(إعادة)

بقلم د.(طبيب) عبدالمنعم عبدالمحمود العربي - لندن

عزيزي القارئ : مع معايشة ظروف البلاد الراهنة أعيد نشر هذا المقال مذكراً نفسي والآخرين خاصة من رعاة الأمور

الحياة هي المدرسة والجامعة الكبيرة التي تعلم الإنسان الفطن تبلور الشخصية وتطور الإدراك والصبر وحسن الخلق والسلوك و المعاملة والأمانة والصدق. فالذي يتخرج من مدرسة الحياة بغير ذلك فقد خسر دنياه وأخراه. لكن في نظري تظل الأم والدولة الراشدة المدرسة الكبري الأخري التي يتعلم فيها الإنسان منذ الطفولة أبجديات مكارم الأخلاق والسلوك الحسن.

أمانة ذلك الراعي السوداني الذي يعمل في المملكة السعودية أثارت ضجيجا عالمياً حتي أن نائباً باطنياً يعمل عندي (يحمل الجنسية السيريلانكية) ذكر لي يوم الجمعة أنه قرأ قصة عن الراعي السوداني وأبدي إعجابه بأمانته. سلوك الراعي الطيب فاح طيبه العطر في أرجاء السماء وعلي الأرض جاء كقطرة ماء نزلت علي صحراء جافة فصادفت بذرة مدفونة لقفتها في لهف فبث الله فيها الحياة من بعد الموت المؤكد فصارت شجرة حلوة الثمار . فللأسف الشديد لقد ماتت نخوة الشهامة والأمانة في نفوس الأمم بسبب الضغوط الأقتصادية مع زيادة متطلبات الحياة اليومية وفوق كل ذلك فشل الحكومات حل مشاكل بلادها ومشاكل مواطنيها. إنني لأرجو صادقا من الله أن تكون قصة الراعي السوداني مثالاً للأمانة يحتذي وأن تدرس لتلاميذ مدارس الأساس بل في جميع الدول العالمية إسلامية أم خلاف ذلك لأنه ضرب مثلاً في التجرد لله والكسب الحلال وقبول الفقر ولقمة تحت الهجير بدلاً من دراهم زائلة تودي به غداً إلي نار ذات جحيم مستديم لا مفر منه

(١) ذكر الأم مدرسة وربطها بموضوع الأمانة المفقودة المنشودة يجرني إلي ذكر تجربة لا أنساها قد عشتها أثناء طفولتي الباكرة مع والدتي عليها رحمة الله قبل دخولي المدرسة الإبتدائية التي كانت لا تقبل الأطفال للدراسة قبل سن السابعة. أذكر أن من ضمن الباعة المتجولين في أحياء مدينة بربر صبيًا يبيع الرغيف راكباً علي حمار أعرج يجوب به الشوارع ويصيح "العيش.... العيش". كانت أمي تعطيني كل يوم النقود لأركض وأشتري منه النصيب ثم أعود بلأرغفة.اثناء اللعب مع أطفال الحي سألني أحدهم "كم عدد الأرغفة التي تشتريتها عند الصباح من بيّاع العيش؟" ثم قال لي وقد علم أن عدد أرغفتي تساوي عدد نقودي "أنا أحصل كل يوم علي رغيفة زائدة". سألته متعجباً "لكن كيف والولد يعاين ليك؟". فقال لي"أغافله لأنه لا يفهم وآخذ رغيفة زائدة علي العدد وآكلها" ثم إقترح علي أن أجرب بنفسي الصباح التالي وأخبره بالنتيجة، وأضاف أنه متأكد أنني سأتحصل علي الزيادة بدون أي مشكلة. وبالفعل نفذت تعليمات الصبي الشيطان رفيق اللعب ونجحت في الحصول علي الرغيفة الزائدة فحملت رحلي فرحاً إلي أمي التي إكتشفت الرغيفة الزائدة. قامت من مقعدها وبحلقت في وجهي وقالت لي"حساب الرغيف غلط هل الغلط منك أم من بائع الرغيف وإلا الحصل شنو؟"حكيت لها كل الذي حدث. فيا هول وقع الخبر عليها وتحولت فجأة إلي إنسان آخر كوحش خرافي وجن جنونها فخلعت نعلها وانهالت علي ضرباً مبرحاً وقالت لي" تاخد الرغيفة تجري وترجعها إلي البائع أين ما كان ولا أريد أن أراك في هذا البيت إن لم تسلمها له ولعلمك إعتبرها دي أول وآخر مرة تحاول تسرق وتأكل بالحرام. يالا برا". طبعاً نجحت في إرجاع الرغيفة بعد أن جريت زمناً طويلا وعانيت بحثا عن ذلك الصبي الذي حسبته معتوهاً لكن بسببه وبفضل تربية والدتي لصغارها فقد تعلمت ما لا أنسان درساً صعباً لكنّ مفيداً في السلوك والإلتزام بالأمانة والتي أجدها تُكٓوَّنٌ عظم ولحم أخلاق ممارسة مهنة الطب. فالطبيب الذي لا يكون أميناً في نفسه ومع مرضاه وفي تقديم الفحص اللآزم والمناسب ثم النصح والعلاج الناجع لمرضاه لا يجدر أن يمارس المهنة الشريفة علي الإطلاق وهكذا القياس علي الأمانة المطلوبة في ممارسة كل المهن الأخري خلاف الطب من حكم وإدارة وتجارة وبيع وشراء ..... إلخ

(٢) تجربة أخري عشتها في الثمانينات من القرن الماضي:
عند حلولي أرض السويد لأول مرة قادماً من دولة الإمارات العربية المتحدة في الرابع من أكتوبر ١٩٨٧ إستقبلني وأسرتي بمطار إستكهولم كل من الأخ الدكتور عادل الباقر نورين (رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه جنة الفردوس فقد كان شاباً طيباً سمح الخلق والمعشر) والأخ الدكتور الصادق عبدالكريم كزام. جزاها الله أحسن الجزاء فقد أحسنا إستقبالنا ووفادتنا وتوّج الصادق وحرمه المصون الدكتورة إنعام حسن بشير كل ذلك الكرم بضيافتنا ثلاثة أيام كاملة في دارهما العامرة بالشهامة والكرم. ثاني يوم من وصولنا خرجنا في المساء للتسوق مع د الصادق وأسرته في أكبر مركز تسوق بالمدينة. ذهبنا بعد التسوق حسب البرنامج المعد سلفاً إلي منزل الدكتور عادل نورين لزوم تناول العشاء عنده. ساهرنا معهم وبعد وصولنا دار الدكتور الصادق كزام إفتقدت حقيبة يد سامسونايت تحتوي علي كل أواراقي الثبوتية من جوازات سفر وشهادات دراسية وكل تحويلاتي المالية في شكل دولارات كاش وشيكات سياحية.عندما لم نجدها داخل سيارة د. الصادق تأكدنا أننا قد نسيناها ملقاة علي أرض موقف السيارات التابع لمركز التسوق أثناء تحميل الأغراض بعد إنتهاء تسوقنا. كانت الساعة الثانية عشر مساءاً .المركز يغلق أبوابه التاسعة من كل مساء. ذهبنا فوراًًإلي مركز البوليس وأخطرنا البوليس المناوب الذي أكد لنا عدم بلاغ بوجود حقيبة بالمواصفات المذكورة. تركنا عنوان ورقم هاتف دكتور الصادق وعدنا ولم نذق طعم النوم في تلك الليلة العصيبة. مررنا الصباح الباكر علي مكتب البوليس ولا أثر للشنطة. باختصار حوالي الساعة العاشرة صباحاً إتصل بنا البوليس وقال اذهبوا إلي إستعلامات مركز التسوق الذي كُنْتُمْ فيه فقد عثروا علي حقيبة سوداء تركت بموقف السيارات لعلها تكون حقيبتكم "حظاً سعيدا". خرجنا نسابق الريح حتي وصلنا المركز وقدمنا أنفسنا والمفاجأة أن الشابة المسؤولة لم تحقق معنا بقليل أو كثير بل سحبت الحقيبة من تحت المنضدة وسألت "هل هذه حقيبتكم أم خلافها؟" قلنا لها إنها هي. سلمتها لنا من غير طلب إثبات هوية ففتحناها أمامها لكي نؤكد لها أنها ضالتنا والمفاجأة الأكبر أن محتوياتها ظلت كما هي وبنفس الترتيب وهذا يعني أن الشخص الذي وجدها متروكة علي أرض مواقف السيارات لم يفتح الحقيبة وأثبت أنه كان إنساناً أمينا في نفسه فحمدنا الله وشكرناه. الدرس الذي تعلمناه في تلك الدولة الأوروبية أن الأمانة موجودة في تلك البلاد في صورة أبهي من ما عندنا في البلاد المسلمة وهي من أهم أعمدة الأخلاق الحسنة التي تكتسب في مثل هذه البلاد نتيجة التربية والبرمجة الحسنة وليس من الضرورة ربطها بالدين لأن هذه الحادثة الأخيرة حدثت في بلد التدين فيها ضعيف لكن المجتمع عموما قد تم إصلاحه بعد أن تعبت الدولة في التمكن في إيجاد نظام يتساوي فيه كل الناس لا فرق في لونهم أو دينهم أو حتي تعليمهم والطفل في السويد تهتم به الدولة منذ الساعة الأولي من ولادته وتتابعه إلي أن يكتمل إنسانا نافعا لنفسه وللمجتمع وبالتالي لوطنه. الدرس الآخر والأهم أن المال الحلال لا يضيع فكسبنا عندما كنت أعمل بدولة الإمارات العربية المتحدة كان حلالاً لا تشوبه شائبة والحمد لله.

(٣)التحية والإجلال والدعاء لهذا الراعي الطيب السوداني وللإخوة السعوديين الذين أثاروا إحياء نار الغيرة علي الأمانة التي ظلت حديثاً في زمننا هذا مهددة بالإنقراض ولكي ينتبه الغافلون من الحكام والمسؤولين والموظفين وحتي المهنيين الذين فسدوا وتغابوا وغيّبوا ونسوا يوماً عصيباً حتماً سيلاقونه، يوم يفر فيه المرء من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، يوم لا ينفع فيه منصب ولا شهادة جامعية ولا جاه ولا حسب ونسب ولا بنون. فالدين والتدين وإطالة الذقون والحج والصلاة بدون تقوي ومخافة الله إنها في نظري وفهمي العلمي والنظري والتطبيقي للأشياء ليست بدين لأن الله لا ينظر إلي صورنا ولا إلي وجوهنا ولا إلي أعمالنا إنما إلي التقوي التي في القلوب ، كما جاء ذكر ذلك في أحد أحاديث النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه. الدين والتدين الحق ( الخوف من الله في الظاهر والعلن) هو الذي يكمّل مكارم الأخلاق والسلوك ويوفر الزاد الجميل للسفر الطويل الذي لا عودة منه. أسأل الله أن يهديني وإياكم وكل غافل إلي الطريق السوي لكي ينعم السودان بالرفاء والخير الكثير والحرية والمساواة بين الأفراد والشعوب

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.