عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
    للرسائل سحر وشجن وإنتقال للروح عبر المسافات البعيدة لتعانق أرواح الأحباء من الأهل والأصدقاء أو رفاق الدروب في رحلة هي قدر مكتوب في صفحات مسيرة الحياة قصرت أم طالت ، فلا فرق. لكلمة الرسائل عبق شجي ومعني كبير  ومساحة عريضة لا تمحوها الأيام أو السنون كما لها كذلك جرس موسيقي يضيف لمحة جمالية لتلك الحناجر الجميلة التي كم قد أسعدتنا و تغنت بأجمل الألحان والكلام متضمناً الرسائل في شعر رصين يجعلك تسافر سابحاً في الخيال وبحور الشوق إلي أيام جميلة إنقضت في زمن جميل وطقس جميل ووطن جميل تظلله غيمة صديقة تقي الجميع من وهج الشمس الحارقة.

    بعد عشرات السنين  التي مضت قضيناها نتبادل أروع الخطابات الغنية برسائل الشوق والحنين وتبادل المعلومات وقضاء الحاجات ومع انحسار مساحة البريد السطحي والجوي كما أسلفت في مقال سابق صرنا نعتمد الآن علي تبادل رسائل البريد الإليكتروني الحديثة الرقمية التي برغمها نجد فيها شيئاً من السلوي وبهجة النفس من ما يشفي غليل كل مشتاق ومحب وكل الذين يعانون من لواعج الغربة المؤلمة. ما أجمل تلك الرسائل التي تأتيك فجأة ومن غير توقع بعد سنين  تكاثرت عدداً من شخص عزيز لديك أو زميل دراسة أو مهنة أوتعرفت عليه عبر لقاء كان في سفر أو محطة من محطات الحياة العريضة. رسالة مختصرة  وصلتني قبل أشهر قليلة عبر الإيميل عنوانها : هل تذكرني يا عبدالمنعم؟ وتضمنت  الآتي:
    سلامات يا عبد المنعم . زمن طويل لم أراك . و قد سعدت بالأطلاع على كتاباتك و مقالاتك بالأنترنت . أتمنى أن تكون مازلت تذكرنى . أنا من ضمن دفعتك فى بربر الثانوية (الدفعة الأولى)

        و كنت قد ألتحقت بكلية القانون بجامعة الخرطوم لمدة خمس سنوات . و بعد التخرج عملت قاضيا لعدة سنوات ثم أستقلت من القضاء . و منذ (17) عاما أعمل بالأمارات . هل تذكرنى يا عبد المنعم ؟
        الأخ عبد العظيم الريح (أبن خالى) دائما يذكرك بالخير . و يذكر لى مجهوداتك لترقية مدرسة بربر الثانوية .

        أتمنا نتواصل عبر الأنترنت على الأقل ...
        تحياتى مجددا .
        السر سعد أحمد المحامى و المستشار القانونى .


        جاء ردي للتو علي رسالة مولانا السر:

    العزيز جداً والأخ الفاضل مولانا السر سعد
    أسعد الله أيامك في حلك وترحالك. وسلام إليك من صبا النيل أرق فللإخوان والخلان شوق في القلب طبوله دائماً تدق  ولذكراهم أشجان وألحان أغنيات كلماتها ترق وميادين عشقهم غمراتها فيض لا يشق. وكيف لا فلقد أدخلت عليّ اليوم غامر السعادة وكثير السرور برسالتك المفاجئة التي جاءت جداً معبرة بكلماتك  ورغم إختصارها إنها لتعبر صادقة عن حميمية زمالة درب كان أخضراً يانعاً بكل طيب كم وكم قد قطفنا من ثماره الحلوة النواضج وإن لم تنضج أعوادنا بعد.
    كيف أنساك يا أخي وهل ينسي القمر في سماه؟؟

    أنا كنت أعتبرك "فيلسوس" دفعتنا وكنت أتوقعك تدرسها في الجامعة لأنك كنت تتمتع بنمط مميز يخصك وحدك وكنت تجلس في ركن قصي نهاية الفصل قبالة الشباك تسرح في الخيال وأحياناً تفرك شعر رأسك الكثيف ( لعله باق مكانه ولم تعبث به تضاريس الزمن) ،  لكن لا غرابة أن جاء نتاج كل ذلك بالقاضي والمحامي والمستشار القانوني الكامل المكتمل  الأخ "مولانا السر سعد"، لك التجلة والإحترام. ربما لا تعلم أنني قد سافرت مرة وأنا في الصف الثالث ثانوي  إلي دنقلة العجوز ومنها إلي منطقة تسمي السير شمال ثم مدينة أرقو الجميلة حيث كان يدرّس فيها الاستاذ بابكر أحمد خلف الله ( زميل وصديق الاستاذ الشاعر عوض حسن التور) وهو زوج شقيقتي فاطمة. وأنا في القطار إلي كريمة  توقفنا في محطة "كاب الدجاج" لملء وتزويد خزانات القطار بالماء قبل مواصلة رحلة الصحراء الطويلة المملة. تذكرت ساعتها أن والدك يعمل في تلك المنطقة البعيدة. فشاهدت من علي البعد دكاناً صغيراً  قرب المحطة فذهبت لأسأله عن عمنا التاجر سعد أحمد سعد (من ناس بربر) وكانت المفاجأة إذ أنه هو والدك نفسه صاحب المحل وقد سر جداً للزيارة والسؤال عنه وقدم لي مشروباً بارداً من "الفانتا"من ثلاجة تعمل بالغاز (تخيل كان ذلك في كاب الجداد).ذلك الإكرام ما هو إلا قمة التقدير والإحترام. فجيل والدكم "نَفَر كريم لا يعوض" كانوا بحق أغنياءاً لأن الفقر ليس فقر من مال بل هو فقر الأخلاق. اللهم أكرمهم أحياءًا كانوا أو إذا صاروا بين يديك في برزخ ينعمون برحمة من الله

    التحيات لأسرتك الكريمة ولقد سرني وضعك الحالي وأنا بالطبع أعلم دراستك للقانون . وبهذه المناسبة يجدر الذكر بأن جُلنا " أعني أول دفعة تخرجت في مدرسة بربر"  قد دخلنا جامعة الخرطوم سوياً وبإمتياز  ( كرم الله علي عبدالرحمن وعبدالرحمن محمد محرم وشخصي الضعيف كلية العلوم ). لكن أنا تركتها بإرادتي هروباً وقد ضجرت من قسم الجلوجيا وتكسير الحجارة،  إن كنت تذكر ذلك أم لا،  رغم طيب وأريحية الدكتور الرائع صلاح الربعة ( رئيس القسم آنذاك). السبب أن رغبتي منذ الطفولة في الطب كانت ملحة والحمد لله فضل الله علينا ليس له حدود فقد تحقق الحلم  والفائدة الكبيرة . أما إن سألتني لماذا لم أدرس الطب في الخرطوم ولكن في بغداد فقد سألني آخرون و لذلك قصة يطول شرحها  وسبباً تركته خلفي طَي النسيان ليس خوفاً أو خجلاً من أحد يمشي علي رجلين بل العكس  تاركاً  لبعض المرجفين، الذين لا يحسنون الظن ولا يجيدون الحديث ولا يسترهم ثوب كثيف ونظيف، مساحة عريضة من الخيالات ليبنوا عليها ما يحلوا لهم من حيطان رمل هشة  لا يتمكنون من الإتكاءة عليها أو تسلقها. أيضاً لينسجوا من خيالهم المريض "زادهم الله مرضاً" حكاوي أو ما يبعث النشوة السكري في نفوسهم التي لا تأنف من أكل لحم إخوانهم وهم أحياء أو حتي إن ماتوا وصار لحمهم جيفة. أولئك النفر هم من الذين يأكلون طَعَامِك ويبتسمون في وجهك ظانين أنهم يستغفلونك ، و إذا خلوا إلي شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن. لكن الله بقدرته  يمنح بعض عباده  فراسة ترجمة لغة العيون والإبتسامات الكاذبة

    أخي مولانا السر بما أنك  الوحيد من بربر الثانوية وفخرنا أول رجل القانون " أول خريج من جامعة الخرطوم العريقة" فلا بأس أن أبوح لك اليوم  وللقراء الذين يعرفونني بالحقيقة الدامغة علي الهواء مباشرة سابحة في سموات الله العريضة إلي أجل غير معلوم ولتكون أنت كذلك  شاهداً وختماً قانونياً علي العصر. أما القارئ الفطن حتماً سيفهم ما أعنيه عبر السطور.

    السبب ببساطة هو عدم الإنتظام في الدراسة لظروف طرأت عليّ وأنا في الصف الأول من كلية العلوم لأكثر شهر.  القصة تحكي أن إثنان من زملائي في الدفعة ( البيريليم آنذاك) قد حفزاني بقوة لأتبعهما لدخول منافسة التقديم لإختيار مبعوثين  طيارين للخطوط الجوية السودانية. كان الطلاب الطيارين آنذاك  يبعثون و يتلقون الدراسة والتدريب في المملكة المتحدة. دخلنا إمتحانات كانت جداً صعبة باللغة الإنجليزية  فيها مواد الفيزياء والرياضيات واللغة الإنجليزية ومعلومات عامة ومن بعدها في التصفيات الأخيرة إمتحان شفهي باللغة الإنجليزية . الممتحنون كانوا من  كباتنة طيران سودانير.  بإختصار أنا كنت الخامس من العشرة الأوائل من جملة الممتحنين الذين فاقوا المائة . حسب ترتيب البرنامج المفروض كان لابد من النجاح في الكشف الطبي قبل إختبار اللياقة البدنية التي علي ضوئها يتم القبول النهائئ. ذهبت مع زملائي الإثنين وقد نجحا مثلي إلي مكان الكشف الطبي عند عيادة وإشراف الدكتور محي الدين مهدي عليه رحمة الله. كانت العيادة في ذلك الزمن  تقع علي شارع الحرية في الجانب الغربي وتفتح جهة الشرق. سلمنا عينة من البول ودخلنا علي الكشف وأذكر جيداً ما قام به الدكتور من كشف فقط مستعيناً  بالسماعة " إستمع إلي ضربات القلب ثم التنفس من خلف الظهر ".

    إنتظرنا النتائج وبعد عشرة أيام خلت كانت المفاجأة، التي ألمتني كثيراً في زمنها،  وهي أنني  لم أنادا للجلوس لإمتحان اللياقة البدنية الذي يحدد من سيسافر للبعثة.  شقيقي الأكبر الموقر مجذوب عبدالمحمود العربي كان له علاقات واسعة في الوسط الإجتماعي الخرطومي بحكم وظيفته أنذاك وبمعرفته لأشخاص في إدارة سودانير قام بالتحري عن سبب عدم  قبولي فكان عند جهينة الخبر اليقينا " أن أخوك وجد غير لائق طبياً". مرت بي فترة إحباط نفسي شديدة " بس ربنا ستر ما وصلت بي للدكتور تجاني الماحي أو دكتور بعشر" لكن جاء العلاج الناجع من جملة قصيرة واحدة قالها لي شقيق والدتي "مولاناالشيخ أحمد الطاهر الربيع عليه رحمة الله" وقد كان يعمل بمحكمة الخرطوم ، علّق بعد أن علم بالموضوع ،ساخراً "بِسْم الله، عاوز تبقي سواق طيارة!". هكذا بجرة قلم اختصر خالي الموضوع برمته ورمي به في سلة المهملات ناسياً كل مجهود إمتحانات الفيزياء والرياضيات الصعبة والتقنية التي تقف من وراء قيادة الطائرة وعظم الخدمة الإنسانة و المسؤلية التي يتحملها الطيارون.  لم يمض وقت  طويل حتي جمعت قواي النفسية المنهكة وعاودت علي مضض الدراسة في جامعة الخرطوم ووالله لا أخفي عليك فقد كرهتها. عليه فقدت في الإمتحان النهائي المنافسة لأحرز مقعداً بكلية الطب السودانية الوحيدة  (فقط تستوعب أربعين طالباً) آنذاك وكان البديل المفروض أن اذهب ألتحق بكلية الزراعة حسب رأي الدكتور عبدالرحمن العبيد رئيس مكتب شؤون الطلبة فرفضتها بحكم أن كل أهلنا في بربر كانوا إما مزارعين أو تجار أو معلمين وكتبة محاكم ومجالس حكومية أو عمال سكة حديد في ورشة عطبرة. هكذا بقيت بكلية العلوم ثم قسم الجيولوجيا حتي الصف الثاني ومن ثم الي قسم الجيولوجيا وتركتها كذلك بعد ما ضمنت بعثة مكتب البعثات الذي يتبع لوزارة المعارف "التي كانت متاحة للكل" إلي جامعة بغداد العريقة. أما أصدقائي الإثنين فقد منَّ  الله عليهما بالسفر إلي المملكة المتحدة وعادا ليقودان بجدارة طائرات سودانير عبر الأجواء العريضة بما في ذلك الطيران حتي مطار هيثرو بلندن ( الآن صار الخط فقط تاريخاً يذكر، للأسف إفتقد في ظروف غامضة حتي اللحظة لم يحسم أمرها).  هما كابتن ع. ج  وكابتن ع.ع. تمر السنوات وأنا عريساً خلال الثمانينات من القرن الماضي كانت تصحبني زوجتي إلي الإمارات العربية المتحدة علي متن إحدي طائرات الشمس المشرقة "آنذاك" يفتتح كابتن الطائرة الحديث عبر الميكرفون عند ما حلقت الطائرة في الجو معرفاً بنفسه كابتن ع.ع مرحباً بالركاب ومتمنياً لهم رحلة سعيدة.  بالصدفة كان رئيس المضيفين السيد "مبشر عبدالقادر" صديقاً لشقيقي عمر عبدالمحمود فأعطيته  كارت زيارة بإسمي قلت له "بالله سلمه للكابتن وقول له هذا من أحد الركاب يبلغك السلام". لم تمر دقيقة فينفتح باب القيادة ويأتي زميلي ببشاشته المعهودة وأسارير محياه وطلعته البهية ، طويل القامة حسن الهندام عليه وقار من تعلم من مدرسة الحياة أكثر من ما كان سيجنية من بقائه بجامعة الخرطوم. سلم عليّ  بحرارة وجذبني إلي داخل كابينة القيادة قائلاً وضاحكاً  " إنت زمان عاوز تبقي طيار يالا أقعد هنا وصلنا دبي". كانت لحظة من الفرح بلقائه ولحظة من المرح لأنه كان سيد المرح والضحك واللهو البريء، فعلاً جلست علي كرسي القيادة ووالله لقد سعدت به وبلقائه وبما أنجز من نجاح. هنا أفضّل ترك أسماء هؤلاء الكباتن المحترمين فقط  "مختصرة بحروفها الأولي " علها تكون وصفة طبية "من عندي" تبعث الحياة أو تنعش الذاكرة في نفوسٍ أذهانُها قد شاخت أو ضمرت نتيجة  أسباب ما ولا غرابة إن كانت اليوم فقدت الذاكرة أو كادت لكنها برغمها لا تترك العبث تلكؤ لحم الغير من الشرفاء لأنها شبت عليه، ومن شب علي شيء شاب عليه! لعل تلك النفوس. تفيق فتتوب وتستغفر من عذاب يوم سؤله محتوم فالكتاب لا يفرط ما يعذب من مثقال ذرة أو دونها . فعلاً أخي السر كنت قد شرعت جاداً في أن أكون طياراً يحلق في الأجواء العريضة ولكن شاء الله في الكتاب أن أكون طبيباً رغم كل شيئ  ورغم أنف كل الأجواء المتقلبة وكان التحدي أن  التحق بجامعة ذات مستوي ممتاز ، فكانت هي في بغداد الحبيبة بلد الرشيد ومنارة المجد التليد فدرست وتخرجت فيها بإمتياز "أحسن جامعة كانت  في كل البلاد العربية" ،  أنا وزملائي د. حسن لقمان ود. عوض الكريم الدوش. فالحمد لله وحده إنه نعم المولي ونعم النصير وقالوا في المثل "الفاتح أسرع فوتو".  أما إن سألتني عن بغداد فذكرها الجميل الشجي يحتاج إلي كتاب يضمها إن شاء الله ستسمع عنه قريباً

    مولانا السر، أعتذر لك إن كنت قدأطلت عليك ، لكن قصدت أن أعبر لك بكلمات متواضعات عن فرحتي بإتصالك بي مجدداً العهد باعثاً في نفسي أملاً أخضراً يقهر سنيننا العجاف، ويعيد بريقاً شبابياً يزيدنا قوة ونشاطاً لنواصل العمل المثمر من أجل راحة الإنسان وصحته الغالية.  أسأل الله صادقاً أن يجزيك أحسن الجزاء وأن يكرمك بالعفو والعافية ويهبك الصحة وخيري الدنيا والآخرة، فما كل تذكرك لي أو للآخرين إلا رغبة صادقة منك في التواصل الذي هو من حسن خلقك . حفظني الله وإياكم  كل الزملاء والأصدقاء وأرجو من الله أن تلتقي طرقنا مرة أخري في رحلة الحياة  "اللهم أجعلها رحلة سعيدة سهلة وميسورة وممهورة بحسن الختام"
    سنتواصل إن شاء الله
    في أمان الله

    أخوك عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
    عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.