشى  الفقر !!  قال هذا واستدل بالتطور الراهن في ألمانيا.
لقد عكس تقرير الفقر عدة مستويات سياسية واجتماعية وصراعات قوى بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة وبين أرباب العمل والمواطنين ـ الأمهات مثلا ـ ، هذا إلى جانب صراع ألمانيا كواجهة أنيقة لدولة لا تعاني الفقر النسبي وموجة العولمة الاقتصادية.
وكما جدرت الإشارة سابقا فإن الحزبين الحاكمين يتميزان عن الأحزاب الأخرى بتوافقهما وانسيابية اتخاذ القرارات لتشابه برامجهما السياسية، لاسيما الاقتصادية والمالية منها، مما سهل لهما تواصل العمل معا ولدورات متتالية" ومثالنا على ذلك حكم تحالف هذين الحزبين  لمدة 16 عاما تحت رئاسة المستشار الأسبق هلموت كول (الحزب المسيحي الديمقراطي ). 
وكما جدرت الإشارة من قبل فإن الخلاف الراهن بينهما يكمن في امكانية توظيف الأمهات في قطاع العمل اليومي لساعات طويلة  لأجل تحسين وضع الأسرة المادي ومكافحة الفقر.
كان وقد اعترض "روسلر" رئيس الحزب الليبرالي على مقترح السيدة وزيرة الشؤون الاجتماعية من الحزب المسيحي الديمقراطي في سبتمبر العام المنصرم لمجابهة تمزق صورة ألمانيا وانقسامها  بين مجتمعي أثرياء وفقراء.
لقد  ذكرت اكثر من صحيفة بأن هناك فقرات حذفت من خلاصة خاتمة تحليل تقرير الفقر مثل "عدم تساوي توزيع الثروات الخاصة في ألمانيا  " .هذا كما لم يذكر التقرير بأنه في عام 2010 ظل  أكثر من 4 مليون مواطن بألمانيا  يتقاضون أقل من 7 يرو في الساعة.
إضافة إلى ذلك ـ وبموافقة ومراجعة عدة وزارات ـ اتضح بأن تقرير الفقر ذكر فقط بأن الأجور في المناصب العليا قد ارتفعت تباعا في السنوات العشر السابقة . وفي المقابل لم يذكر انخفاض الأجور في الوظائف والأشغال الصغرى. ويعتبر هذا خرقا لمفهوم العدالة الاجتماعية !!
ولكي يغطي تقرير الفقر هذا مثل هذه الخروقات كالأخيرة منها، ذكر بأن تدني أجور الأعمال الصغرى في الفترة ما بين عام 2007 – 2011 هو معضلة (شكلية)، إذ تم توظيف وتشغيل عدد كبير من العاطلين عن العمل مما أدى إلى تدني أجور المستخدمين في الوظائف الصغرى.
أخيرا ذكر التقرير بأن الهوة بين الأثرياء والفقراء قد ضاقت ولم تتسع، وهذا عينه ما يتناقض مع الواقع والتقارير الجادة.
نعم لقد اتسعت الهوة بين الاثرياء والفقراء في ألمانيا ولم تزل تتسع بعد.

تقرير الفقر والواقع الألماني
جاء تقرير منظمة رابطة البر الألمانية حول الفقر معاكسا لنظيره الصادر من مكتب الدولة السابق الذكر.
يقول تقرير رابطة البر بأن نسبة الفقر في شرق وغرب ألمانيا قد ارتفعت ولم تظل  ثابتة كما يدعي  تقرير مكتب الدولة الحالي.
يقول "شنايدر" مدير رابطة البر بأن الحكومة الحالية لا تدرك خطورة الفقر "وتظل فقط تذكر التفاوت وعدم المساواة في "المرتبات والأجور" بين المواطنين في  الفترة الراهنة.
ويضيف بأن الوضع مأساوي "والفقر يزداد باضطراد منذ عام 2006 بل تجاوز عام 2011 الحد الأدنى ليصل إلى 15,1 % أي 12,4 مليون مواطن يعانون من الفقر ، وازداد عددهم نصف مليون في الآونة الأخيرة.
جدير بالذكر بأن تقرير منظمة البر اعتمد على استطلاعات  جادة سأل  فيها 830,000 مواطن من مناطق مختلفة. واستنادا عليها فقد زادت نسبة الفقر ، 60 % من المواطنين يحصلون على أجور عادية لا تتجاوز المساعدات الاجتماعية إلا بمعدل ضئيل يتراوح بين  200 إلى  300 يورو.
ولكي يؤكد تقرير الفقر التابع لمنظمة البر تردى الوضع الحالي على مستوى الدخل ووضع الأفراد والمدن كذلك أتى بنموذج مقاطعة بريمن كأفقر ولاية في غرب ألمانيا، فيما تقدمت شرق ألمانيا بالدعم المقدم لها من الحكومة المركزية وباعتمادها على البرامج والبدائل المقدمة  لهم  كولايات ناشئة" .
يقول تقرير الفقر بأن فرق النمو الاقتصادي بين شرق وغرب ألمانيا بلغ  5,5 في المائة  في عام 2011 فيما كان الفارق 6,3 في عام 2005. هذا كما جاء في التقرير بأن  نموا اقتصاديا مضطردا يعم كل من ولاية "بادن فورتمبيرغ وولاية بايرن" إضافة إلى ولاية "تورينغن الشرقية" (تقلص نسبة الفقر فيها من 19,9% عام 2005 إلى 16,7% عام 2011" فيما  تمثل ولاية برلين وبريمن أوضح النماذج لاتساع رقعة الفقر في ألمانيا. يتقارب في هاتين الولايتين مستوى دخل الافراد إن قورن بولاية بايرن إذ يلاحظ فيهما  التفاوت الواضح بين مستوى دخل الأفراد .
يقول "شنايدر" أن الفقر النسبي في هاتين الولايتين نابع من خطأ السياسة وإيقاف وهدم المشروعات. وعليه اقترح "شنايدر" تصحيح  مثل هذه الأخطاء وتوجب مكافحة الفقر بتحريك سوق العمل ورفع الأجور إلى معدل جيد يشجع على العمل، وتوسيع المنشآت وكذالك رفع معدل المساعدات إلى 845 يورو  .
ووافق المتحدث الرسمي للحزب الاشتراكي المعارض على جزء من تصريحات رابطة البر، واعتبر تقرير الفقر الصادر من مكتب الدولة مجرد تلاعب بالفقرات لا غير".

ختاما نجد أن خُمس مواطنين المدن الكبرى يعيشون تحت مستوى الفقر "وفي منطقة "الرور" بغرب ألمانيا ترتفع النسبة إذ يعيش   ربع المواطنين هناك تحت مستوى الفقر .ويذهب التقرير أكثر ليذكر بأن في عام 2011 أكثر من 25% من مواطني مدينة "لايبتسغ" الشرقية عاشوا تحت مستوى الفقر.
كما نلاحظ  في تقرير الفقر هذا مقارنة مدينة "ديسبورغ" "وبرلين" و"بريمن" كأكثر المدن فقرا وتقاربا في مستوى دخل مواطنيها، هذا الى جانب تفشي البطالة  .
متهكما ذكر "برودلر" رئيس الهيئة البرلمانية للحزب الليبرالي بأن افقر الولايات الالمانية هي الولايات التي تحكمها احزاب المعارضة اليسارية والاشتراكية، فيما تعم في المقابل الرفاهية والانتعاش الاقتصادي حيثما  يحكم الحزب الليبرالي والحزب المسيحي الديمقراطي  .
تعتبر اجندة 2010 التي أتى بها "شرودر" المستشار الالماني السابق هي المسؤول الأول عن ازدياد نسبة الفقر. وارتبطت هذه الاجندة برفع سن التقاعد وخفض الاجور وتقليص المساعدات الاجتماعية .
يقول محلل سياسي في تلفزيون فونيكس بان الانتخابات البرلمانية القادمة لن تفلت من ربقة هذه الاجندة، وستشير الى الفقر كشهادة فقر للحزب الاشتراكي، الذي خلع هويته الاشتراكية الاجتماعية ليناصر الرأسمالية ..
نشر هذا المقال في مجلة الدليل


Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////