لقد أسس الكاتب في نظرته إلى البيئة - علاقة الإنسان بالمكان – لمنهج حياتي متكامل أسس بدوره للحياة الطبيعية الفطرية البسيطة فمثلما كان الجد والراوي كامتداد طبيعي له كان الكاتب كذلك. لقد صرح في إحدى لقاءاته بأن القرية النموذجية الطينية التي أسسها المعماري المصري"حسن فتحي"خير دليل وإثبات على عودة الإنسان"الحضري"  إلى الفطرة والمقومات الطبيعية خاصة الطين ليتواصل مع الحياة في شكل متزن.

       كان الجد – كما ورد في المقطع السابق من الرواية. نموا لهذا المعمار إذ أسس بيته من الطين وكان امتدادا للحقل وقريته ود حامد، أما الراوي الشبيه بالكاتب فقد نظر إلى هذا العالم القديم بنظرة ثاقبة ومقارنة إذ داخل بين البيئة الأوروبية المناخية سريعة التقلبات وبين هذا المكان المجتمع القروي ثابت الأحداث .

 

      لقد ظل الكاتب منازعا بين عقله بتفكيره الأوروبي بناء على غربته اللندنية الطويلة وبين روحه التي لا تفتأ ترفل في بيئته القروية البسيطة وماضي أشبه بالعالم النموذجي، لقد تأكد مفهوم"علاقة الإنسان بالمكان"في أكثر من موقع – حادثة أو شخصية ،فالطالب مصطفى سعيد مثلا اختصر أثرعلاقة الإنسان بالمكان ، كتجربة مصيرية تحدد منهج حياته وتعامله مع الآخرين فما كان فشله الاجتماعي في أوروبا إلا افتقارا إلى هذه العلاقة الإنسانية العظيمة. نشأ البطل يتيما وأمه لا مبالية باردة الإحساس وكان بلا أهل وأصدقاء. هذه صورة عالم بارد  كالبطل نفسه  واجهها الكاتب بصورة عالم دافئ متجذر في علاقاته الاجتماعية وكذلك بالمكان قرية ود حامد. ( )

       اختصر البطل أهمية علاقة الفرد بالمكان باختياره لقرية ود حامد لتسد هذا الحواء الروحي الذي عاشه وسطر في رسالة وداعه قبل انتحاره – كما ورد في المقطع السابق من الرواية – حنينه إلى هذا الفردوس المفقود الذي لم يتمتع به مرة واحدة في حياته فأمل أن ينشأ أبناؤه في" قرية ود حامد" بين أهلها الطيبين وذكريات فيضاناتها ومواسم  الزراعة والحصد.يقول بروفسر إدوارد سعيد:

"إن فكرة التعددية الثقافية والهجنة التي تشكل الإجتناس الحقيقي للهوية اليوم- لا تؤدي دوما إلى السيطرة والعداوة، بل إلى المشاركة وتجاوز الحدود وتثبيت التواريخ المشتركة والمقاطعة . ( )

      لم يكتف الكاتب بعالمه المصغر الشبيه بقرية ود حامد ،وإنما حاول تعميم صورة هذا العالم النموذج على السودان كله لأنه كما صرح – ويبدو لنا-قد عاش في مرحلة أواخر الاستعمار وما بعده بقلب في قرية بشمال السودان شبيهة بهذا العالم المتخيل .إن صورة السودان المتسامح والنموذجي في علاقاته الإنسانية والحرية تبدو واضحة في مقطع وصف(الصحراء)بالتفاف المسافرين وسمرهم كل على مذهبه الحياتي لا يهمه إلا الرباط الاجتماعي, فمثلما ابتهج أفراد الجمع المتفاوتين المناسبين ابتهج المكان ،الصحراء وتحول من بلقع إلى ساحة مضيئة في الليل وعرس خليق بالخلود. . ( )

 

      أما المقطع الثاني"رسالة وذكرى"؛ رسالة البطل مصطفى سعيد للراوي قبل اختفاءه أي انتحاره الفرضي فيعكس بوضوح جلي أهمية البيئة المكان والمجتمع في حياة الإنسان وانتقاء دوره الطبيعي الفطري لخلق علاقات سوية مع ذاته والآخرين،  عندما تنتفي من حوله كما حدث للبطل.

      فرغبته بأن ينشئ أبنية في قرية ود حامد بين أهلها الطيبين وذكريات حوادثها وحصاداتها ومواسم الزرع والفيضانات لا تمثل إلا إدراك البطل لتطور وامتداد هذه المؤشرات على الذات الإنسانية.يقول ناقد ألماني عن تمزق الذات الانسانية في هذه الرواية .".... تعكس هذه الرواية مرحلة وفكر الاستعمار وما بعده .) ( ) قول البطل بأنه كان يحلم منذ صغره بهذه البقعة النائية عند منحنى النيل وما وجوده فيها محض صدفة ،وإنما لبحث دؤوب عن محيط مثلها يملأ فراغه الروحي وينقذه من فشله واكتئابه الاجتماعي .

كان البطل هاربا من لغز الموت والرغبة في الانتحار الذي ظل يلاحقه بعد اغتياله لزوجته الانجليزية جين موريس، وقد تجاوز هذه الأزمة النفسية في قرية ود حامد المثالية لولا إدراك البطل لماضيه .

 

ما يهمنا هنا هو اكتشاف البطل في رحلته في- البحث عن الذات ؛ لسعادة الذات الإنسانية  بأكبر قسط ممكن ، إن توفرت لها علاقة وطيدة بالبيئة"المكان والمجتمع".

     يقدم الكاتب لنا نموذجين متناقضين تماما هما: البطل المناصر الأوروبي  الثقافة اللآمنتمي وبلا جذور وصلته بالزمان والمكان . والراوي الشبيه بالجد والكاتب نفسه القروي البسيط المتجذر في علاقته بالماضي والأرض . وبين هاتين ينبسط المكان البطل الحقيقي ليشخص الشخصيات ويتلون بلون الحوادث من انتحارات وتطرف في بيئة لندن المدنية وبثبوت مسح الأحداث في قرية ود حامد. ومثلما كان المكان بيئة الراوي النخل والنيل وجده ، افتتاحية الرواية كانت خاتمتها بانتحار البطل في النيل ومحاولة انتحار الراوي فيه. أما منتصف الرواية فقد كان امتدادا لحقول قرية ود حامد والزرع وأشجار الصحراء كتعامل الطبيعة مع الحياة، تعامل جد الراوي فكان متقشفا كأشجار الطلح متواضعا يجلس على أسرة واطئة من خشب الحراز، بل ويبني بيته من طين الحقول والأعشاب .....، أما الصحراء المقطع الثالث فهي لوحة جمالية تكشف لنا مقدرة الكاتب في التصوير ورسم البيئة الطبيعية ودمجها في صلب الموضوع , فالصحراء لم تعكس لوحة جمالية فحسب, بهدوئها ورمالها وسمائها صافية الزرقة وآلاف النجوم، بل هي (السودان مصغرا) تلتقي على رماله كل الشرائح الاجتماعية المتفاوتة، فلا يشوبها صراع أو مشاحنة بل الحب والتسامح والكرم ولاحترام الحرية الشخصية كل على مذهبه.

     بهذا يمكن القول إن الكاتب  بأسلوبه الإيحائي  قد عكس العلاقة بالمكان في أقصى دلالاتها؛ المكان الرمز – المكان الذات – المكان اللوحة الطبيعة – وأخيرا البحث عن الخلود ، ان تطابق الراواي الشبيه بالكاتب بالمكان المتكرر دائما في هذه الرواية جعل من البطل الحقيقي في الرواية، يقول الناقد الألماني اشتفان فوغر: إن الشخصية الرئيسية في الرواية ليس مصطفى سعيد ولكنه الراوي نفسه ". ( )

في بيئة القصة :

      يقول هانز كونش الناقد الألماني والسويسري".... ( ) ربما يكون إصرار الطيب صالح على المسرح التجريبي والتقليدي في هيكلية السرد في هذه الرواية الصغيرة .... هو الذي جعل تباين الثقافات الحالية حول السرد القديم مكسور بالغبار ... ( ) أن المسرح التجريبي في هذه الرواية هو بيئة القصة "حقيقتها الزمانية والمكانية , وكل ما يتصل بوسطها الطبيعي والاجتماعي، وبالتالي أثرها على الشخوص وأساليبهم في الحياة، وكما هو معلوم فإن دور محيط البيئة لا يختلف عن المؤشرات المسرحية" المساعدة على إبراز الشخصيات .

     ما يهمنا هنا في هذا البحث هو أن الكاتب رسم بيئة القصة بالوسائل نفسها التي استعان بها في رسم شخصياته أي أن الراوي وأهل مجتمع قرية حامد مزارعون تجسدت البيئة الزراعية (النيل) الحقول, والنخل,في رسم شخصياتهم وتصرفاتهم فهم بسطاء,امتداد للأرض نفسها في منأى عن المدينة وحياة التصدع التي عايشها البطل مصطفى سعيد.  ويمكن القول إن البيئة تنطبق على شخوص قرية ود حامد فلا يستثنى " زيهم الزراعي" السراويل,وجلوسهم على الأرض, والأسرة المنخفضة، دلالة على التواضع والتقشف .

      لقد اقتصر الكاتب على زاوية واحدة نظر من خلالها إلى الحياة وبهذا حدد منظوره في بيئة قروية مقتصرة في نطاق محدود,كأنه يكتب بحثا . فالكاتب من بيئة قروية زراعية بشمال السودان , هاجر إلى لندن وعاش فيها إلى أن توفي بها عام2009 وما كتابته لهذه الرواية إلا تحقيقا لذاته أتوبوغرافيا، متجسدة في شخصية الراوي ابن شمال السودان القروي الذي هاجر إلى لندن للدراسة وظل يحلم بقريته"ود حامد" وأهلها البسطاء .

       نلاحظ أثر البيئة الطبيعية في هذه القرية على شخصية الراوي وأهل ود حامد منعكسا في أذواقهم وبساطتهم على النقيض تماما من البيئات المدنية أو التجارية أو البحرية.....  ) وإن الطبيعة "النيل والحقول" والاجتماعية في هذه القرية تعكس طبقة برجوازية صغيرة طبقة المزارعين .هذا جانب، أما الجانب الآخر هو تصوير الكاتب لأثر البيئة الحقبة الاستعمارية على سلوكيات البطل من عداء شديد للاستعمار,وحبه للثأر بطرق معوجة كالجنس والتخريب والفوضى . – ".... إن الطيب صالح استبق في روايته هذه سبق بعقد من الزمان"نقد الاستشراق لادوارد سعيد. ( ) ونعلم أن أثر البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها البطل كان سببا لشذوذه,وعدم انتمائه, فقد كان بلا أهل , وأمه باردة الإحساس لا مبالية به,فنشأ يتيما لوفاة أبيه قبل ولادته.هذه هي بيئة البطل الاجتماعية البلقع فما كان لقاؤه للاستعمار الذي علمه وأوفده إلى لندن إلا لقاء قائم على رد الدين وعدم الإحساس بالمعروف والجميل للمستعمر.

      وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب لم يهتم بوصف البيئة الطبيعية كوصف، وإنما أدخله في صلب الموضوع أي جعله عاملا مؤثرا على الحوادث والشخصيات فنقرؤها ككشف عن عواطفها وأحاسيسها الداخلية تجاه موقف معين وبالتالي تكون امتدادا لتطور الشخصية"كما في شخصية الجد".أو يكون الزمن الليل مثلا جزءا من النسيج الروائي كما في فصل مع أرملة الراوي،حب,خوف,ورثاء، وتتجلى دلالات الصحراء بوضوح في علاقة الإنسان بالمكان في فصل"من وحي الصحراء". بهذا تكون البيئة ودلالاتها عنصرا فعالا في الحوادث ورسم الشخصيات وتظليل نفسها .

 

الغربة / الحفر في الذات  :

     تمثل الغربة أهم فضاءات الكشف عن الذات ,والآخر,وعلاقة الإنسان بالزمان والمكان,فما إن سافر الراوي إلى لندن ليكمل دراسته الجامعية إلا واستسلم لحقيقة فطرية"متجذرة"هي أنه كفرد لا يمكن أن يعيش خارج إطار المجموعة أي البيئة الاجتماعية، فهو كإنسان مرهف قروي ذي علاقة وطيدة بالأرض, ومجتمعه لا يمكن أن يعيش خارج حيزه المألوف قريته وكما يقول"لابد أنني من تلك الطيور التي لا تعيش إلا في موطنها ".

     كان أثر البيئة على شخص الراوي واضحا في كل محطات حياته فهو كمغترب ظل ستحضر وجوه أهله , ويتهيأ ويقارن وجوه الأوروبيين بوجههم . لم يكن هذا الحنين النوستالجيا إلا امتدادا لشخصية القروي وتأكيدا على بساطته وما الغربة التي عاشها إلا فضاء للكشف عن ذاته وعلاقته بمجتمعه وبيئة قريته ود حامد.

       يقول "عدت إلى أهلي بعد غيبة طويلة.... كنت خلالها أتعلم ... عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك الغربة الصغيرة على منحنى النيل ...... ولما جئتهم فرحوا بي وضجوا حولي, ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجا يذوب في داخلي.... ( )  هنا يتجلى لنا أثر الغربة واضحا

؛ فالراوي ظل يأمن وجوده بتذكر أهله, باصطحابه لهم معه في غربته لتأمين التصدع في حياة المدن الكبرى لندن والعالم الصناعي ,يقول "ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا ........

       أحس أنني لست ريشة في مهب الريح ولكنني مثل تلك النخلة مخلوق له أصل له جذور وله هدف". هذه المكونات التي انطبقت على شخصه .....مكنونات من صميم البيئة الطبيعية بقريته أما بيئته الاجتماعية فقد ظلت تغويه بروح الأمن والاستقرار.يقول"جاءت أمي .... وفرغ أبي من صلاته وجاءت أختي وأخواتي وجلسنا نشرب الشاي ونتحدث منذ نضجت عيناي على الحياة ,نعم الحياة طيبة والدنيا كحالها لم تتغير". وتجدر الإشارة إلى أن الراوي ذو علاقة وطيدة بوشائج مجتمعه فكان يذهب ليهيء , أو ليعزي" في قريته, وهو الفارق النوعي بين أثر المجتمع الشرقي على الفرد "كمجموعة" وبين الانفراد والعزلة والتصدع في حياة الأوروبيين .... ( )

       تظل(الطفولة) لوحة بيضاء في حياة الراوي المرهف,فقد تأصلت صلته بالمكان الطبيعة منذ نعومة أظافره, فما شفافيته واختراقه للوحة الطبيعة كمنظر طبيعي لاكتشاف علاقتها هي الأخرى بالحياة إلا أحد الآثار الواضحة في شخصيته . فكما اكتشف كنه تعامل(النخلة) مع الحياة باستقرارها وتجذرها وهدفها الفطري المنوط بها في الحياة,وطبقه على ذاته؛ فها هو يسترجع طفولته فنقرؤه طفلا مرهفا لصيقا بالطبيعة وفي حوار "جوفي" يقول ويوما ذهبت إلى مكاني الأثير عند جذع شجرة طلح عند ضفة النهر. كم من الساعات التي قضيتها في طفولتي تحت تلك الشجرة .... أريد أن أعطي بسخاء.... ، يفيض الحب من قلبي ويثمر..... وأنظر إلى الرجال قاماتهم متكئة على المحاريث... وأسمع كلبا ينبح أو صوت فأس في الخشب فأحس أنني مهم وأنني مستمر ومتكامل...... لا لست أنا الحجر يلقى في الماء، ولكنني البذرة تبذر في الحقل,وأذهب إلى جدي فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاما .... ،لا بل قبل ثمانين ,فيقوي إحساسي بالأمر,كنت أحب جدي ويبدو أنه كان يؤثر في" هذه لوحة كاملة لأثر الطبيعة على الراوي،(12)  فهو كقروي ذي علاقة وطيدة بالمكان البيئة الطبيعة وبأهله لا سيما جده إنسان ذو جذور,وهدف,وفوق كل شيء متواصل مع الحياة كالنيل نفسه في تجدده,وانسراحه,وانثنائه لتجاوز العقبات الصخرية أو تفنينه لها في اندفاعا قدما .

بيئة بلقع 

       من الواضح تماما في هذه الرواية هو أن اختيار الكاتب لشخصية الراوي كشخصية مستقرة ملتحمة بالبيئة الاجتماعية والطبيعية معا، ومقابلته لها بشخصية نقيضة تماما ،ألا وهي شخصية البطل مصطفى سعيد الذي نشأ في بيئة بلقع فكان بلا أهل يتيم توفي أبوه قبل ولادته وربته أم باردة الإحساس لا مبالية. في تضاد هاتين البيئتين الاجتماعيتين عكس الكاتب بوضوح جلي أثر البيئة بكل مقوماتها على شخصية الإنسان وتعامله مع الحياة ودوره فيها .

      يقول البطل مصطفى سعيد راويا للراوي سيرة حياته إثر أن جمعته حلبية شرب من قرية ود حامد" إنها قصة طويلة, ولكنني لن أقول لك كل شيء... نشأت يتيما؛ فقد مات أبي قبل أن أولد... لم يكن لي أخوة,... حين أرجع بذاكرتي أرى أمي بوضوح شفتاها الرقيقتان مطبقتان في حزم وعلى وجهها شيء مثل القناع .... لم يكن لي أهل ,كنا أنا وهي أهل بعضنا البعض,كانت كشخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق , لعلني كنت مخلوق غريب, أو لعل أمي كانت غريبة,.........،ولعلك تعجب أحس إحساسا دافئا بأنني حر بأنه ليس ثمة مخلوق أب أو أم يربطني كالوتد إلى بقعة معينة أو محيط معين .....، كنت أتسكع في الشوارع ليس ثمة مخلوق يأمرني أو ينهاني......... ( )

      هذه هي بيئة البطل الاجتماعية وطفولته العاشرة التي ظهرت آثارها واضحة على شخصيته , فقد كان بارد الإحساس مثل أمه,نرجسي لا يحتفي إلا بذاته , ولا مباليا، وكان متمتعا بحرية مطلقة ,حرية مهددة خطرة لأنها بلا قيود معقولة , الأمر الذي رمى به في نهاية المطاف إلى التورط والخوض في التصرفات اللآمسؤولة ونسج مسرح وهم حوله, وتسببه في انتحار الفتيات من حوله واغتياله لزوجته جين موريس.كانت هذه المآسي مصحوبة بأسباب أخرى كما سنرى ,إلا أن أثر بيئته البلقع على شخصيته- منذ الطفولة – كان له الأثر البالغ والمباشر في حدوثها. يقول "كنت مثل شيء مكور من المطاط تلقيه في الماء فلا يبتل ترميه على الأرض فيقفز.... لا أتأثر بشيء لا أبكي إذا ضربت لا أفرح إذا أثنى علي المدرس في المدرسة...........(14)

        ولكي يوضح الكاتب الجانب (المضيء) في حياة البطل، عكس نبوغه وذكاءه الحاد وتحصيله المدرسي المتميز منذ طفولته في المدارس الابتدائية والثانوية في عهد الاستعمار الانجليزي ،الذي عاش فيه وبعث على حسابه"لنبوغه"لإكمال دراسته في لندن حيث نال درجة الدكتوراه ولم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره .

 

        تمثل لندن مسرحا واقعيا لعكس آثار البيئة القاحلة التي عاشها البطل,وآثار الاستعمار عليه من حقد وثأر من الجنس كسلاح. ونظرية التآمر فجند ما جند من فوضى,وغير مبال ليحطم النساء من حوله، حدث هذا بالرغم أن الاستعمار الانجليزي لم يمسه في شخصه بضرر فقد علمه, وبعثه على نفقته إلى لندن" يقول البطل: بأنه لم يكن يحس بأدنى إحساس بالجميل للاستعمار فكل ما فعلوه لأجله كان دينا عليهم . كان أثر البيئة واضحا على البطل في انعدام علاقته (بالمكان,وبمجتمع معين) نقيضا للراوي.......... ( )

       سافر إلى لندن بعد وداع أمه بلا دموع أو ضوضاء" جميعهم في الطريق معا، ثم سلك كل منهما سبيله" ولم يلتق معها ثانية,ولما جاءه خبر وفاتها كان مخمورا في حضن فتاة إنكليزية .

ويمكن القول إن محيط البطل الجدب قد أثر فيه بمعطياته نفسها فكان بلا جذور وبلا علاقة بالمكان فظل يبحث في رحم المستقبل عن هذه المقومات الفطرية ولكن سدى يقول واصفا رحلته إلى لندن عبر القاهرة" ففكرت قليلا في البلد الذي خلفته ورائي فكان مثل جبل ضربت خيمتي عنده(في الصباح,قلعت الأوتاد وواصلت رحلتي...."ظل البطل يبحث سرا...عن علاقة بالوطن، المرأة تشبع فطرته الروحية إلى جانب نزعته الجنسية التي دمرته لانشغاله بها. ( )

     وبحثه(السري) لأنه – كما سنرى –كان يبحث كذلك عن علاقة بالمكان وذكريات يستند عليها ،فأسس غرفته بكل مقتنيات الشرق وعاد في نهاية المطاف إلى قرية ود حامد البسيطة فيتزوج بفتاة منها وحظي بأطفال. هنا انتصر في آخر المطاف أثر البيئة على انتفائها .

تقول الناقدة الالمانية الريكا دودا

"....رحالة بين الشمال والجنوب – قصص قصيرة عن حياة ما بين ثقافتين ملؤها الحنين والألم .. . ( ) .ويقول الناقد الألماني ليرش: إن أعمال الطيب صالح ستجعل وطنه السودان خالدا وإلى الأبد في سماء الأدب العربي

 

Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]