بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

المملكة المتحدة
الكتابة عن الراحلين إلي دار الخلود فيها عرفان و مكرمة شهادة لهم وعزاء للاحياء ولأهلهم وذويهم. فالموت الذي حتماً يلاقي كل نفس حية نجده يترك من ورائه أثراً منقوشاً في لوحة الحياة التشكيلية التي تطل معلقة علي جدران هذه الدنيا تاريخاً مقروءاً لا تخفي فيه الحقائق يا أولي الألباب. فهنيئاً للذين تبقي من ورائهم أعمالهم وذكرتهم لوحة تشكيلية جميلة تجمل جدران اروقة أمة بأكملها وهم يغادرون الدنيا تصحبهم سيرتهم الطيبة وأعمالهم الصالحة.
أمامي هذا الصباح المشرق لوحة بهية مشرقة تركها لنا من بعد الرحيل الأبدي أحد قدامي رحال التعليم في السودان وهو المرحوم أستاذ الأجيال الخير الحاج عبدالله. اسماه أبوه "رائد التعليم الأول في زمن كان التوظيف يختصر علي الإنجليز والمصريين وقلة من السودانييين" اسماه الخير أو الأصح "محمد الخير" فجاء محموداً من عند الله ونزل خيراً من السماء ليس علي أسرته فحسب بل علي كل السودان. لم نري فيه ما يشين. كان جميلاً في كل شيء ، في شكله وملبسه ومظهره وابتسامته التي لا تفارق فمه النظيف الذي لا يفوه إلا بكلمة علم وخير ودعاء وبركة. كان يحترم الصغير ويوقر الكبير ويجامل الناس في كل مناسباتهم حتي خلال سنينه الأخيرة وقد فقد فجأة السمع ولكنه لم يفقد العزيمة وروح الخير والصفاء التي عرف بها طيلة حياته . الأستاذ والمعلم الخير الحاج عبدالله تخرج علي يديه آلاف التلاميذ الذين نجحوا فصاروا بدورهم معلمين ودرّسوا معه أو تحت تدريبه ومنهم الكثير الذي نجح في الحياة خبيراً زراعياً أو إقتصادياً أو مهندساً أو طيبياً أو محامياً أو وزيراً والقائمة تطول. ولد محمد الخير ببربر - القدواب في أسرة محترمة كان عميدها والده المرحوم الشيخ الحاج عبدالله الذي كان من أوائل المعلمين في السودان وترقي إلى درجة مفتش تعليم المديرية الشمالية قبل وبعد نيل السودان إستقلاله. ترك الوالد مع إبنه الخير أجيالاً ناجحة من الأشقاء فكان منهم المهندس والإقتصادى والطبيب والإعلامي حتي نمت قبيلة كبيرة من النابهين المرموقين من ابنائه البررة وأحفاده وكذلك كان الإبن الخير " ابوعماد". عماد الخير الذي نعزيه هنا من القلب، سار علي درب والده وجده فصار معلماً وكان وجهاً تليفزيوناً مرموقاً أثناء الدراسة الجامعية حيث كان يبز الآخرين بما بحفظ من شعر ومعلومات عامة مشاركاً في برنامج فرسان في الميدان للميذيع القدير حمدي بدرالدين على شاشة تليفزيون السودان عندما كانت تلك الشاشة جاذبة لانها تذخر بما يفيد الشيب والشباب في ذلك الزمن الذي حظي فيه السودان بنخبة عالية الثقافة والمعرفة ورقاقة الحس والشعور مثل البروفيسور عبدالله الطيب و التيجاني الماحي والندير دفع الله وفنانين تشكيليين وغنائين وشعراء كثر تعج بهم الساحة الثقافية والفنية منهم على سبيل المثال الشاعر محمد المهدي المجذوب وعلي المك ومحمد عبدالحي ورجال عظماء يديرون سياسة الوطن وخدمته المدنية بإخلاص وتفاني فكانوا كل حياتهم أغنياء في عقولهم وخفاف كانت جيوبهم ومحترمون في وطنهم وخارجه . الأستاذ الخير خرج إلي الدنيا من صلب هذا الجيل النير النقي فكان خيراً علي أهله وعلي الجميع وصار معلماً ناجحاً مخلصاً متفانياً ينير العقول ، كان كذلك عبادياً فارساً كريماً مقداماً وسيفاً يلمع في الظلام.

اللهم أغفر لعبدك المعلم المربي محمد الخير عبدالله الحاج عبدالله ، أرحمه برحمتك الواسعة ، اطب مرقده، وأسكنه أعلي جنات الفردوس. العزاء لأسرته بل لأبنائه تلك الأجيال، أعلم أن منهم الكثير الذين عمروا الأرض أين ما قطنوا في عوالم الشتات.

عبدالمنعم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.