Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

إن المقاربة بين المجتمعات الإفريقية/ النيلية والمجتمع العربي تقتضي بحثاً مضنياً، لإختلاف المجتمعين – كما يبدو- ، إلا أن تقاربهما، - كما سنوضح – في المنظومة الإجتماعيه، يظل تأكيداً لتشابههما، رغم إختلاف المعبود، وتأثيره بالتالي على المنظومه الإجتماعيه، التي تنبسط بدورها " كحيز" مشترك بين القبائل الإفريقية/ النيليه، والعربيه في عادتها ومعتقدها قبل، وبعد انتشار الإسلام.

يمثل خط عرض 12 شمالاً الفاصل الجغرافي بين جنوب السودان بقبائله المتعددة الضخمه كالدينا مثلاً، وبين شماله حيث تتخام قبيلة البقاره العربية الحوض الرعوي المشترك بينها وبين الدينكا على ضفاف بحر الغزال، ونهر السوباط. إحتفظت القبائل النيلية بإرثها الثقافي والإجتماعي، دونما تماهي وإنصهار في المجتمع العربي بشمال السودان، رغم عوامل الإنفتاح عبر الإعلام، والصحافه، والهجرات، وتأثير الحرب البليغ. وعليه فقد ظل الجنوب مقاطعة مستقله، في حد ذاتها.

 

وضع الإنجليز خط 12 شمالاً في السودان ، وأطلق وقتها على جنوب السودان اسم " المنطقة المقفوله". كان القصد من هذا الفاصل هو جعل الجنوب منطقة فدرالية قلقه، وإتاحه السانحه للإرساليات التبشيرية، لتغيير الأهالي هناك، دونما رقابة أو ضغوط من شمال السودان فكان أن وجهت الإرساليات مناهج التعليم إلى منحنى يشيع كراهية الإسلام والمسلمين.... وإتهام النبي(ص) بالكذب وقطع الطرق وسفك الدماء، وأن الإسلام دين إحتقار وإضطهاد لغير العرب والمسلمين.1

 

  كتب كتشيز من أوغندا عام 1892 قائلاً " ليس من شك أن الدين الإسلامي يلقى ترحيباً حاراً من أهالي هذه البلاد، فإذا لم تقبض القوى المسيحيه على ناصية الأمر في إفريقيا.... فستقع البلاد في العبوديه.."2 في المقابل نجد أن دور أبناء الجنوب العائدين من الشمال إلى موطنهم متقبلين للإسلام سلمياً  قد مكن للتقارب بين المجتمعين، كذلك الدور التاريخي والسلمي للمتصوفة الرواد في نشر الإسلام بالجنوب، أمثال سليمان داوود، والسيد عبد الله، والقادري، إلى جانب نشاط الطرق الصوفيه، التي وجدت قبولاً سريعاً بين الأهالي لأن ما أتوا به من حلقات الذكر، والطبول، والإيقاع ، كان يشابه الموروث المحلي للقبائل النيلية بجنوب السودان.

 

لم يكن التداخل الإجتماعي بين المجتمع الرعوي العربي– مع القبائل النيلية بالجنوب أمراً سهلاً فقد كانت العوائق السياسية في جعل الجنوب منطقة " مقفوله" تحت  الحصانة الإنجليزيه، أحد الموانع لتقارب المجتمعين، كذلك العوائق الطبيعية من مناخ دائم الرطوبه، وأمطار متواليه، وغابات كثيفة ومستنقعات تحوم حولها أوبئه، قلما ما تقاومها مناعة هؤلاء النازحين من الشمال شغلت قديما، هذه المناطق النائية بطبيعتها المغايره، ذهنية كثير من الرحالة والباحثين الإجتماعيين كإبن خلدون الذي حاول ربط أثر البيئه بفسيولوجيا الأجساد، ونمط الفكر والأمزجه. لم تخل إستنتاجات إبن خلدون من " الفوقيه"، والتحيز للساميين، في مقارنته لهم مع الحاميين" فسكان الشمال الساميين يتميزون  بديناميكية الفكر وفضائل إيجابيه عده، لإستقطانهم أقاليم معتدلة المناخ، ليست قاسية البيئة كالمناطق الحاره التي يأهلها الحاميون المتوحشون ً أصحاب الفكر المتدني المنشغلين بالرقص والطبول، وفقاً لمنظوره".3

 

  لم يخل السودان الشمالي من هذه التصورات والإعتقاد في " الفوقيه "، وذلك في فترة التركيه السابقه والمهدية فأسماء كالكركساوي مبعوث المهدي إلى جنوب السودان والزبير ودرحمه، وغيرهم دليل على هذه الإلتباسات، التي يصعب القطع فيها، إلا بالإشارات الشحيحه في المراجع التاريخيه. " لا ولكن فيما بعد أرسل المهدي إليهم كرم الله الكركساوي أميراً عليهم، الأمر الذي سبب خيبة كبيرة في المهدية، إذ كانوا يظنون أن أميرهم سيكون منهم، خاصة أن الكركساوي كانت سمعته مرتبطة بتجارة الرق ".4 في هذه المرحلة لم يكن الرق مقتصراً على السودان، فمثلاً وصف الكسندر فون هبمولد في زيارته لكوبا في مطلع القشرن التاسع عشر، مأساة تاريخ الرق هناك حيث كان الأسياد يوشمون الرقيق بأقراص معدنية ملتهبه، جراء تقليبها مراراً على النار، كما كانوا يفعلون مع حيواناتهم، وذلك لتميز كل سيد لمجموعته من  الرقيق عن غيرها من مجموعات الأسياد الآخرين.

 

بمقارنة هذه الظاهرة بمجتمع الرق في السودان قديماً نجد أن السيد والمسوّد، كانا متساويين في الحقوق، ومتآزرين معاً في أداء الوجبات، حتى تلاشت علاقة الرق عبر المصاهره، والعتق، وتنصيب الرقيق أسمى المقامات، وإئتمانهم على دقائق الأمور، والعرض " بقراءة ود ضيف الله نبصر تواضع الشيوخ ومعاملتهم الحسنة لرقيقهم" يبدو أن الرقيق كانوا يعاملون معاملة حسنه، ويتزاوجون مع الشيوخ... يثق فيهم الشيوخ ثقة مطلقة... وقد إعتاد كثير من التجار والملوك والشيوخ أن يعهدوا إلى مواليهم القيام برحلات تجارية نيابة عنهم، فقد كان الشيوخ مثلاً يبعثون الرقيق إثر عتقهم إلى ذويهم لنشر الإسلام سلمياً ".5

  من الملاحظ في تاريخ العلاقة بين الرق والشيوخ/ العرب، إن الرقيق كانوا يتمتعون بذوق أدبي، وفني راقي، فكان بينهم المغنون والمادحون، والأدباء بل والشيوخ كالشيخ موسى أبوقصه، وغيره من مَن تبوأ المناصب الرفيعه، وطبقت شهرتهم الآفاق بمكانتهم وبمصاهرتهم للشيوخ.

 

عقب فترة الفونج، التي ذكرنا فيها العلاقة أعلاه، وفترة المهديه، التي استغلت فيها بعض الشخصيات مناصبها لإذكاء نار النخاسه من جديد، أطل عهد الإستعمار الإنجليزي، مستفيداً من حصانته وراء خط عرض 12، لتنشيط وبعث الإرساليات ليس للتبشير المسيحي فحسب، بل لتزوير العلاقة التاريخية بين العرب والجنوبيين، وإختيار النقاط المظلمة دونما إضاءة لما حولها من دوافع وأخطاء لإشعال الكُره، وروح العداء في نفوس الجنوبيين ضد الشماليين.

 

كانت بحوث ابن خلدون السابق ذكره ورحلات بعض العرب كالمسعودي والقلقشندي مثلاً في أصقاع إفريقيا القديمة، منصفة في وصفها للأفارقة وتوثيقها لأبعاد حضاراتهم، إلا أنهم كانوا يميلون إلى تزكيتهم لمجرد أنهم من معتنقي الإسلام حديثاً، كما كان يميز إبن خلدون، وإبن بطوطه في رحلته إلى غرب أفريقيا، بين حضارة الأفارقة المسلمين، والإثنين. توالت بحوث الرحاله وعلماء الإجتماع بتوجهاتها الإيجابية الموجهة الهدف، لإثبات مبدء المساواة بين نمط فكر المسلم السامي، والحامي، مهملة بذلك التقيم المؤسس على فوقية شعوب على شعوب، لكونها ساميه. إن التناقض بين وصف التقيم المجحف لوصف البيئة الإفريقية وسكانها، من قبل الرحالة القدامى، وبين تزكيتهم لهم لمجرد إسلامهم يظهر لنا - عبر التضاد والموازنه –  مدى أمانة الوجه  الحقيقي لصفات تلك المجتمعات وبيئتهم المؤثرة في نمط فكرهم.

 

  حمل الإسلام " العروبة " لساناً، ومهد لهذا المفهوم الكامل. غير أن السوداني قديماً لم يقبل كما يبدو التمييز، بين هويته كعربي النسب، وبين " عروبة لسانه " كمسلم ناطق بالعربية. من هنا نشأ التباس ما في مفهومه للهوية، هذا كما ساهمت " الثقافه الشفهيه" وقلة التدوين في السودان لإسقاط سلسلة الأنساب العربية لبعض القبائل بداخله، فنجد البتر في كثير من الأنساب أو الرقي بالنسب إلى جدود أقربين فحسب.

 

على صعيد آخر تطل عوامل أخرى ساعدت على تعزيز مفهوم الهوية العربية كإنتساب عرقي إلى العرب، من ضمنها تشابه العادات السودانية الإسلامية بنظيرتها بالمجتمع العربي المسلم، ودخول الإسلام سلمياً وتمازجه مع الثقافة والمنظومه الإجتماعيه المحليه، واعتزاز السودانيين بها، لكونها الثقافة السائدة في الشرق وشمال أفريقيا وإعتبارهم من ثم جزء منها كقوة عالمية لايستهان بها. أما العامل الأخير فهو الموقع الجغرافي للسودان الذي أتاح له غضون الحقبات التاريخيه، أن يتداخل مع الدول العربية المتاخمه كمصر والمملكة السعوديه وأن يتأثر، ويستقطب هجرات عربيه من اليمن والمغرب وغيرها عبر دول الجوار.

 

بتجاوز الإلتباسات في العلاقة بين المجتمع العربي والإفريقي، نكتشف وحدتها، كما في أبيات إبن الفارض:

وما عقد الزنادُ حولي سوى يدي

فإن حل بالأقراد بي فهي حلت

وإن نادى بالتنزيل محراب مسجد

فما بار بالإنجيل هيكل معبد 6

 

إن هذه الرؤيا الفلسفيه شبيهة بفلسفة إبن عربي التي تدعو، وتشرح في ذات الوقت إلى وحدة الأديان، وإلتفاف الشعوب المختلفه حول تصور " ميتافيزقي واحد"، وإن اختلفت سبل الوصول إليه  فالحب/ التسامح، هو المدخل الأساسي لفهم وتقبل معتقد الآخر "المختلف" لدى ابن عربي.

 

فالبشر يعتقدون في إله، تختلف أسماؤه وهيئته كأن يكون متعدداً، أو واحداً صنماً أو ناراً، أو ريحاً، أو أي قوة مادية أو معنوية أخرى. كل اجتهد، بخيال جموح، وملكه فطريه للتقرب إلى " الإله " وكشف ماهية سره العصي.

 

اختلف المؤرخون والباحثون في علم الأديان حول طبيعة ودور الأصنام مثلاً، أهي تقرب محض " وسيله " أم أنها إله بقوة معنوية غامضه. رغم البون الجغرافي بين شعوب القارات، واختلافها في المعتقد – كما يبدو- نجد تقارباً واضحاً بينها في ا لمعتقد الديني، وتأثيره الواضح على المنظومة الإجتماعية.

 

مثالنا على ذلك المقاربة بين قبائل جنوب السودان النيلية والنوبا والمجتمع

العربي هنا نتذكر فلسفة ابن عربي، ومنظور ابن الفارضي، من جديد، حول الإختلاف المتفق.  

 

 

في المنظومة الإجتماعية للقبائل النيلية  والأفريقية بالسودان والمجتمع العربي

 

 

يعتقد " النوبا " مثلاً في إله واحد يطلقون عليه إسم " بعل "، 7 وله موكلون، يمكن مقارنتهم " بالملائكة ". إلا أنهم – في معتقد النوبا – يتمتعون بالطبيعتين المزدوجتين المعنويه، والماديه فهم مثلما يتمتعون بخصائل " الملاك" يتحلون كذلك بصفات البشر كالأكل، فنجد النوبا يضعون لهم الأكل في مكان معين، مقدس، لإحتمال هبوطهم إلى الأرض. بمرور الحقبات، تخفف النوبا من الإعتقاد في هذه الطبيعة ا لمزدوجه، وانحصر اعتقادهم في التودد والتقرب " يقربوننا زلفى " إلى هذه الأرواح " السماويه " لقد أنسلت التقاليد، بمرور الأزمان، في معتقدات النوبا كما حدث في معظم المجتمعات في تسلسلها التاريخي، فالمجتمع العربي قبل الإسلام، كان " يتفنن " في صناعة الأصنام من الحجر، وفق تصور الفرد لمعبوده.

 

بالرغم من اعتقاد العرب في الأصنام كآلهةً/ إلا أنهم كانوا يصبغون عليها الصفات الإنسانيه، حتى يتمكنون من مخاطبتها، وتوهم فهمها وما تطلبه منهم من قرابين وذبائح، لتنفيذ طلباتهم. مثلما عرف المجتمع العربي الجاهلي، وبعد انتشار الإسلام، دور " الوسيط  المقدس " كالجن، والسحره، والأولياء كشفعاء، عرف النوبا الوسيط/ الكجور، الذي غالباً ما يكون طبيب القريه، فيرتدي الملابس، والقبع المزركشة، وإليه يزعن الجميع، وتطلب بركته لا سيما لنزول المطر. يمثل الكجور الوسيط " لبعل الإله "، ويحظى بتفويضه، " " كخليفه له " على أرض النوبا، فمعه، وعبره، تتحدث الأرواح السماوية إلى الناس، ويستطلع الغيب، كما كان يعتقد العرب في الكهنه، او المسلمين في الأولياء، وأهل البيت. ظلت كل الأمم عبر مسيرتها التاريخيه، في محاولة تفسير غموض الكون، وفهم ما وراءه " ميتا فيزيقيا "، فتستنجد بالوسطاء إعتقاداً منهم بتمتع هؤلاء " بمقدرة " غير عاديه، لإختراق اللامدركات.

 

عرفت هذه الظاهره المجتمعات البدائيه، لا سيما الرعوية منها فكان الوسيط هو الساحر، وتلاه الكهنه، ورجال الدين، كسلطة سياسية ودينية معاً، مفوضه من الإله " كخلفاء له على الأرض ". على صعيد آخر يتفق النوبا في منظورهم " الغيبي "، مع المسلمين، حيث يؤمنون بحياة أخرى، بعد الموت، يسمونها " تولا "، 8 ولا ينصون كثيراً ، عن تفاصيلها، فهي لديهم، أمر غيبي يتوجب الإعتقاد فيه فحسب. تمثل النقاط التاليه في منظومة النوبا الإجتماعيه، تقارباً واضحاً مع المنظومة العربيه:-

 

-        تدفع " الديه " لأهل القتيل ويعفى عنه، أو يقتل، أو يتدخل " الكجور" كشيوخ القبائل العربيه، لإيجاد حل منصف.

-        يكون مهر العروس بسيطاً، ترغيباً للزواج.

-        كثيرا ما يفرق السارق من أبناء النوبا، المال المسروق على المحتاجين، كما كان يفعله صعاليك العرب قديماً، والهمباته بالسودان. إلا أن النوبا يغالون في مفهوم ا لسرقه، لإعتبارها عرفاً، يتعود الفرد منه الدهاء، ومغالبة الحياة.

-        نفي السارق، وشرعية السرقه عند النوبا.

-        إعتقاد النوبا في ظاهرة ( التطير).

-        التباعد في الزواج – كره الإقتران داخل الأسره.

-        نفي القاتل خوف اشتعال حرب بين المجموعات.

-        استشارة الكجور، في كل الأمور الحياتيه المهمه، والغيبيه كما يستشير العرب شيوخ القبائل، والصالحين.

-        ترميد نساء النوبا لشعورهن، وقصهن، ابداءاً لحزنهن على الميت، كما كن يفعلن ا لنساء العربيات هذا إلى جانب لطم الخدود، وشق الملابس.

-        يكون السارق في مأمن، إذ دخل بيت الكجور، فهو بمثابة حلّ حرام لا يقتل فيه، أو يشتم رغم تعدد آلهة العرب/ الأصنام قديماً، لا سيما باليمن، إلا أن ثلاثة منهم كانوا محك الإعتقاد: ود/ القمر وتكرح/ الشمس، وعشتر/ الزهره.إلى هذه الأصنام/ الآلهه كان الناس يبتهلون ويتضرعون، فكل إله بإختصاصه، كالخصوبة والمطر، ..........

 

إختلف علماء التاريخ والأنثروبلوجين، في نشأة الأديان، وإسناد الوظائف إليها، وتفسيرها لنهج المجتمعات آنذاك، والغموض الذي يكتنفها.

إلا أن كل من المذاهب المفسره " الحيوي، والطبيعي، والطوطمي " اتفقت بأن الإيمان بالأرواح كان الوسيلة الوحيدة، وقتئذ لتفسير غموض الكون " الميتافيزيقيا "، لا سيما الظواهر الطبيعية المتواليه كالبرق، الرعد، والريح ... حول هذا الصدد نجد قبيلة " النوير " بجنوب السودان، مثلاً تعتقد في آلهة عده، لكل منها إختصاص معين 9 ، فـ كول للصاعقة والرعود، ودينغ للمرضى، وريو للحرب. كما جدرت الإشارة من قبل، نجد في كثير من القبائل النيليه، وفي المجتمع العربي الجاهلي، التداخل بين مفهومي الإله كوسيط لقوة روحية عظمى . وبين كونه إله محض.

 

( أما قبيلة الشلك، فإن إيمانهم بـ " الرث "  10 الزعيم الروحي الأول السرمدي يمثل معنقداً دينياً، وسلطة تأهل الرث لزعامة القبيله. فهو في منظورهم حيّ أبداً، ذهب مع أدراج الريح، ويعود عبر مبدء التناسخ ليتمثل في كل رث جديد، وهو قائد المجموعة " عبر المتاهات ). إن هذا التصور أقرب إلى إعتقاد اليهود في موسى كقائد لهم في المتاهات منه إلى المنظومة العربية، يوهب كل رث مقدرات فائقة في التحكم على الظواهر الطبيعية فيظل – في منظور الشلك – رمزاً للريادة الإدارية، والروحية معاً. حول هذا الصدد نجد أن الكنيسة قد استفادت قديما، من تجاربها في تنصير الأهالي بأفريقيا في ظل الإستعمار الإنجليزي مثلاَ، فنصرت كاهن القبيلة / الوسيط المقدس / أو الرث، اول مايكون ليسهل عبر تنصيره كقائد للقبيله، تنصير كل أفرادها. هنا ينجلي الدور التكتيكي للكنيسة في نشر المسيحية كذلك في تبنيها لأعراف القبائل الإفريقية داخل المنظومة المسيحية، كأن تساوي مكانة الكاهن بالقس، والمحافظة على المنظومة الإجتماعية للقبائل- بغزوها من مواقعها.

 

 على صعيد آخر، أما الدعاة المسلمين في جنوب السودان ، فكانوا يقتربون من البنى التحتية للقبيلة فيدعون البسطاء إلى الإسلام دون خطة معينة ، أو استراتيجية ما، إنطلاقاً من مفهوم الأجر والأسلمة السلمية، لكل من تيسر لهم لقاءه.

 

 باستثناء دور المتصوفة، والطرق الصوفية، في نشر الدعوة الإسلامية بالجنوب، عبر التسامح، والطبول وحلقات الذكر، الشبيهة بطقوس الجنوبييين...، نجد أن الدعاة المسلمين السلفيين بتأكيدهم الحازم على مبدئي الحلال، والحرام، قد كبلوا المنظومة الإجتماعية للقبائل النيليه، والفرد المسلم حديثاً، فضيق بذلك حيز التقارب بين المنظومتين العربية / المسلمة، والإفريقية. لقد نهض " الوعي " العام بالسودان ، فيما يخص النزاع بين الجنوب والشمال، عبر السلام والأعلام والصحافة، وهجرة الجنوبيين إلى الشمال وتخفف الشمالي، والجنوبي، على السواء، من المواجهة التاريخية الأليمه، والتي لعب الإستعمار فيها دوراً واضحاً بإستهدافه للإسلام والعرب كمسببين للحرب وكره الجنوبيين لهم، بسب النخاسة والتهميش.

 

في منظومة الدينكا الإجتماعية والمجتمع العربي:

 

تكيف الدينكا على بيئتهم الإستوائية الممطرة، وعلى ما ترفده بهم الطبيعة من موارد، هذا إلى جانب أبقارهم، التي أصبحت " صنواً " لهم. " وكذلك تكون مناسبة للشباب للإهتمام بالزينة وإبراز شخصية الثور، والإنغماس في البهجه، والغناء والرقص. وعادة ما تعكس قيم الدينكا وممارستهم المتعلقه بالأبقار المضامين السياسيه والإقتصادية والإجتماعية والثقافية لحياتهم بشكل عام، وملهماً لأشعارهم وأحاديثهم، ومهاراتهم الرياضيه " 11. في هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة والحيوان، يلتقي الدينكا بالمجتمع العربي البدوي في إعتزازه، بالصحراء، والإبل، كمصدر حياتي أول، وكوسيلة للتنقل، وملهم للأشعار، والوصف، ومعلم مميز لا ينفصل عن ذكر الحبيبة والوجدان. على صعيد آخر لا يفصل الدينكا الطبيعة المطوقة بهم، وأرضهم عن الأدب الشفهي المتوارث والعمارة، حيث تنتصب في حل القرية أكواخ دائرية من الطيب وأعواد، وأوتاد خشبية مدمجه، تزينها رسوم للأبقار والثيران ولصبية القطيع والحراب، ورحلة صيد الوعول والسمك.

 

 إن استخدام الدينكا للطين مثلاً في بناء الأكواخ " المعسكرات المتناثره " لا يمثل تواتر للأرث المعماري فحسب، وإنما هو إعتزاز بالبيئة نفسها/ الطين، فهو مقدس لديهم، متجاوب مع تغيرات الجو بدفئه شتاءاً، وبرودته في الصيف، كشأن الوبر في حل / خيام البدو، الذين يتجاوبون بدوهم مع بيئتهم القاحله.

إن تغني الدينكا، لأبقارهم وثيرانهم لا يعني وصف حبهم وتقييمهم لها فحسب وإنما هو رمز لشخصياتهم " ولثروة أساسية. " ولأجل هذا يُعرفون بشخصية الثيران، وإمتلاك شخصية الثيران تتم وفق لألوانها... بحسب ترتيب أمهاتهم في الزواج وفي تاريخ الميلاد... كأغلى ما يكون من مهر للزواج " 12. لا تختلف هذه العلاقة عن إرتباط البدوي بناقته فهي ضمان أكله وشربه، وملبسه، ومطيته إلى محبوبته عبر فجاج الصحراء وأنيسته في ترحاله، وملهبة قريحته بالشعر، فالناقة كما يبدو في المجتمع العربي الرعوي هي كيان بحاله مترسخ في وجدان البدوي، فتراه يغني لها حين تولد، ويسميها كما يسمي أطفاله، ويعتز بها بين القبيلة، ويرثيها إن هلكت، أو إن إضطر لذبحها أو لإكرام ضيفه.

 

في النقاط التالية ترد جزء من المنظومة الإجتماعية للدينكا، حيث نلمس التقارب بينها وبين المنظومة الإجتماعية للمجتمع العربي :- 

 

-        إعتقاد الدينكا في أن إرضاء الإله هو مصدر التوفيق في ا لحياة.

-        يعتقد  الدينكا في " جاك " الموكل بتنفيذ لعنة الإله على البشر، وهذا شبيه بدور ملائكة العقاب في قصص الأنبياء حيث يرسل ملك منهم لعقاب البشر الكافرين فيخصف بقريتهم.

-        تقديم الدينكا القرابين للإله لتلبية حوائجهم، من قبل الإله مثلما ينذر المسلم لقضاء حاجته.

-        يتطير الدينكا من الثعابين، كما يتطير العرب قديما من الكلب الأسود، والغراب.

-        إعتناء الدينكا بالأرمله، وتعويضها بأحد أقرباء الزوج المتوفي.

-        يقسم الدينكا القبيله إلى مجموعات داخلية أشبه بالنظام القبلي العربي ( بطون، وفخوذ، و.... ).

-        يحرم الدينكا، في حروبهم مع القبائل الأخرى قتل النساء والأطفال والشيوخ.

-        يترنم الدينكا بأغاني الحماس، وقدح العدو، ويتدربون منذ الصغر على فن القتال، بالحراب، والمصارعة كما عرف العرب المصارعة والطعن بالخناجر والمفارعة بالسيوف.

-        تبني الدينكا للنظام " العمري " في أولوية إدارة القبيلة، وتوريث زوجات الأب.

-        تخليد الميت بأبناءه، وحب الدينكا للإنجاب.

-        يعتقد الدينكا في إشتراك الآباء في " خلق الأبناء "، لكونهم " المكون العضوي " .... في منظورهم هذا يقتربون إلى المسيحيه / الطبيعة  الثانئية للمسيح ". يؤمن الدينكا بأن السلطة الروحية في هذا العالم يمثلها الأب كممثل لله والأجداد.

-        ينادي الدينكا نساءهم بأسماء أبناءهم.

-        تقديس القيم الخلقية كالكرم والشجاعة.

-        يقدم الدينكا الأبقار كمهر، مثلما يزف العرب / الإبل كمهر للعروس.

-        يعظم الدينكا أبناءهم، ويوقرون الخال.

-        اعتقاد الدينكا في إله واحد.

-        الإعتناء بالإنتساب العائلي.

" يمكن وصف ديانة الدينكا بأنها ديانة توحيدية، لأن الدينكا يؤمنون بأن هنالك إلهاً واحداً، وسمونه ( Nhilolic ) نهاليك وهي كلمة تعني ( الأعالي ) " 13.

-  بتتبع السيرة الذاتية لدينق مجوك نجد أن سياسته القبلية كزعيم للدينكا وتعامله، مع القبائل الأخرى، والعرب بالأخص كانت تقوم على السلام والحنكه للحفاظ على مصالح القبيله، أقرب ما تكون إلى سياسة النابغة الذبياني " رسول السلام "، الذي ظل يدافع عن مصالح قبيلته " بني ذبيان "، ويخلصها بحنكته من غضب مملكتي الغساسنة والحيرة، العظيمتين وملكيهما القويين. استخدم النابغة في سياسته " للسلم "، الحكمة، والإعتراف بفضل الأقوى، ومدح كرمه، وحلمه، فقد كان يدرك تفوق العدو " عسكريا "، وتسنحه الفرص للإنقضاض على القبائل المناوئة له، والإضعف عتاداً.....

- ( ولاحظت أخيراً روح النابغه، وحبه للسلم وفناءه في قبيلته ورغبته في أن تكون لها مكانها وإستقرارها وأنه جاهد في سبيل كسب صداقة غسان وإنضجامها على جانبه في أكثر من موقف. ونستطيع أن نعتبر إتصال النابغه بغسان تفسير قبلياً، ونزيد توضيحاً فنقول أن إتصال النابغه بغسان كان من أجل القبيله، وكانت سياسته ترمي إلى وجود روح من التفاهم والود الذي يضمن لبني ذبيان إستقراراً وأمناً في الإقليم المجاور للغساسنه، وهي الدولة الكبيرة التي تعتبر صداقتها كسباً سياسياً له قيمته...) 14.

 

إن الصراع القبلي، القائم بين الدينكا والقبائل النيلية الأخرى، وبين العرب / البقاره هو في الواقع صراع مصالح، وتحدي لإمتلاك المراعي والماء حول حوض السوباط مثلاً. أن هذا الصراع لم يخل من النعرات، والشعور ( بالفوقيه )، لذا كان من الطبيعي أن يبزع رسول سلام، ومصلح إجتماعي كدينق مجوك، ليحافظ على أمن ، ومصلحة قبيلته، ويخفف من وطأة الحروب " القبلية ".

 

  " قد كان يصنف نفسه مع الشمال، وكان يحمي مصالح العرب في منطقته. في الحقيقة كان في بعض الأحيان يبدو وكأنه يخدم مصالح العرب أكثر من أبناء شعبه، وذلك ما أكسبه الإحترام والقبول، والتأيد من العرب كدينكاوي وسطهم. بتحيزه للعرب شعر دينق مجوك بالأمان لمواجهتهم، معتمداً في ذلك على مساندة العناصر الفاعلة منهم، كلما تعرضت مصالحه أو مصالح شعبه للخطر من قبل أي عربي سواء أن كان زعيماً للقبيلة المجاوره أو مسئولاً في الحكومة المركزيه 15، بقراءة السيرة الذاتية لدينق مجوك، يتضح لنا أن شخصيته محاطة بهالة لا تخطئها العين، وكانت الندبة العليا تبرز كاريزما وجهه، وهي نتيجة جرح مخلب أسد، كان قد قاتله بشراسه بالرغم من شجاعة دينق مجوك وريادته للقبيله إلا أنه كان يؤثر مبدأ السلام للحفاظ عليها.... " ولا يتمكن زعيم القبيلة من فرض سيطرته والمحافظة على الأرض وتحسين وضع الناس عن طريق إستخدام السلطه أو القوه فقط، ولكن أيضاً بإستخدام مكانته لتأمين السلام، والأمن والإزدهار "16.

 

 كما بدرت الإشاره من قبل إن تقارب بعض منظومات القبائل النيلية بجنوب السودان والأفريقية كالنوبا، بالمجتمع العربي لا يعني بالضرورة تأثرها المباشر بالتيار الإسلامي، أو الأعراف العربية، للقبائل المتاخمه، وذلك لتوفر هذه المنظومات الإجتماعيه، أصلاً بين تلك القبائل التي كان من الصعب الوصول إليها لإنفرادها في تلك البيئات الإستوانيه، المطوقة بصعوبات طبيعية وحرب أهلية.

 

يعتمد الدينكا ككل القبائل النيلية الأخرى، على الشفاهة في حفظ  التراث، وشجرة الأنساب، فينظمون في ذلك التراثيم، ويتحلفون قصاص القرية لإفادتهم. في  المقابل نجد إعتماد العرب قديما، على الشعر في تأرخه أحداثهم والمواقع، والحروب.... بالرغم من أن قبيلة الدينكا القبيلة الكبرى بتعداد أفرادها، وإنبساطها في رقعة واسعه، بين القبائل النيلية الأخرى إلا أن أفرادها، ومجموعاتها الداخلية من بطون، وأفخاذ، متماسكون، وحريصون على وحدة وخدمة القبيله. يقول طرفه بن العبد:

إذا القوم قالوا من فتىحسبت بأنني         عنيتُ فلم أقعد ولم أتلبد.

 

يُقسم الدينكا الرجال إلى ثلاث مجموعات: أبناء الله، وأبناء الرجال، وأبناء النساء... أما أبناء الله فهم الأنبياء والمصلحون والحكماء...، وأبناء الرجال هم الفرسان، أما أبناء النساء فهم المتخاذلون ضعاف الهمه، وهو تقسيم لا يختلف بدوره عن منظور العرب لمجتمعهم، لا سيما حين تُمتحن القبيلة بالحرب، فيتجلى الفرسان، والمصلحون الذين يدركون مغبة الحرب، وتفوق العدو عسكرياً، كما يظهر الجبناء المتخاذلون بنسجهم للحجج، ليقعدوا عن الحرب.

 

يذكر فرانسيس دينق في كتابه سيرة زعيم ومجدد بأن زعماء القبائل يتميزون بوضع خاص، فأكواخهم وحظائرهم أكثر وفرة وجمالاً، دلالة على تعظيمهم وقدسيتهم، فهم الموكلون بأمر الله وإدارة شئون القبيله. بالرغم من تمتع هؤلاء الزعماء بمكانة، ووضع مميز إلا أنهم ينشأون أبناءهم كأبناء العامة ويعلموهم المصارعة، والرمي بالرماح.... حتى يكون بموسوعهم فيما بعد إدارة القبيلة، وفقا لمنظومتها الإجتماعيه وبناءاً على تجربتهم الحياتية بين عامة أفراد القبيلة.

 

أما على صعيد علاقة الرجل بالمرأة، في مجتمع الدينكا، فنرد النقاط، الشبيهة بالمنطومة الإجتماعية العربية:-

- تكريس الأم عامين للحضانة.

- تدخل زعماء القبائل في العلاقات الشخصية كالزواج مثلاً.

- يجوز للدينكا طلاق المرأة العاقر....!

- إطاعة الزوجة لزوجها، وهجره لها إن نشزت.

تسديد المهر بالأبقار كرمز لإستمرار الإنجاب، والسلاله.

 

بالرغم من سيادة السلطه الرجوليه في المجتمع  العربي إلا أنه ظل يعترف، ويقيم دور المرأة في تنشأة الأطفال، وحضانتهم ومنحها لهم الحنان كقسط طبيعي يحوجه الطفل قبل إكتمال عوده فينشأ بعد ذلك على الخشونة والمسئولية تجاه نفسه، والقبيله والتحفظ من إبداء المشاعر، لإعتبارها ضعف، في منظور القبيله.

 

مثلما عرف المجتمع الجاهلي حرية أختلاط المرأة والرجل، يقر الدينكا بهذا التداخل، فهم يرون في فلسفتهم المحليه، بأن الرجل والمرأة لم يخلقوا ليحجبوا عن بعض، كما أنهم يفسرون تجوالهم عراة، إلا من خرق تلف الوسط في بعض الأحيان بإظهار الهيئة الفطرية التي ولدوا بها، فما من ثمة سبب لإخفاء ما أنشأه الإله " عارياً ".

 

يلتقي الدينكا من جديد بعادات المجتمع العربي، في الغناء والرقص " الطقوسي "، لهطول المطر، ومراسم التتويج، فيرقصون، وينشدون الترانيم. في المقابل يحتفي البدوي، في بيئته القاحلة " بالغيث " فيفتتح قصيدته بالنسيب، وأثر المطر أو تدبيج قصيدة كاملة في الغيث وأثره.على صعيد آخر يحتفي الدينكا بمراسم التتويج فيتحلون بأساور العاج، ويلونها، ويمسحون أجسادهم بالزيوت، ويرقصون رقصات الحماس الوقوره كرقصات البدو العرب في مراسم التتويج.  يتفاوت إنفعال الراقصين من راقص إلى آخر بين إيقاع الطبول والأغاني، إلا أن الدينكا، كما يبدو بشكل عام، يؤثرون الإعتدال في الرقص، وتجنب الميوعه:-

 

 

      " ياكول،.....

                   أنا رجل محترم،

                                      يرقص

                                                دون أن يخشى على عظامه

                                                رجلٌ رشيق،

                                                كشيئ بهيج " 17.

 

يمثل نثر الرماد المبارك على وريث العرش وتقليده الحراب المقدسه شعار التتويج عند الدينكا 18 ويشبه ذلك الطاقيه أم قرنين ونثر الماء أو الحليب فوق هامة المتوج في عهد سلطنة الفونج بالسودان، أو كاإستلام مفاتيح الكعبه قديماً، دلالة على رعاية وحماية البيت المقدس.

 

أما إختيار وريث العرش لدى الدينكا فيورث عادة الإبن الأكبر، أو ابن الزوجة الأولى إن كان الزعيم مزواجاً، الأمر الذي يثير الفتنة بين الإبن المورث وأعمامه، كما هو الحال في المنظومة الإجتماعيه للقبائل العربيه.

 

المراجع:

-  السودان لمحمود شاكر ( 7 )

- ( البعد الديني لدكتور البوني ) ( 1،2،4 )

- سيرة دينق مجوك لدكتور فرانسيس دينق 6/8/9/10/11/12/13/15/16/17

- النابغه الذبياني لدكتور محمد زكي العشماوي (14)

- قراءة جديده لطبقات ود ضيف الله لدكتور مختار عجوبه (5)

- مقدمة ابن خلدون (3)