تمر صورته في مخيلتي كفيلم سينمائي عميق الأبعاد جذاب متعدد المشاهد فمرة هو محمد زين الشاب الأنيق الوسيم , ومرة شخصية واقعية تترفع على الحضور بتحدي منطقي وبراءة نادرة فأتذكر

( ألفه الفصل )المناط به تأديب المشاغبين , وما أكثرهم في برلين ...." .

لا أدري متى التقيته أول مرة فكلما حاولت تثبيت تاريخ أو معلم معين انفلت كبارقة قصيدة , أو شبح مرح في قصر مهجور . ألا إن ثمة لقاء لا أنساه يوم التقيته يدفع بدراجته في ( فست أند) وهو يهم الانطلاق بها . تصافحنا وقال لي أنه عاد من رحلة جيولوجية خارج ألمانيا .

تحدثنا طويلا وافترقنا ..... نظرت إليه وهو يمخر موج الريح بدراجته ناشدا هدفا ما . أفضيت إلى ذاتي وقتها بأنه ( محمد زين ) واضع الهدف نصب عينيه ) وما أجمل اسمه الذي يذكرني دائما بأستاذي الروحي محمد زين أبو كساوي تلميذ الشيخ العبيد ودبدر.

سألته في ذات يوم أن كان ثمة صلة بينهما فرد بابتسامة عذبة"يا زول عرب الخلا كلهم ,لو  سألت أي واحد فيهم  تلقى   اسمه محمد زين " حسنا إذا هو ليس من أحفاد ( محمد زين أبو كساوي ) ولكنه من كوستي من خواجه كوستي اليس في هذا فخر له ؟

كما أنه تكرم على شرق النيل في الجريف شرق موطن فباب  أجدادي بفتح أستديو تصوير ثم أغلقه ولو صبر قليلا إلى أن تم إنشاء جسر المنشية الرابط بين الجريقين  المحمولين على أكتاف الشيخ ودبدر11 ,  لأصبح من كبار المستثمرين ؟ من يدري ربما هو كذلك يخصف الدنيا ويقلبها بدربه ولكن خلف الكواليس .

قال في إحدى الجمعيات الأدبية – وهو سكرتير الجالية السودانية المرموق . سأتحدث في المحاضرة القادمة عن موضوع بعنوان (طبائع الاستبداد). كنت أعلم في سري بأنه كتاب للكواكبي ولكن ما الذي دفع به للحديث عن هذا الموضوع ؟ ألانني  (ترفعت) مازحا في موقف ما ؟ سألت الصديق الكريم الفاتح عبد الماجد عن السبب فلم يرد لأنه كان كعادته في عجلة من أمره لاستقبال ضيوف في منزله الذي وصفه الصحفي محمد شريف (بالبانهوف تسو)2.

ربما نفاجأ يا أخي محمد زين بهذه الأمسية المقامة احتفاء بك فأنت لست غريب علينا ولا بعيدا عنا رغم أنك تسكن في قلب مطار فرانكفورت أو كرانكفورت4 كما يسميها الأستاذ حسن عبد الوهاب .

ربما فوجئت بهذا الاحتفاء بشخصك الخليق بالاحتفاء إلا أن المفاجأة

لن تكون بمثل الصدمة التي عشتها في دار الجمعية الأدبية في ذات مرة حينما شرعت في محاضرة عن أسطورة عرس الزين للطيب صالح .

أتدري ماذا حدث في عرس الزين يا ابن زين؟ نعم لقد كانت صدمة بحق لن أنساها طيلة حياتي إذ دخل الأخ الصديق دكتور حامد فضل الله برفقته الأديب العالمي الطيب صالح . لا أدري كيف حاضرت, وأي أخطاء وتهويمات أتيت بها من كثرة إرتباكي بحضور الراحل المقيم الطيب صالح, غير أنه فاجأني بقوله : أبعث بهذه الدراسة إلى دوريات ذات مستوى رفيع . طلب مني الأخ حامد فضل الله في ختام الجلسة

أن اصطحبه مع الأستاذ الطيب صالح لنستأنس في مقهى ليلي. اعتذرت لأنني مرهق كنت وتوقعت أن يظل الأستاذ الطيب صالح في برلين فإلتقيه من ثم. لم يحدث شئ , فقد غادرر الأستاذ الطيب صالح مسرح الحياة دون عودة دون ان أحظ بلقائه ثانية .

لا أدري يا خبير الاتصالات محمد زين ما الذي جعلني أربط شخصيتك بشخصيات معينة .ربطا ليس وثيقا أقرب إلى التماس والتقاطعات في نواحي معينة .

إنك تذكرني بشخصية محجوب ليس محجوب الطيب صديفنا البرليني ابن البركل حاضره أقدم وأرقى حضارات العالم وإنما محجوب المتميز (بموضوعية عالية )في رواية موسم الهجرة  الشمال  للطيب صالج فكان ينظر إلى الحياة ة والناس في قريته \ ود حامد من منطلق الجد والمسؤولية, ومثلما كان يمنح الناس   والحياة  عطاء ثرا ككل المزارعين مثله , كان يطالب بحقه فلم يطمئن إلى السلطة والأحزاب , فأسس  حكومته بنفسه , فكان رئيس المشروع في القرية والمسئول الأول عن شؤونها .

أما أنت يا أخي (محمد) فكنت (الفه الفصل) في جمعيتنا الأدبية ومثلما منحتك ألمانيا من مميزات التعليم والمنحة والعمل إلا أنك قد كونت حكومتك بنفسك.... عدت وتزوجت من السودان وتواصلت معه كانقلاب سري على ألمانيا .

لا أدري ماذا أسميك ؟مثقف فوضوي ؟ وطني قلق ؟ جيولوجي صبور ينخل أهاب الأرض كالدود  ويتنبأ بانفجار بركان هنا أو بئر بترول هناك؟ أأسميك محمد زين عامر كما نعرفه ولا نعرفه !

إنك تذكرني بأكثر من شخصية لا مجال للحديث عنها , فإننا نود

الاستماع إليك وقد ألفتك موسوعة في الأمثال والحكم السودانية .

هذاهو محجوب المزارع متكأ على معوله , يتصبب العرق من جبينه في الحقل , لم تمنحه الحياة أكثر من قوت يومه وهاهو  محمد زين يبارح العمل الميداني في العراء كجيولوجي متمرس ليقتعد كرسيا وثيرا في مكتبه بفرانكفورت قبالة نهر (الراين) متصفحا ذاكرته ساخرا بعد من صراع روبرت كوخ والسيده أبسلانتي .3

أقول هذا وأعلم أنه منح بحق قسطا في الحياة لا بأس به لأنه موضوعي , وجاد, وبهدف حياتي  كالشخصية ألالمانية الننمطية وهو فوق كل شيء سوداني بقلب كبير كالزين في أسطورة عرس الزين رغم اننا لم نحضر عرسك ياابن زين .

                  إشارات:

_1 إشارة إلى عبارة الشيخ محمد بدر (جريفاتي فوق كتفاتي, أي أن الجريفيين شرق وغرب على أكتافي دلالة على اهتمامه بهما .

_2 بانهوف تسو هو اسم محطة القطارات الكبرى ببرلين , وقد أراد الصحفي محمد شريف بأن يربط دخول وكثرة ضيوف الفاتح عبد الماجد بكثرة المسافرين في هذه المحطة .

_3إشارة إلى رئيس وزراء ولاية هسن بألمانيا ورئيسة الحزب  الاجتماعي الديمقراطي  سابقا في هذه الولاية .

 4_هكذا يسمي الاستاذ حسن عبد الوهاب مدينة فرانكفورت ب كرانكفورت أي مدينة المرض