الجد (علاقة الانسان بالمكان )      

 

إن  الجد يمثل ( العمق الصوفي ) في الشخصية السودانية بتواضعه , وتسامحه , وبساطته وسرعة التفاتته إلى حكمة الحياة "...     

 

  يقول بروست في مقال نشرته مجلة ابداع(اغسطس1997ص86".... نجبر أنفسنا على التخلي الذي يكون من نتيجة أن نبعث ثانية في الأبدية ........ ودون تذمر من سطوة المتاع الدنيوي .... هكذا " استطاع الكاهن في النهاية السيطرة على حياته التعيسة المعذبة بوصفها عبادة دائمة " .

 وفي نفس العدد ص87

يقول مورا في بحثه عن رواية البحث عن الزمن المفقود لبروست ( .....فالكاهن  والفنان يجتمعان في هذا الدين الجمالي .... ولا يوجد تعارض بين صوفية الفنان وصوفية المؤمن .....يجتمعان معا بعد عدة إغراءات ونضالات في حياة لها نظامها الذاتي...) 

   تخيلت جدي جالساً على فروة صلاته وفي يده مسبحته من خشب الصندل تدور في حركة دائبة كقواديس الساقية .........مع أصدقائه القدامى يجلسون على  الأسرة الوطنية ...... ارتفاع السرير في زعم جدي من الغرور وقصره من التواضع...... رائحة تذكرني بتقشف جدي في

العيش وترفه في لوازم صلاته , الفروة التي يصلي عليها يستعملها غطاء حين يشتد البرد , وإبريق الصلاة من النحاس عليه تصاوير ونقوش وله طشت من نحاس أيضاً .......

وهو يفتخر خاصة بمسبحته لأنها من خشب الصندل, وكان إذ غضب من أحد أحفاده ضربه بها على رأسه, يقول إن ذلك يطرد الشيطان........"

يقول اودنيس في كتابه الموسوم الصوفية والسوريالية

ص205

"...... والواقع أن أهمية الصوفية اليوم لا تكمن في مدونتها العقائدية بقدر ما في الأسلوب الذي سلكته ..... إنها تكمن  في الحقل المعرفي ... إنها    في الفضاء الذي فتحته وفي تبعية الإفصاح عنه باللغة , خصوصا ".

 

هنا نرى تطابق التصوف بشقيه العقائدي والمعرفي لدى الجد فهو بقدر تمسكه الديني حكيم واسع المعرفة بكنه الحياة فما تواضعه وتسامحه وقناعته وبساطته في التعامل مع الحياة الانتاج هذه المعرفة الغميقة .

زعليه فان ادراك الكاتب للعمق الصوفي لم يكن مغقدا في سلسلة الاحداث أي لم ينتحل دور الخطيب وانما اتاح لشخصية الجد ان تتحدث عن نفسها دون اقحام او سيظرة فنية متعمدة وهذا مرادف لم .ورد في كتاب 

الطيب صالح الرجل وفكره ص34

8 – " .... والتصوف في أعماله يمكن تجاهله لأنه ككاتب أصيل يعبر عن الذات السودانية .... وهي ذات تنتم عن صوفية عميقة ... وكذلك لإيمانه بالصدق الغني ... ويختتم بأن الطيب لم يبدو كخطيب أو ناصح بل تناول المشاكل باقتراح حل عضوي ودون تكيف ..... "

يعود الراوي بنا ليوضح تعلم الإنسان من كنه الطبيعة لاسيما ذلك الإنسان الملتئم بها في كل تفاصيل حياته كما كان جده " نحن بمقاييس العالم الأوروبي الصناعي فلاحون فقراء ولكنني حينما أعانق جدي أحس بالغنى

كأنني نغمة من نغمات قلب الكون نفسه .إنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخصب ولكنه كشجيرات السيال في صحاري السودان سميكة اللحى حادة الأشواك تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة , وهذا وجه العجب , إنه عاش رغم المجاعات والطاعون والحروب .... وهو الآن يقترب من عامه المائة, أسنانه جميعاً في فمه.... ويمشي في غبش الفجر من بيته إلى الجامع ......"

وكما عاش الجد كالطبيعة نفسها وتعلم من سر تعاملها مع الحياة " عدم الإسراف والتقشف " نجده يحيل محيطه \ بيئته إلى امتداد للطبيعة نفسها.

لم يبن الجد بيته من الإسمنت وإنما جعله امتداد للحقل \الطين حيث تبدأ الأشياء"..... هذه الدار ليست  من الحجر ولا الطوب الأحمر ولكنها من الطين نفسه الذي يزرع فيه القمح , قائمة عن أطراف الحقل تماماً تكون امتداداً له وهذا واضح من شجيرات السنط النامية في فناء الجدار والنباتات التي نمت في الحيطان حيث يتسرب إليها الماء من الأرض المزروعة وهي دار فوضى قائمة دون نظام .... غرف كثيرة مختلفة الأحجام .... حيطانها ملساء مطلية سمادة خليط من الرمل الخشن والطين الأسود وزبالة البهائم ..... وكذلك الأسطح والأسقف من جذع النخيل وخشب السنط وجريد النخل ..... إذا نظرت إليها من الخارج أحسست بها كياناً هشاً لن يقوى على البقاء, ولكنها تغالب الزمن بشيء كالمعجزة....." 

إن هذه الصور العديدة " علاقة الإنسان بالمكان, والوشائج الاجتماعية

الوطيدة, وتمجيد القرية والشخصية القروية البسيطة والعمق الصوفي و ..... هي بمثابة ثورة على المجتمع الصناعي بسلاح قوامه طاقة روحية عالية قادرة على المقاومة والبقاء وكذلك التحول دون هدم لكيانها ودأبها في  الحياة. 

أشرنا في بحث" علاقة الإنسان بالزمان والمكان إلى اهتمام الكاتب بالبيئة المحلية وإعجابه بالمباني الطينية مستشهد بالمهندس المصري " حسن فتحي " في مشروع تصميمه لقرية من الطين, بعيداً عن الأطر العمارة  الحديثة ومقوماتها  " كالإسمنت والبلاط والحجر......"

يعكس الكاتب اهتمامه هذا في هذا الفصل  فنراه محققاً لذاته في شخص الراوي 

في زيارته لبيت جده فنقرأ فيها  تمنعه وملاحظته الدقيقة \ وشغفه  باكتشاف علاقته  بالمكان \ الطين وترتيبها في مخيلته فيغلب الماضي والحنين إليه  الحاضر والتغيرات الحديثة التي أحلت ملامح الماضي كمكنات سحب الماء _ الطلمبات بدلاً من السواقي واستخدام أبواب الحديد بدلاً من الخشب , ويذهب الراوي أكثر ليسلط الضوء على تقلص المهن التقليدية كجبر العظام والكي ......

" وقفت عند باب جدي في الصباح ـ باب ضخم من خشب الحراز ....لا شك انه استوعب حطب شجرة كاملة) " هنا نقرأ ـ إلى جانب تعلق الراوي بالصناعة التقليدية, خوفه وحذره من استنزاف خشب الأشجار\ البيئة الطبيعية.

ويواصل قائلاً( صنعه ود البصير مهندس القرية الذي لم يتعلم التجارة في مدرسة . كان يصنع عجلات السواقي وحلقاتها وأيضاً يجبر العظام ويكوي ويحجم ويتخصص كذلك في الحمير... فلا يشتري أحد من أهل البلد حمارة دون استشارته .

ود البصير لا يزال حياً إلى يومنا هذا ولكنه لم يعد يصنع مثل باب جدي بعد أن اكتشفت الأجيال اللاحقة...... أبواب الحديد ـ يجلبونها من أم درمان " والسواقي أيضاً بار سوقها حين جاءت مكنات الماء .........)

هنا نقرأ  ( التحول ) داخل  القرية إذا أصبحت بقعة مستقطبة \مستوردة وقد كانت منتجة تعيش من بيئتها , بعيداً من الاعتماد على المدن الكبرى ك (أم درمان) , كمورد أساسي  .

إننا نرى في الراوي امتداد لجده ليس لتعلقه به فقط وإنما لتعلقه بالأرض والبيئة مثله .

Amir Nasir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]