بسم الله الرحمن الرحيم

عندما اطاح العراقيين بصدام حسين ونظامه بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في عام 2003 وبدأت العملية السياسية ، لم يسمح العراقيين لحزب البعث العربي العراقي بالمشاركة في هذه العملية السياسية وذلك لمسئوليته عن الجرائم البشعة والفظيعة التي ارتكبه بحق العراقيين من عام 1978 حتى 2003 ، منها على سبيل المثال استخدامه السلاح الكيمائي ضد سكان "حلبجة". وحتى هذا اليوم حزب البعث العربي الإشتراكي العراقي محظور من مزاولة أي نشاط سياسي في العراق. وفي عام 2011 عندما انطلقت ما عرفت وقتها بثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر وليبيا ، لم تتصالح شعوب تلك البلدان مع رموز والأحزاب التي أطاحت بها. وفي تونس الخضراء لم تشمل العملية السياسية الجديدة حزب الرئيس زين العابدين بن علي (الحزب الدستوري) أو أي من الرموز التي شاركت في نظام بن علي... وفي مصر ما بعد مبارك، لم يتسامح شعبها مع رموز نظام محمد حسني مبارك ، بل تم حظر حزب مبارك وهو الحزب الذي حكم مصر منذ 1978 (الحزب الوطني الديمقراطي) من مزاولة أي نشاط سياسي ، كما منع من كانوا أعضاءا فيه من الترشح أو تقليد أي منصب سياسي في البلاد... وفي ليبيا ما بعد القدافي تم حظر (حركة اللجان الثورية) ووضع كل الذين شاركوا في نظام القدافي في السجون على ما فعلوه بحق الشعب الليبي.

وإذا كانت الشعوب المذكورة قد قطعت علاقتها بالماضي الأليم الفظيع ورفضت رفضا باتا التصالح مع رموز وأحزاب الأنظمة البائدة ، إلآ أن الأمر تجده مختلفا جدا في السودان الذي يحكمه نظام رجعي ديكتاتوري استبدادي فاشي منذ 27 عاما وذلك عندما وقعت ما تسمى بالمعارضة السودانية يوم الإثنين 8/8/2016 على خارطة الطريق المقدمة من الوساطة الأفريقية تؤسس لعملية سياسية تشمل الحزب الحاكم ورئيسه عمر البشير الذي قتل ما يقارب مليون سوداني بدم بارد في كل من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

إن قبول المعارضة السودانية التصالح مع نظام قاتل ومستبد وفاسد ، يعني شيئا واحداً وهو أن مقتل قرابة مليون سوداني أعزل من النساء والأطفال والعجزة لا يعنيها في شيء ، بل أن ما تعنيها في الأساس هي السلطة -أي مشاركة نظام يقوم على الاستبداد السياسي وبارع في تحقير أنصاره قبل أعدائه ولا يعطي أي أمل لكي يكون السودان مستقرا ويعيش بسلام.. فلا يعقل أن تثق المعارضة التي وقوفها مع الشعوب السودانية في نظام جاء بإنقلاب عسكري وتعطيه الأمان وتتصالح معه إلآ إذا قررت الإستسلام له والسير على هواه.

يوم الثلاثاء 9/8/2016 عقد الأمين العام المكلف للحركة الشعبية شمال مؤتمرا تنويريا في فندق راديسون بلو بالعاصمة الأثيوبية اديس ابابا قال فيه كلاما كثيرا يتعلق بعملية المصالحة الجارية مع نظام القتل والإبادة في الخرطوم.

قال ياسر عرمان في مؤتمره التنويري ((أننا وبالتوقيع على خارطة الطريق قد بدأنا في عملية، فكل الناس الذين يحكمون عن مواعيد ويقولون متي نحن سننضم لقاعة الصداقة، نقول لهم نحن لن ننضم ولن نلتحق ولكننا على إستعداد أن نكون شركاء في حوار متكافئ، وهذه هي رسالتنا للمؤتمر الوطني، نعم للشراكة في الحوار المتكافئ ولا لإلحاقنا بالحوار الحالي، أيضا نحن نرحب بالمجهودات التي بذلت في الحوار الحالي ولكن نعتقد إن هذه المجهودات غير كافية لتنضم لها المعارضة ولابد من تطوير الحوار الحالي الي مرحلة جديدة ونعتبر ما تم في الخرطوم هي المرحلة الأولى فهنالك مرحلة ثانية تبدأ الآن بتوقيعنا على خارطة الطريق والمرحلة الثانية هذه ستنقل الحوار الي حوار متكافئ، وأي شخص يعتقد ويقول بأنا الجمعية العمومية ستكون في يوم السادس من شهر أغسطس، والآن يقولون يوم العاشر من شهر أكتوبر فنحن غير ملتزمين بهذه المواعيد، لأنها تهم المؤتمر الوطني وشركاءه، والمواعيد المضروبة لنا هي المواعيد التي تلتقي مع مصالح الشعب السوداني، هذه هي المواعيد التي سنأتي إليها ولذلك نحن غير معنيين بهذه المواعيد)).........

اعلاه جزء بسيط من المؤتمر الصحفي، لكنني قرأت كل الكلام الممدد، والممتد الي العام 2017 للأمين العام المكلف للحركة الشعبية وأهنئه على خياله الخصب الذي دفعه الى التوهم بأنه قادر على احداث تغيير وهيكلة الدولة السودانية بوجود الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) ، فهو بالفعل يستحق التهنئة على هذه الأهام الكبيرة. ولا يستحق اللوم والعتاب كونه لا يعرف أن المواقف المبدئية شيء وأن التسويات السياسية شيء آخر.

الكلام الذي قاله ياسر عرمان في الجزئية اعلاه ، فيه كثير من اللغط واللف والدوران ومليئ بتناقضات مفضحة ، بل مخجلة تخجل الشموس والأقمار والحجر والشجر. كما أن الحجة المستخدمة لتبرير ذهابهم إلى دولة عمر البشير واهية... ولذلك نقول له ولأصحابه في نداء السودان ، إن المشاركة في حوار يشرف عليه حزب المؤتمر الوطني الحاكم ويرأسه عمر البشير، لهي أمر أقرب إلى محاولة الحرث في الماء ، فالأجهزة الأمنية التي لها سلطات دستورية واسعة في السودان لم ولن تسمح بأن يكون هناك صوت آخر سوى صوت الإسلاميين القتلة، مما يعني أن المعارضة الموقعة على خارطة الطريق ستدخل في معركة غير متكافئة مع عصابات تملك وسائل التعبير والتأثير على الشارع.

يقول السيد عرمان قال ياسر عرمان إننا نعتبر ما تم في الخرطوم هي المرحلة الأولى فهنالك مرحلة ثانية تبدأ الآن بتوقيعنا على خارطة الطريق والمرحلة الثانية هذه ستنقل الحوار الي حوار متكافئ، وأي شخص يعتقد ويقول بأنا الجمعية العمومية ستكون في يوم السادس من شهر أغسطس، والآن يقولون يوم العاشر من شهر أكتوبر فنحن غير ملتزمين بهذه المواعيد، لأنها تهم المؤتمر الوطني وشركاءه، والمواعيد المضروبة لنا هي المواعيد التي تلتقي مع مصالح الشعب السوداني، هذه هي المواعيد التي سنأتي إليها ولذلك نحن غير معنيين بهذه المواعيد... لكن السؤال المهم هو: هل يفرق سواء ذهب عرمان ومجموعته إلى الخرطوم اليوم أو غد أو حتى في العام 2017 طالما أصلاً تصالحوا مع النظام وهذا ما كان يسعى إليه الأخير؟.

وقبل أن اختم هذا المقال ، أسأل الأمين العام والذين اطلقوا على أنفسهم ثوريين ومناضلين ورفاق في زمن الخراء والعفن وهم ينتظرون سفينة عمر البشير لتأخذهم للخرطوم... أين المبادئ ، بل أأين النبل الأخلاقي في "مصالحة نظام القتل والإبادة" ، نظام تعمد إنهاك الناس مرضاً وجوعاً وقصفاً وذلاً !!؟، أي "مصالحة" تلك التي تنهض على أنقاض البيوت المدمرة والأسر المحطَّمة، فوق الجماجم والجثث والأشلاء، وملايين من المشردين واللاجئين والمهجرين والنازحين؟! أي "مصالحة" تلك التي يُراد إمرارها، قبل محاسبة القتلة والمجرمين؟!.

إننا نشد على أيادي من رفضوا "مصالحة" النظام وعارضوا خارطة الطريق الإستسلامية، من الثائرين والأحرار الحقيقيين، ونحييهم على مواقفهم المبدئية النبيلة ، لكننا لا نمنع ، من جهة أُخرى، من أراد الإلتحاق بنظام القتل والإستبداد لطموحات سياسية سلطوية، غير أننا نقول لهم ان مصالح رجال الإنقاذ مرتبطة بالإستبداد والفساد والسرقة، وهؤلاء لن يقبلوا بأي تغيير في الأوضاع القائمة حماية لمصالحهم، والإستبداد السياسي خير معين لهم ولن يرضوا به بديلا.

والسلام عليكم..