بسم الله الرحمن الرحيم
رُفعت جلسات الجولة السابعة من مفاوضات السلام في العاصمة الأثيوبية أديس ابابا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال ونظام الخرطوم يوم الأحد 17 نوفمبر 2014 من قبل الوساطة الأفريقية إلى أجل غير مسمى بحجة اعطاء وقت كافي للطرفين للتشاور مع قيادتهما حول الموضوعات محل التفاوض .غير أن البعض أرجع سبب التأجيل هذا إلى مقترح الحكم الذاتي للمنطقتين الذي تقدمت به الحركة الشعبية ورفضته الخرطوم .
على كل حال ...أثارت مطالبة الحركة الشعبية ردود أفعال مختلفة بين السودانيين ، اختلط معظمهم لغباءهم وسطحيتهم ما بين مفهوم "الحكم الذاتي " ومفهوم "حق تقرير المصير" ، وبناءا على هذا الخلط الفاضح ، اتهموا الحركة الشعبية بالدعوة إلى تفتيت السودان .
ولفك هذا اللبس بين المفهومين ، لابد من ايراد معنى ومفهوم كل منهما :
1/حق تقرير المصير..
يعتبر حق تقرير المصير للشعوب من المبادئ الأساسية في القانون الدولي باعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب على أساس المساواة بين الناس .
وقد جاء تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق في المادة 55 بإعلانها " رغبةً في تهيئة دواعي الإستقرار والرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب بان يكون لكل منها تقرير مصيرها ".
كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية على حق تقرير المصير ، حيث ورد في المادة 1 للفقرة 1
*/لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ، ولها إستادا إلى هذا الحق أن تقرر بحرية كيانها السياسي وأن تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وفي ميثاق الأمم المتحدة تضمنت الفقرة 2 من المادة الأولى أهداف الأمم المتحدة " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام ".
وتطبيقاً ، نستطيع يمكن القول أن حق تقريرالمصير يعتبر قاعدة قانونية دولية ملزمة يقترن بتعبير حرية الإرادة وهو "حق الشعوب في أن تختار شكل الحكم الذي ترغب العيش في ظله أو السيادة التي يريد الانتماء إليها".
2/الحكم الذاتي..
أما الحكم الذاتي : وهو نظام قانوني وسياسي يرتكز على قواعد القانون الدستوري الداخلي ، بمعنى آخر هو نظام أشبه بالنظام اللا مركزي ، مبني على أساس الإعتراف لإقليم ما مميز داخل دولة من الدول بالإستقلال في إدارة شؤونه في نطاق دستور الدولة الأم . ونجد تطبيقات لهذا الأسلوب من الحكم في الدول ذات التعددية القومية والعرقية والدينية والثقافية واللغوية ك(الهند ونيجيريا وكندا ..الخ) ، فهو نظام لا تتمتع الأقاليم الخاضعة له بالشخصية الدولية .
من خلال هذا الشرح المبسط للمصطلحين ، يتضح أن الفرق بينهما شاسع وكبير ، وأن ما طالبت به الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال في أديس ابابا هو الحكم الذاتي المحلي ضمن إطار السيادة السودانية ، بحيث يسمح لسكان جبال النوبة والنيل الأزرق تسيير شؤونهم المحلية مع عدم الإخلال بسيادة السودان الإقليمية .
نعم -رغبة من الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال في إنهاء الحرب العنصرية في جبال النوبة والنيل الأزرق ، ولإيجاد حل دائم وشامل ونهائي يراعي سيادة السودان ووحدة أراضيه وخصوصيات المنطقتين ، طالبت بالحكم الذاتي ، باعتباره حلا سياسيا منطقياً لمشكلة المنطقتين وغيرها من مناطق السودان .
وأهمية هذا المطلب تظهر في: 
1/أن هذا المطلب يشكل إمكانية واقعية لتجنيب المنطقتين المطالبة بحق تقرير المصير.
2/أن هذا المطلب هو الطريق الوحيد لمعالجة الأخطاء التأريخية التي ارتكبتها الأنظمة السودانية المختلفة في المنطقتين .
3/إن هذا المطلب يصون الحقوق الثابتة لسكان المنطقتين ويحفظ خصوصياتهم.
إن الأقلام العرجاء الغاضبة على هذا المطلب المشروع ، يجب أن تعرف أنه لا يمكن حل القضية السودانية إلآ في إطار الحكم الذاتي لكل أقاليم السودان ، وذلك بتمكين السكان المحليين من المشاركة في القرارات السياسية على الصعيد المحلي في إطار دستور دائم للبلاد يشارك في وضعه كل السودانيين في مؤتمر وطني جامع . 
كان يمكن للحركة الشعبية أن تطالب بحق تقرير المصير لشعبي المنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق) إبتداءاً ، بإعتباره مبدأً من المبادئ الأساسية في القانون الدولي ، وبإعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب على أساس المساواة بين الناس ، لكنها لم تفعل ذلك ، بل اكتفت بالمطالبة بالحكم الذاتي في اطار السودان الديمقراطي الموحد ، وأي رفض لهذا المطلب سيجبرها على إعادة النظر في مطلبها بالحكم الذاتي والمطالبة بحق تقرير المصير لشعبي المنطقتين ، قبل نظام الخرطوم أم لم يقبل ...فلما لا والجنوب قد قرر مصيره قبل ثلاث سنوات فقط من تأريخ كتابة هذا المقال .
والسلام عليكم.. 


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.