شكراً للأستاذة تيسير حسن النور الأديبة والصحفية المثقفة بجريدة الإنتباهة حيث دعتني أن أكتب مقالاً بالعنوان أعلاه . أعيد أدناه صياغته في قالب مشابه للذين فاتهم الإطلاع عليه بجريدة الإنتباهة الأسبوع الماضي

في البداية الغربة قد تكون خيراً او شراً لابد منه. أما بالنسبة لي فأعتبرها إمتداداً لمرحلة الدراسة الجامعية ببغداد وكانت تلك من أصعب التجارب التي عايشت فيها ألم وصعوبة البعد عن الوطن وفراق الأهل والأحبة خاصة الوالدين رحمهما الله. خمس سنوات في بغداد عدت بعدها والحمد لله للسودان بكل توفيق . كانت أول وأطول مدة أقضيها خارج الوطن ولأول مرة كنا نحن الطلبة المبعوثون نشعر فيها بتحمل المسؤلية تجاه أنفسنا من تأقلم على الوضع الجديد والمجتمع الجديد ثم مسؤلية الإجتهاد فى التحصيل العلمي لتحقيق الهدف الذي من أجله تركنا الوطن. عدت بعد التخرج الي السودان وبعد الإنتهاء من فترة تدريب الإمتياز بمستشفي الخرطوم غادرت مكرهاً الوطن العزيز في شهر فبراير ١٩٧٩وكانت تلك بداية الغربة الحقيقية التي إمتدت منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا بدأً من الإمارات العربية المتحدة ثم السويد والدنمارك وبريطانيا حيث أعمل الآن.

الإغتراب ليس بالسهل إن لم يكن للفرد مؤهلات ومعينات أخري تساعده على إجتياز الصعوبات التي تتعدد وتختلف من بلد إلي بلد حسب حالة البلد الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وأيضاً السياسية .... إلخ بالطبع العلم سلاح إذا توفرت معه الخبرة وحسن السير والسلوك وفن التعامل مع الآخرين وسرعة تعلم لغات أجنبية إن كتان لابد و التأقلم على بيئة تختلف مناخات فصولها خاصة فى شمال أروبا وكندا التي يمتد فيها فصل الشتاء القارس القارص لمدة تقارب نصف السنة . هذه كلها مشاكل يواجهها المرء بداية وصوله بلد الإغتراب. وجود جالية أو أشخاص من موطن المهاجر قد يساعد فى تسهيل بعض الأمور ولكن في النهاية يبقي النجاح معلقاً برقبة كل شخص بمفرده أي حسب طموحاته وإجتهاده.من ضمن تحديات الغربة خارج الوطن كيفية التعايش مع الغير (integration ) من غير ذوبان الهوية كلية في مجتمع غريب . مثال ذلك أن في دول أروبا وألاميريكتين نواجه مشكلة تنشأة الأطفال وتربيتهم حتي يحافظوا علي عادات وتقاليد ولغة الوطن الأم وللأسف نلاحظ أن معظم الذين يولدون خاصة في أميريكا وكندا لا يتحدثون إطلاقاً العربية. أيضاً من الصعوبات ضمان وجبة خالية من أي إضافات تحرم علي المسلم مثل مواد كحولية كالتي تستعمل في الطبخ أو الايسكريم وبعض الحلويات أو لحم ودهن الخنزير الذي أيضاً يستعمل كثيراً في أطعمة تلك البلاد

فترة وجودي بكل من العراق والإمارات العربية المتحدة لم تتعقد فيها الحياة لأن اللغة كانت واحدة والعادات والدين والثقافة تتطابق في مضمونها ومعناها مع ما نشأنا عليه في السودان. الصعوبات كانت في بداية عهدي في السويد حيث كان لابد لي من تعلم اللغة السويدية وهي اللغة الرسمية للتخاطب والتعليم وممارسة المهنة. كان ذلك تحدياً لا مفر منه إضافة إلي تحمل كل مسؤليات الحياة بما فيها الأسرية. كما ذكرت للإغتراب بالطبع سلبيات وإيجابيات. لكن والحمد لله الإيجابيات تفوق السلبيات إذا أمعنا النظر في تفاصيلها الدقيقة.

من السلبيات البعد والزمن الطويل عن الوطن والأهل فيظل الشوق والشجن تثور براكينه كلما هبت نسمة طيبة تفوح منها ريحة الوطن أو الأهل والصحاب وفِي الأعياد و المواسم خاصة مثل قدوم رمضان الضيف الجميل في كل القري والبنادر فيه نتذكر تجمع الناس للإفطار في ساحات الحارات المفتوحة . نفتقد تلك الصورة البهية المبهجة ونفوس سمحة يجمعها الحب فى الدين والجيرة والوطن والموروث وصلة الرحم التي نفتقدها كلها فى بلاد المهجر. أيضاً من السلبيات أن الشخص قد يجاور شخصاً سنين عددا ولا يعرفه. بعضاً من الناس يحسبون سنين الإغتراب خصماً علي العمر معتبرينها سنيناً قد ضاعت. أختلف معهم فى هذا المنحى لأن العمر سيقصر بمرور الزمن أينما كان الإنسان لا فرق وأصعب الغربة عندما تكون هي داخل الوطن نفسه. أيضاً حياة الإغتراب تجبر الإنسان علي أن يسعي لكي يحصل علي قوت يومه وإن لم يكد ويعمل فسيجوع ولا يجد من يساعده

أما إيجابيات الإغتراب المدروس المؤسس علي العلم والخبرة المهنية فحدث ولا حرج. أهمها أن الإنسان يشعر بأنه كيان وعضو فاعل في مجتمع يحترمه ويقدر جهد إنجازاته ويعامله سواسية بمواطني البلد الأصليين.أيضاً في الإغتراب يعرف الإنسان موقعه من الإعراب وقدر نفسه فلا يوجد تفاضل بين البشر بإستعمال ألقاب زائفة أو فقط بناءاً علي حسبه ونسبه أو وظيفته ومكانته الإجتماعية. ففي الإغتراب فرص كثيرة لتطوير الخبرة المهنية والشهادات العلمية وأيضاً إكتساب ثقافات جديدة بفضل إيقاع الحياة السريع وتجدد المعلومات والتقنية لعلمية في هذه البلاد المتطورة. من الأيجابيات أنك تعيش في بلد حكمه ديموقراطي ويحق لك حرية التعبير والنقد البناء والتظاهر السلمي. أيضاً الإغتراب يوفر لنا فرصة تعريف الآخرين عن أوطاننا وثقافتنا وفِي ذلك تشجيع للسياحة داخل السودان والمغترب المهاجر ربما يكون خير سفير لبلاده في الخارج

هكذا إنطباعي عن الإغتراب جاء إيجابياً لأنني قد استفدت وتعلمت أكاديمياً ومهنياً وثقافياً من وجودي في هذه البلاد التي أجد فيها كل جديد كلما أشرقت شمس يوم جديد. بالطبع لا أزال متمسكاً بجميل ما ورثته من وطني من تعاليم لا ابدلها آبداً سواءاً كانت دينية أو ثقافية أو موروثة سمحة لا تتعارض مع أدب وبروتوكولات المجتمع المتحضر. من فوائد الإغتراب أن الإنسان يتعلم الإستعداد لتحمل المسؤلية في كل الظروف و البعد عن سفاسف الأمور من تجسس وتحسس علي الغير والتدخل في شؤن لا تعنيه والطمع فى ما يخص الآخرين

أعود مرة إخري لإتمام الحديث عن رمضان الذي بالنسبة لي هو مخزن ذكريات جميلة وطفولة ترعرعت في وسط يعبق بنفحات العشق الإلهي والتصوف والإنشاد بمدح النبي محمد صلي الله عليه وسلم. فمنزل والدي كان محط المداح الذين ينزلون عندنا طليلة العشر ليالي الأخيرة من رمضان حيث يتنقلون خلالها من جامع إليّ جامع ينشدون سيرة أفضل الرسل ويضربون علي الطار فيتراقص الشيب طرباً ثم يودعون ما في جيوبهم من نقود في ماعون يتوسط حلقة المديح. رمضان الذي عشته في السودان إفتقده كلية طيلة الثلاثين سنة الماضية وأول مشكلة واجهتنا عند قدومنا إلي السويد الحصول على اللحوم المذبوحة حلالاً. لكن الآن بحمد الله فقد وافقت الحكومة علي ترخيص الذبح الإسلامي. بالنسبة لشخصي الضعيف وزملاء المهنة تواجهنا صعوبة إداء طقوس العبادة حسب ما نرجو خاصة خلال رمضان . السبب أن ساعات العمل أقلها ثمانية ساعات متصلة وقد تزيد في بعض الأحيان خاصة للأطباء الصغار تحت التدريب. أيضاً الفرق بين وقت الإفطار والإمساك جداً قصير. لحسن الحظ بإمكان الأطباء أداء الصلوات بما فيها الجمعة والتراويح علي ارض كنيسة كل مستشفيات إنجلترا. في معظم مدن السويد وإنجلترا توجد جوامع يقام فيها طعام إفطار رمضان طيلة أيام الصيام والجالية الآسيوية يغلب وجودها في معظم تلك الجوامع. لكن للسودانين الحظ الأوفر في إمامة المصلين عدا خلال التراويح التي تحتاج إلي حفظة قران الذين دائماً ما يأتون من الجاليات البنغالية والباكستانية. علي المستوي العام صار مواطنيو البلاد الإوروبية يعرفون الكثير عن رمضان وصار البعض منهم يبعث لنا كروت معايدة بحلول عيد الفطر المبارك. حتي السوبرماركيت الكبيرة صارت توفر إحتياجات رمضان خاصة التمور والحمص المعلب والخبز العربي والبامية الخضراء

الأسبوع قبل الماضي كنت أحضر مؤتمر الجمعية الأوربية لأمراض الكلى فى مدريد عاصمة اسبانيا. ذهبنا نبحث عن مطاعم مسلمين. كان نصيبنا في أول يوم إفطار عند مغربي بمطعم مراكش.بدأنا بالتمور والماء ثم الشوربة المغربية المعروفة بالحريرة. تتكون من حُمُّص وخضار بقدونس وكسبرة وشعيرية وقطع صغيرة من لحم البقر. بعدها قدموا لنا مختارات مختلفة ووقع إختيارنا علي الطاجن وهي طريقة مغربية لطهي الطعام ( الصورة مرفقة) في ماعون من الفخار له غطاء مخروطي. اليوم التالي فطرنا فى مطعم تركي وصاحبنا فجأة ونحن نعبر إحدي الساحات شاب طبيب مصري، قابلنا صدفة وقدم لنا نفسه وسألنا إن كنا صائمون حتى يتمكن من مصاحبتنا لتناول طعام الإفطار. فعلاً رحبنا به فرحين ودعوناه أهلا وسهلاً . كان إفطارنا تلك المرة تنقصه التمور ولكن استمتعنا بشوربة فاصوليا ممتازة وبعدها وجبة لذيذة تتكون من الكفتة والخضروات ثم عقبها الشاي الأحمر بنكهة النعناع. طعام الأتراك يفوق طعماً ونكهة وشكلاً طعام المغاربة ويشابه كثيراً طريقة أداء المطبخ السوداني. لعلنانحن الذين قد تأثرنا بهم عندما حكموا السودان سابقاً


خلاصة القول في الغربة "رمضان بأي حال عدت يا رمضان" حيث نفتقد حميمية اللمة مع الأهل والاسرة الممتدة والجيران والمشروبات السودانية الرمضانية المعروفة وتبادل زيارات الإفطار من منزل إلي منزل . لكن برغم ذلك فتجتهد عندنا السيدات ربات البيوت فيصنعن العصيد وبليلة الحمص الذي يتوفر حبوباً أو معلباً وهكذا يمر سريعاً الشهر الكريم نحس به ونعيش عالمه حاضره وماضيه. ورغم ما توفره لنا هذه البلاد من راحة وطمأنينة وسهولة الحياة ووفرتها فيبقي الحنين للوطن وللأهل ويبقي رمضان حلواً بل أحلي عندما نعيشه وسط الأهل ويظل الحب والحنين لأول منزل " الوطن الأم" والله أسأل أن يجمع تفرقنا وشتاتنا عودة حميدة إلي الوطن ونجده نامياً تحت قيادة وجوه شابة صادقة تجيد قيادة عجلة الحياة بنجاح ، فلك يا وطن الخير والنماء من عند الله بفضل شهر الصيام المبارك

وعيد الفطر السعيد علي الأبواب أطيب التمنيات لكم أعزائي القرّاء الكرام داخل خارج الوطن العزيز …. تقبل الله صيامكم و كل عام وأنتم بخير
عبدالمنعم
المملكة المتحدة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.