رواية وفيلم * 

أمير حمد **

Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

     هكذا خبت أول ومضة للسينما السودانية والمؤازرة الكويتية لإحيائها في مناخ أطبقت عليه متاهة متداخلة يتوزعها الرأس الإقتصادي والفني للسينما بل والتوجه الأيدولوجي داخل السودان نفسه. سرعان ما عقدت أخصب الآمال بالإندراج ضمن السينما المعاصرة عندما عرض فيلم عرس الزين لشهرة ومقدرة مؤلفه الطيب صالح والذي قام بإخراجه وكتابة السيناريو خالد الصديق وصوره كذلك مع خالد الأمير ووضع موسيقاه إلى جانب سليمان جميل وإدريس ابراهيم، فيما تولى إنتاجه محيي عبد الجواد. خبت الومضة تلك وليس ذلك بالجديد على السينما العربية. بالرغم من ضعف الإعلام وتسويق الفيلم المقتصر على السودان وبعض دول الجوار مهد عرس الزين للسينما، أم الفنون قاطبة طريقاً قشيباً لعكس السودان بيئة وفولكوراً من خلال البيئة الواقعية للأحداث الممهورة بفنية الأدب وتقنية السيما. من خلال تقصي أسباب إنقطاع الإنتاج السينمائي السوداني بركائزه الفنية والإقتصادية الموجهة يتضح مستقبل السينما هناك نافضاً الغبار عن بادرتها الأولى (عرس الزين) كنص إجتماعي هجين (أفرو – عربي) ببنيته الفنية الراقية وسلسلة الأحداث المرتكزة على البيئة التقليدية للسينما بتعدد الأزمنة والأمكنة وتكرار الشخوص. لم يفت على المخرج خالد الصديق البنية النفسية للنص متمثلة في شخصية الزين، ذلك الزري الأبله المجذوب الذي تسيره الفطرة ومباركة شيخ الحنين، لقد مهدت تلك الصفات للزين كسب صفح أهل القرية عنه كلما أفشى طرباً بأعراضهم  وبحبه لإحدى البنات ووصفها سابحاً في تهويماته الدونكيشوتية دون أن يجرؤ أحد منهم على المساس به. إن المشهد السينمائي المحرك هنا بتفادي السيناريو المبالغ وبتقليل المونتاج السلبي لتكرار ظهور شخصية الزين أهل سينمائياً لتعميق دوره وإبرازه كشاهد عصر على واقع قرية ما من خلال تعريته للمجتمع أشبه ما يكون بأسطورة من تهويمات بني هلال وسير الحمقى أو كاهن زنجي سحري في تخوم غابات السودان الإستوائية. أن الزين سينمائياً بمثابة فعل ورده بإطلالة وجهه الغريب وقوامه النحيل وما تثيره تصرفاته الساذجة في نفوس أهل القرية من استعذاب وإكراه على قبولها (عوك يا أهل الحلة عزه بت العمدة كتلاها كتيل) هي شعاره معرباً عن زر نساء خطير يخوض توا مغامرة حب جديدة تتواءم مع إظهار الكاتب له كأفعى تتلوى على سر مقدس ومن ثم تحريكه في عدة مواقع كموضوعة متحولة لإنشاء علاقات جديدة يقبع خلفها إرث قرية بأسرها.

 

     ينتقل الزين المحور الأساسي للفيلم/ الرواية من حال إلى آخر مستكشفاً مجتمع قريته، التي هي بمثابة السودان مصغراً. فسؤال الهوبة مثلاً قد تطرق إليه الكاتب بإنكار عرب القوز للزين عندما شغف قلبه بحب فتاة منهم. لقد كان المحرك دون شك هو التعصب للهوية فهم يرون أنفسهم عرباً خلصاً لا خلاسيين أو أفارقة صرف كجواري الواحة بائعات اللذة وفي المقابل تنكر أهل القرية لهم من شرفة أخرى يطل الزين كخطر جسيم على القرية (بكشفه للعورة) وتارة كبشير ومنقذ للعانسات ما أن أذاع ببوقه ملء القرية حبه لإحداهن فسرعان ما تتزوج لكونها أجمل فتاة أبصرها الزين الخبير بأوسمهن أو خوف التورط في تهمة ما تخدش عرضها. ثمة علاقة روحية موغلة في جذور المجتمع بأهل الله والشبيه بنبي الله الخضر ومصطفى سعيد بظهوره فجأة واختفائه. لقد جهدت الكاميرا من خلال اللقطات بإظهار إطلالة شيخ الحنين من مكان قصي وهو غائب في السراب وبظهوره رويداً رويداً في الصحراء الناعمة الرمال متوكئاً عصاته وحديثه مع الزين قرب النخلة المنشعبة في حرم القرية. لكم إلتصق هذا المشهد بالروح لمحاولة إحياء البعد الصوفي القارّ في العزلة والنأي والصحراء جسر الهجرة النبوية والعودة إلى الذات. ربما فطن المخرج الكويتي خالد الصديق إلى صوفية المجتمع السوداني الضاربة في جذوره فآثر إظهار قدوم شيخ الحنين كصوفية مطلقة على سيناريو وجوده داخل القرية حيث يتداخل المجتمع والتصوف وهو ما رمى إليه الكاتب مبتعداً عن التعمق في التصوف مكتفياً بإشارة إلى علم السلوك متمثلة في طاعة المريدين لشيوخهم مثلما جرى في حادثة إنتقام الزين من سيف  الدين إثر أن شق الأخير رأسه بفأس عندما حاول الزين كعادته مغازلة أخته في عرسها (إنقض الزين على رجل يقف أمام دكان السمان وقبض على عنقه وطوح به في الهواء ثم رماه أرضاً، أخفق الرجال الستة في إنتزاع سيف الدين من يديه حتى رأوا الرجل يضرب برجليه الطويلتين في الهواء وأيقنوا أن الرجل لاقى وجه ربه في تلك اللحظة أهلّ صوت الحنين هادئاً ووقوراً: الزين المبروك الله يرضى عليك. فانفلتت قبضة الزين عن عنق الرجل) هكذا أنفذ الحنين حياة سيف الدين الذي تحول إثرها إلى مؤذن وتابع للإمام. لم تقتصر صداقة الزين الحميمة على شيخ الحنين فقط فهو بمثابة القلب الكبير لمهمشي القرية كعثمانة الطرشاء وبخيت المشوه وموسى الأعرج. ربما يتبادر إلى ذهن القارئ أن توطد أواصر هذه العلاقات نابع من إدراك الزين لحجم معاناة الفئة تلك وحاجتها إلى من يقف إلى جانبها بالدرجة الأولى غير أن النظرة النقدية للمجتمع من خلال تهميش الزين في المقابل لأثريائه وأصحاب الرأي فيه من ثم إنتمائه عن رغبة ملحة إلى طبقة المنبوذين رامياً بذلك إلى أعلاء قيمة الإنسان دون تمييز له عن سواه بثرائه أو مكانته الإجتماعية هي محك ثنائية هذه العلاقة الخالصة والمتحدى  يها.هكذا يبدو الزين هجيناً مثل المجتمع السوداني نفسه تارة هادئاً منساباً كجدول منسي بين يدي الحنين أو فئته التي يترأسها محجوب شديد الحرص على إنقاذ الزين من المواقف الحرجة وانتشاله من عراكه وسذاجة سرده عن أسرار البيوت وتعلقه بالفتيات. إنه الزين بصراحة في وجه إمام المسجد المتبطل عن العمل والمتنازع في أمره أما الإمام نفسه فهو يرى الزين ضحية سلوك الناس الشائن غير اللائق به. هنا يشير الطيب صالح إلى دور المجتمع والقرية وتحول الإنسان الرهين بهما كما في مسرحية اندروا للكاتب السويسري ماركس فريش حيث يتحول صبي بريء إلى يهودي لإيعاز الناس له باليهودية.

 

     رغم ذلك يسود السلام وتخيم أواصر القربى على مسرح قرية الزين الصغيرة. إلا ما يشوبها كسرد الزين لأقاصيص القرية وحديثه عن الممرضات وقرصه فخوذ النساء، لقد أفلح الكاتب في تسلسل الأحداث وإعادتها وإحياء التراث الصوفي متمثلاً في كرامة الأولياء كاستحالة القرية إلى واحة خضراء في ساعة شهد الجميع لها بالإستجابة ببركة الحنين الذي تلاشى إلى الأبد دون أن يعرف شيئ عنه سوى الإيقان بموته لعدم حضوره عرس الزين. أما قبره فهو قبر رمزي لم يشر الكاتب إليه وإلا فهو قبره حقاً مما لا يتوافق مع قول الزين باكياً قبالته (أبوي الحنين لو كان ما مات كان حضر العرس) إن احتمالات تسمية الرواية  هذه لجد كثيرة وتلك لكونها هجين موضوعات لا تقل عن عرس الزين نفسه الذي ليس سوى محرك للتحدي القائم بين الطبقات وانتصار الإنسان البسيط والحب على المنفعة كما هو بمثابة عقدة رمزية هي السودان عينه تتحلق حولها شرائح المجتمع المختلفة أثرياؤه ومعدموه، السفهاء، ورجال الدين الأحرار والعبيد المهمشين والمادحين والمغنين والسكارى الذاهبين في نشوة الغناء والدفوف وإغراء الجواري والزغاريد وإيقاع الراقصات وتدبيك البدو وتلألؤ القمر على رمال الصحراء مخيمة على الحضور الروائح المضمخة بالخمرة والدلكة وروح التسامح بين أشد الأعداء كالزين وإمام المسجد كل ذلك بريشة فنان يتنقل أسلوبه بين الفولكلور والدلالة الشاعرية. إن نجاح الرواية هذه لا يقل البتة عن موسم الهجرة وإن تميزت الأخيرة عنها وعن الروايات الشبيهة بها كالحي اللاتيني لسهيل ادريس وقنديل أم هاشم بقضية اللون والتحدي. لقد تجاوزت موسم الهجرة الإقليمية فيما ظلت رواية عرس الزين أدباً راقياً مغلقاً لإجراء الكاتب الحوار بالعامية السودانية وما يقبع خلفها من إرث وخوضه تفاصيل مجتمع عصي كتيه على السوداني نفسه لقد أدرك الطيب صالح مسترفداً من دومة ود حامد إمكانية التوازن بين السودان وغيره من الأصقاع لذا قال متواضعاً في حوار أجُري معه واصفاً تجربته الإبداعية (علاقتي الآن بالسودان علاقة انتماء داخلي عميق مع شيئ من العاطفة لكنني أستطيع أن أضع السودان إلى جانب أية بلدان أخرى أو أقارنه بها) على صعيد آخر يتبين حب الكاتب الدفين للأرض من خلال تكراره الدائم لها (رجال مشدودو العضلات أجسامهم ريانة نديّة مثل لون الأرض لأنهم يعيشون على لين الإبل ولحم الغزلان يلبس الواحد منهم ثوباً يربطه في وسطه ويلقي طرفيه على كتفيه) لا يكتفي  الطيب من خلال السرد بالوصف التجريدي للأرض والإنسان والعلاقة بينهما أو ما ينشأ عنهما بل نجده يغوص متجذراً باحثاً عن بادرة الحياة الأولى أي وجود الإنسان نفسه والإفصاح عن موضوعة الإخصاب (الجنس) كموضوعة يتدرج بها حتى الإخفاق في إنتشال نفسه منها (الأرض كأنها امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها، الأرض والأحشاء والماء الدافق، الأرض مبتلة بطعن شيئ حاد أحشاءها، لحظة النشوة والألم والعطاء، كما يضم رحم الأنثى الجنين في حنان ودفء، رأى صدرها البارز وكفلها الكبير حيث تضرب برجلها فيهتز ويترجرج منقسماً إلى شقين كأنهما نصف بطيخة بينهما واد هبط فيه. وزاد بروز صدرها ونتوء كفلها ورأى الإمام ساقها اليمنى وجزءاً من فخذها الممتلئ وقد رفع عنه الثوب وحين عاد الإمام بوجهه إلى محدثه كانت عيناه مربدتين مثل الماء العكر) هكذا داخل الطيب بين مرحلية نضج الأرض وهطول المطر وبين الفاجعة والولادة، متردداً بين فنه وحفاظ المجتمع السوداني على تقاليده الدينية.

 

     ينتقل الكاتب من موضوعة إلى أخرى وقلما ينعطف عن أسلوبه الشاعري ذي الدلالة العميقة إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كإجراء الحوار بالعامية التي استخدم الطيب أكثرها إرثاً وتعقيداً ولكنه لسبب مجهول أجرى العامية المصرية في بعض الأحيان بل وإن هناك إرتباكاً متمثل في لغته نفسها التي لا يفتأ ينهض بها بمجازية التعبير والتشبيه والإستعارات والتحول وتشخيص أبطال الرواية في وصفه للمجتمع مبتعداً عن عكس الفولكلور صرفاً والرقي بالعمل الأدبي قدماً نحو التحديث ومحاذرة التقريرية، كما مرت الإشارة من قبل تطرق الكاتب معتمداً على التوجه الإثنولوجي إلى قضية الرق واحتمال ممارسته (موسى الأعرج الذي كان عبداً رقيقاً لرجل موسر في البلد) يتحول الطيب فجأة إلى مؤرخ (ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم آثر بعد عتقه أن يعيش مع سيده) إنه يصعب قراءة هذا الموقف كنص تسجيلي وصعوبة البت في أمر كهذا ومهما يكن فقضية الرق في السودان ما تزال أمراً ملتبساً. هكذا يعود موسى إلى سيده بعد عتقه دالاً على سماحة المعاملة دون إيهام القارئ برفض المجتمع له.

 

     ترد مفردة الحكومة هنا ولكنها لا تحمل أي بعد سياسي مثل حملها لسيادة شلة محجوب للقرية برمتها لكأنها عصابة عليظة. ثمة موضوعة رمزية يشير إليها الكاتب من جديد قارة في تعلقه الواضح واعتزازه بسماحة المجتمع السوداني حيث يسود الإخاء بين الكل رغم تعدد الهويات والمعتقدات فكأننا نشهد قلب ابن عربي الصفوح المحب للإسلام ولغيره من الأديان.

          لقد صار قلبي قابلاً كل صورة

          فمرعى لغزلان ودير لرهبـان

          وبيت لأوثـان وكعبـة طائف

          وألواح توراة ومصحف فرآن

 

     قد يتساءل القارئ والمشاهد في آن واحد عن صعوبة عكس رواية عرس الزين سنمائياً

لاسيما  وأنها ذات بعد أسطوري لم يحظ بعكسه رغم ذروته الجمالية. لقد أخرج خالد الصديق فيلم عرس الزين اعتماداً على السيناريو وفهمه وتذوقه للنص الأصلي الذي قد يكون قاصراً لعدم معرفته ببيئة السودان  جيداً  فيما تظل الرواية كموضوعة دون شك خليقة بالتصوير السنمائي ومما أهل لذلك اكتمال بعض فقراتها كنص وسيناريو في وقت واحد لم يجهد المخرج إلا بنقله كما رسمه الكاتب مثالاً على ذلك مشهد التقاء شلة الزين ليلاً متفاعلة مع حركة الظل الخافت  وهبوط العتمة تدريجياً وتقاطعها مع خيوط الضياء والبؤرة الضوئية الغامضة حيث تتقارب الوجوه فيها ثم ترتد فجأة إلى الوراء متفرقة، وعكس ملامح الشخوص بين الإندهاش والفعل التلقائي كغرس الكفوف في الرمل وقبضها حفنة منه، لقد رسم الطيب صالح هذا الموقف كمصور فوتوغرافي وكسينارست تملي عليه العدسة/ الوصف والموضوع عمليتي السرد والإخراج في آن واحد، أما تعدد الموضوعات  الجانبية والمهمة فلا يمكن إجمالها، غير أن الآتي من النقاط حري بالذكر :- وصف الكاتب البيئة السودانية والحالة الإجتماعية بالأخص المرأة واختياره لنصوص دينية تمثل شوق وبيئة المتصوفة في السودان.- تشهير الزين ببنات الحي وحبه لهن وعكس عادات النساء في البيوت وتعليم النساء ودوافع الزواج لأسباب غير الحب كما في حالة محاولة خطبة إمام مسجد متقدم السن لفتاة صغيرة. وازدراء الشيوخ لعاشقي النساء من الشبابا ورميهم بالخمول وعدم الرجولة. وعقوق الوالدين كما صورها في علاقة سيف الدين بأبيه وحماية شلة الزين للقبيلة لكأنها حكومة في حد ذاتها أو مجتمع قبلي مصغر.- الوصف كموضوعة كوصفه للمصلين عند خروجهم من المسجد زائغي العيون... – اللغة كوسيلة وغاية لحوار الشخوص واستخدامه للدراجة والفصحى لتعيناه على تعدد الموضوعات وعكس الفولكلور ومن ثم النهوض به إلى رواية حديثة.- الإشارة إلى أزمة المثقفين كما يتضح من وجهة نظر إمام المسجد عن غيره من رجال القرية.- إظهار البعد المثيولوجي كاستهلال الزين الحياة بالضحك بدلاً عن البكاء ورؤية سيف الدين للموت كتمساح وفقد الزين لأسنانه في خرابة ليلاً وخواطر نعمة عن الزواج متمثلة في الفارس والفرس البيضاء. أضفت سنوات الإغتراب الطوال الموشاة بتقلد العديد من المناصب الثقافية على شخص الطيب صالح الوفي لموطنه والمعتز بتراثه وسماته ثقافة واسعة ولغة محدّثة أهلته لريادة الرواية العربية المعاصرة بالرغم من شح إنتاجه الأدبي المتمثل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال إحدى أهم روايات مجابهة الثقافات وتعرس الزين وثلاثية بندر شاه ومجموعته القصصية الأولي (دومة ود حامد) التي من خلالها إكتشف شخوصه وبيئة أعماله القادمة. لقد تمكن الطيب من خلال تكثيف رؤيته وتعددها في آن واحد من استقطاب الحقيقة والواقع والمخيال الشعبي قبل كل شيئ ولكأنه بذلك قد أشبع رغبته في الكتابة فشغل فكرة التريث في معاودتها من جديد خوف ألا تحيط الكلمة بالحادثة والفنية بالرواية مثلما مهر أعماله السابقة أن الطيب لا تملي عليه التجربة الذهنية أن يكتب بل إن المعايشة الروحية هي ركيزة أعماله مقترنة بفنية الرواية وشاعرية السرد والتحليق على جناحي الأسطورة والخيال مما مهد لتجسيد شمولية ثيماته الأساسية التي خاطبته كروائي وأثارت كوامنه كفرد معايش لها أو كمشاهد عن كثب كما اقتضت الإشارة من قبل بأن المعضلة الأساسية في فيلم عرس الزين قارّة في عدم تمكن المخرج من عكس الجانب الأسطوري وانتهاجه التسجيلية والفولكلور بديلاً عنها. جدير بالذكر أن السودان قد حفل بالعديد من الأساطير الشعبية مثل تاجوج والتي هي في الأصل أسطورة من شرق السودان اشتهرت كمسرحية أعاد صياغتها الأديب أحمد هاشم، يظل عرس الزين تجربة هاوية لم تستطع تجاوز حدود السودان على النقيض من الرواية نفسها ربما يكون ذلك بسبب اقتصار خبرة خالد الصديق على فيلم واحد قبله (بس يا بحر). لقد عرض عرس الزين كمحاولة لإحياء السينما السودانية ولكنه سرعان ما خبا وقل من شأنه بسبب الإنتقادات التي وجهت كإسناد العديد من الأدوار إلى ممثلين هواة باستثناء تحية زروق التي قامت بدور نعمة محبوبة الزين وابنة عمته وعلى مهدي بدور الزين والفنان التشكيلي المعروف ايراهين الصلحي الذي مثل دور الحنين. احتج وزير الثقافة السوداني وقتها بوناملوال على عرض الفيلم لإسناد أدوار نادلات أوكار المتعة ومومساتها إلى فتيات من الجنوب ولكن هذا لا يجد مبرراً بسبب إشتراك غيرهن من الشماليات في هذه الأدوار كما أن الواقع السوداني وقتها لم يشهد هجرة بنات الجنوب إلى الشمال ومن ثم انخراطهن في هذه الأكواخ وممارستهن لتلك المهن. وجدت بعض الأسماء السودانية طريقها إلى الشهرة من خلال ريادتها لمؤسسة السينما السودانية كحسين شريف و ابراهيم شداد وعبد الرحمن مجدي. وأخيرا لا يخفى على مشاهدي فيلم عرس الزين الأخطاء الفادحة التي اعترت مسار السيناريو والإخراج كمشاهد القرود والأهرامات والإبتعاد بالنص إلى أجواء غريبة واختلال مونتاج العلاقات والرمزية المقتضبة مما حدا باستبدال علاقة اللذة والإستمتاع بالنفور والسقوط من القمة الأسطورية إلى واقع تجريدي محض. ربما يستفاد من هذه التجربة السودانية الكويتية ويعاد تصويره من جديد أو تصوير موسم الهجرة إلى الشمال.

 

*     قرأت بحضور الطيب صالح- المنتدى الثقافي السوداني في برلين بمناسبة عيد ميلاده السبعين. 

       تحية للكاتب المبدع الطيب صالح بمناسبة حصوله على جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي لعام 2005 م

**   كاتب سوداني/ برلين – ألمانيا